العنوان جنون الديكتاتوريات واللعبة القذرة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
مشاهدات 70
نشر في العدد 1121
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
مما هو معروف وبدهي أن الديكتاتوريات في كل عصر ومصر، لا تنبت إلا الشوك والحنظل ولا تزرع إلا الهم والغم ولا تخلف إلا الدمار والبوار، ولكن للحقيقة والتاريخ فإن الديكتاتوريات العربية تعاظمت على كل ذلك، وتطاولت على كل هذا، فجمعت بين أنساق وألوان وآثار تلك الديكتاتوريات وعليها مزيد فطعمت بأنواع وأشكال وأخلاط من الجنون المطبق والهياج المفجع، فهي: فاشية ونازية وقيصرية وكسروية وماركسية، وشمولية وفوضوية ودموية، تتمتع بمميزات جنونية ومواهب هستيرية وإبداعات تشنجية فريدة ولهذا فهي تسجل كل يوم اختراعات جديدة وتدون كل لحظة براعات غير مسبوقة في عالم الضياع والانهزام النفسي والحضاري والاجتماعي، تحمى هذه البراعات عصابات من البلدوزرات الآدمية وزبانية من الغوريلات البوليسية، وأرتال من الميلشيات العسكرية، ولهذا فلم يستطع أي مثقف عربي الصمود أمام هذه الديناصورات المتوحشة، المتعطشة للدماء والأشلاء أو يقدر أي مفكر عبقري الظهور في ميدان هذه الوحوش الكاسرة، ولهذا فقد خلت الساحة حتى من الشعوب وانفضت الأمم حتى من العقول والمواهب، ولم تستطع الأمم إلى اليوم صنع تاريخها بل يصنع لها وبالتالي فهي لا تعرف شيئًا عن مصائرها في المستقبل القريب أو البعيد، ولا عن حاضرها في الصباح أو المساء، بل تفجؤها أفعال الشياطين وتدبير الأبالسة بغير علم منها ولا مشورة، أو تدبير لها ورأي إلا قرار جلادها الذي يصك الأسماع كل وقت وحين قائلا: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، ويأنس الديكتاتور من نفسه القدرة المطلقة والقوة الخارقة والرأي الملهم ويتصور «المستبد» نفسه البطل الذي لا يقهر والقادر الذي لا يهزم والعملاق الذي لا يُنال، والقادر على القيام بالشيء وضده، وبالانتقال فجأة وبدون مقدمات من النقيض إلى النقيض فنرى مثلًا صدام حسين يتحول بغتة وبدون مقدمات من حرب قومية عربية ضد إيران «الفرس» إلى حرب علمانية ضد التعصب الديني، إلى حرب من كان يعتمد عليهم من قومه بالذات «وهم الكويت والسعودية» إلى حرب ضد الغني الذي لا يشارك الفقراء، وذلك بعد أن قضى على معظم فقرائه من الأكراد والعرب بالغازات السامة، ويتذكر فجأة وجود العدو الصهيوني كما يتذكر ضرورة محاربته، بعد ما كان قد نسى ذلك إثر ضرب المفاعل الذري العراقي ثم احتلال (إسرائيل) لبيروت، وهكذا قفزات فهمها بعض الأغرار من العرب حنكة سياسية وشطارة تكتيكية وشجاعة يعربية، ولكنا من زمان بعيد علينا نبحث عن مصداقية التجانس بين الفكر والموقف وبين الدعوة والممارسة، وبين الشخصية والسلوك وبين التاريخ والواقع، وبين المنشأ والتربية والغاية والطموح والهدف، فلا نجد غير المتعاكسات والمتضادات، والانفصام وتورم الأنا وغيوم السموم في أوقات الأمة أحوج ما تكون فيها إلى منقذ ببصيرة، ومرب بقلب ورائد بهدف وقائد بإيمان، ولكنه وللأسف تغيب عن كثير من الجماهير العربية والإسلامية الحنكة الفكرية والسياسية، فتجنح إلى السطحية وهذا ما يجعل كثيرًا من المستبدين يستدعون في الأمة والجماهير العربية المكبوتة.
لا سيما تلك البعيدة عن منطق الأحداث- آمال الفوز بعد القهر، وأحلام السيادة بعد الذلة وهذا ما استعمله صدام في لعبة صواريخ «إسكود» التي قذف بعضًا منها على (إسرائيل) فإذا ببعض الأغرار يظنون أن في الجبة أسدًا ولكنها كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير الذي انقلب بعدها فارًا وذاق الشعب العراقي ويلات تلك الحروب مئات الألوف من القتلى ومئات الألوف من الثكالى والأرامل بغير ثمن، بل في سبيل الشيطان وإرضاء لغرور هذا الطاغية، وضاعت كل البنية الأساسية للبلاد ورجعت ألف سنة إلى الوراء واستدانت ورهنت ثرواتها وجاع شعبها، وضاع كل شيء وبقي الطاغية وظلمه وأحلامه الدخانية وغروره وصلفه الأرعن وخيبته الثقيلة، واليوم يأتي بما تبقى له من أشلاء تسمى جيشًا، وحطام يسمى عسكرًا ولعب يسمى سلاحًا ودمى تسمى طائرات، يعيد الكرة ويمعن في الغي ليزيد الأمة استعمارًا على استعمار وفقرًا على فقر وإجهاضًا على إجهاض، ولو تسلطت على أمة من الأمم شياطين الأرض وأبالستها لتجلب عليها النحس ما استطاعت مثل ما استطاع الطغاة ولا فتكت مثل ما فتكوا لك الله أيتها الأمة المسكينة؟ ما كان هذا عهدنا بك.
عهدتك لا تستعذبي الضيم مشربًا***وإن أحكمت حول اليدين السلاسل
أضر بك الكيد المدير والأذى***وناء بما حملته اليوم كاهل
خداع ومكر واعتداء وفتنة***تموج بها أرض ويطفح ساحل
أرى كل يوم للطغاة مكيدة***فلا الحق موضوع ولا الجور زائل
مهازل ما زلنا نقاسي جحيمها***وقد كثرت فيما أتوه المهازل
بلا أي قانون سوى شرعة الهوى***نسير ولا تنفك تتري الغوائل
وإني مشوا في كل واد فحولهم***يصفق ماجور ويهتف جاهل
عليهم سياج الجند يضرب إنهم***يؤرقهم طيف من الخوف مائل
كأني بهذا الشعب قد ثار ثورة***وليس على الإخماد تقوى القنابل
سيعلنها المؤذن يوما وعندها***يحس أخو نوم ويشعر زاهل
فهل آن الأوان المحاسبة تلك الأرجوزات بأيد عربية وبعزائم الشعوب الواعية وسواعد الأمم المؤمنة أم أنها ستظل تركل بالأرجل وتؤخذ بالنواصي والأقدام من خارجها ويظل هذا قدرها؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل