العنوان فرنسا وأفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1980
مشاهدات 86
نشر في العدد 476
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-أبريل-1980
منذ زيارة الرئيس الفرنسي للكويت وبعض الدول العربية الأخرى في أوائل شهر مارس، كثر الحديث عل المستويات الرسمية والشعبية ومن خلال جميع وسائل الإعلام عن سياسة فرنسا الإيجابية تجاه العالم الإسلامي خاصة «مشكلة الشرق الأوسط» وقد رأينا نحن في المجتمع أن المبادرة الفرنسية ومن ورائها المبادرة الأوروبية بشكل عام لها دوافع تنطلق من المصلحة الاقتصادية أولا وأخيرًا. وأن هذه المبادرة بحكم تشابك الظروف الدولية والتحالف الغربي لا يمكن أن تكون إلا بمباركة أمريكية يهودية.ويبدو أن المسؤولين لي بعض الدول العربية قد نسوا أن فرنسا كانت إلى عهد قريب دولة استعمارية. وأن وجودها العسكري الحديث في أفريقيا يكشف عن سياستها المصلحية وتنسيق ذلك مع الادارة الأمريكية. واسهامًا في تجلية السياسة الفرنسية ننشر هنا مقالًا نشرته مجلة «أفريقيا الغد» التي تصدر في باريس عن الدور الفرنسي في أفريقيا خلال العقدين الأخيرين.مجلة أفريقيا الغد الصادرة في باريس:فرنسا وأفريقيا منذ عشرين سنة مضت عشرون سنة على استقلال أغلب الدول الأفريقية التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي، ومنذ أن استقلت تلك الدول في عهد الجنرال ديغول الذي تجاوب مع معطيات الأحداث الأفريقية آنذاك، عندما وافق على ذلك التغبير في تاريخ القارة ورسمت فرنسا لنفسها سياسة أفريقية محددة تعتمد على ضمان المصالح الفرنسية فيها، تلك هي السياسة التي خطط لها ديغول وسار عليها بعده الرئيس الراحل بومبيدو، وما زال خلفه الرئيس جيسكار ديستان يواصل تطبيقها مع شيء من التعديلات التي تناسب المعطيات الجديدة في القارة.
- الجسور التي تربط السياسة الفرنسية بأفريقيا:
أن هذه السياسة الفرنسية نحو أفريقيا استعملت وسائل عديدة لاستمرارية ارتباطها بالقارة حرصًا على المصلحة الخاصة لفرنسا أولًا. فقد انطلقت هذه السياسة من إرساء دعائم الصداقة غير المسلحة مع الدول الأفريقية الناطقةبالفرنسية التي تحولت إلى صداقة مسلحة اتسمت بإرسال قوات فرنسية إلى دول إفريقية كانت أوضاعها الداخلية قد تدهورت كما حدث في تشاد وموريتانيا وزائير. ومنذ سنوات بدأت هذه السياسة تتعدى الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية لتضم دولًا أخرى في القارة من تلك التي كانت تحت الاستعمار البريطاني، لكي تصل هذه السياسة لي نهاية المطاف إلى محاولة لإنشاء حلف اقتصادي وسياسي يضم إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. على الرغم من هذا التقارب الفرنسي المصلحي مع دول القارة اتسمت سياسة فرنسا نحو مشكلة جنوب أفريقيا بالتذبذب، والنقاق.
- الدبلوماسية الفرنسية الهادئة في أفريقيا:
أول من بدأ الدبلوماسية الفرنسية الهادئة هو الجنرال ديغول بعد أن حصلت أغلب الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية على استقلالها من الاستعمار الفرنسي وسار على نهجه خلفه الرئيس بومبيدو، كما انتهج الرئيس جيسكار ديستان نفس السياسة الهادئة في السنوات الأولى من رئاسته. تلك الدبلوماسية الهادئة كانت تتسم بتبادل الزيارات على مستوى الزعماء والوزراء بين الجانب الفرنسي والجانب الأفريقي وبعقد اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين الجاذبين، ووصل الأمر ببعض الزعماء الافارقة إلى طرح فكرة إنشاء رابطة إفريقية فرنسية على غرار الكومنولث البريطاني، كما وصل الأمر بفرنسا نفسها إلى اقتراح عقد حلف ثلاثي اقتصادي بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي، كما تجسدت هذه الدبلوماسية الفرنسية الهادئة في أمور أخرى مع دول القارة مثل عقد مؤتمرات قمة فرنسية أفريقية كل سنة والتي عقد المؤتمر السادس منها في العام الماضي في روندا، الذي دعا فيه الرئيس الفرنسي إلى إقامة جيش تدخل أفريقي وإلى تعاون أفريقي أوثق لكن بعض الدول الأفريقية رفضت فكرة تكوين مثل ذلك الجيش الذي سيؤدي في رأيهم إلى خلفيات قد تكون لها خطورتها على الأوضاع الداخلية للدول الأفريقية
- الدبلوماسية الفرنسية في أفريقيا:
لقد بدأت الدبلوماسية الفرنسية تتجه نحو التدخل العسكري في دول أفريقية في عهد الرئيس جيسكار ديستان، وبالتحديد بدأت هذه الدبلوماسية الفرنسية المسلحة في القارة بعد التدخل العسكري الكوبي في انجولا سنة ١٩٧٥الذي أنهى الحرب الداخلية في تلك الدولة الأفريقية لصالح حلفاء المعسكر الشيوعي. هذا الوقف الكوبي سبب ذعرًا لدى دول أفريقية معتدلة في المنطقة ومن هنا وجدت فرنسا أنها يمكن أن تلعب دور الشرطي في القارة حفاظًا على المصالح الغربية فيها.
- القوات الفرنسية تدخلت في زائير في مايو ١٩٧٧
في مارس ١٩٧٧ أعلن ثوار منطقة (شابًا) الزائيرية حرب حدود على الحكومة المركزية في زائير الموالية لفرنسا واستطاع الثوار أن يستعيدوا من الحكومة مناطق حدودية غنية بالمعادن، فطلب الرئيس الزئيري الجنرال موبوتو دعمًا عسكريًا من فرنسا لا يقاف تقدم الثوار، ووافق الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان على الطلب الزائيري من منطلق الدبلوماسية الفرنسية المسلحة حيث أعلن الرئيس ديستان نفسه للتلفيزيون الفرنسي أن فرنسا وافقت على تقديم الدعم العسكري إلى زائير لأن قوات خارجية بدأت تهدد أمنها الداخلي وأن فرنسا أقدمت على ذلك من منطلق مبدأ التضامن الأوروبي الأفريقي، وبفضل العون العسكري من جانب فرنسا والغرب اضطر الثوار إلى أن يعيدوا إلى الحكومة الزئيرية تلك المناطق التي كانوا قد استدلوا عليها.
- فرنسا تدعم وجودها العسكري في تشاد سنة ١٩٧٧
وكانت القوات الفرنسية موجودة في تشاد قبل التدخل الفرنسي في زائير. وقبل شهر من إرسال قواتها إلى زائير. دعمت فرنسا وجودها العسكري في تشاد بإرسال مئات الجنود وعشرات الطيارات العسكرية بعد أن أعلن الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان أن فرنسا لن تقف الأمن الداخلي لأحد أصدقائها في خطر.ولا شعرت فرنسا بالمضايقة من لبس جلد شرطي الغرب في القارة الأفريقية بدأت خارجيتها تخطط لوجود غطاء يضمن وجودها العسكري في القارة تحت قناع آخر غير قناع الشرطي المألوف فبدأت فرنسا تحاول إقناع الزعماء الأفارقة بأهمية إنشاء جيش دفاع أفريقي مشترك للتدخل في المناطق الأفريقية الساخنة، كما سعى الرئيس الفرنسي ديستان في مؤتمر القمة الفرنسي الإفريقي الرابع في داكار عاصمة السنغال أن يقنع زعماء الدول الأفريقية بجدوى إنشاء حلف عسكري للتضامن الأوروبي الأفريقي لكن دول القارة تحفظت على هذه الاقتراحات الفرنسية، كما أن أمريكا أبدت تحفظها كذلك نحو إقامة حلف عسكري أوروبي أفريقي خشية أن يؤدي وجود حلف (ناتو) أفريقي إلى ولادة حلف (وارسو) أفريقي منافس.
- سياسة فرنسا الانفتاحية في أفريقيا:
في ضمن محاولتها دفع شبهة الشرطي في القارة الأفريقية عن نفسها انتهجت فرنسا في عهد جيسكار ديستان سياسة انفتاح على دول أفريقية غير ناطقة بالفرنسية. ففي سنة ١٩٧٨ قام وزير خارجية فرنسا بجولة في كل من كينيا وزامبيا وتنزانيا، كما زار مسئول كبير في الخارجية الفرنسية كلا من سيراليون وغامبيا وليبريا وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، وكلها دول أفريقية غير ناطقة بالفرنسية.والعلاقة الفرنسية الجديدة مع نيجريا كانت السمة المميزة لسياسة الانفتاح الفرنسية، فمنذ أن تورطت فرنسا في أزمة إقليم بيافارا الانفصالية توترت العلاقات بين فرنسا ونيجريا، ولكن تحسنا ملموسًا بدأ يظهر على العلاقات بين البلدين منذ زيارة وزير خارجية فرنسا لنيجريا سنة ١٩٧۳ حيث ظلت الزيارات المتبادلة بينهما على مستوى الوزراء مما ادى إلى التوقيع على اتفاقية تعاون اقتصادي بين باريس ولاجوس في مايو ١٩٧٧ وبموجب تلك الاتفاقية أصبحت نيجيريا أول مستورد من فرنسا بين البلاد الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء و كما أصبحت خامس مصدر للنفط إلى فرنسا بعد الدول الخليجية مباشرة، كما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام ١٩٧٨ ثمانية بلايين فرنك فرنسي. وتوجد في نيجيريا الآن حوالي ستين شركة فرنسية تزاول اعمالها في مجالات البناء والاشغال العامة والخدمات.من هنا يتضح معنى الشعار الذي أطلقه الرئيس الفرنسي ديستان حين قال: «أن العالم قد تغير كثيرًا» نعم لقد تغير العالم كثيرًا، تغيرت أفريقيا كما تغيرت أوروبا وفرنسا أيضًا. فإن المعطيات الأفريقية والعالمية التي أجبرت الجنرال ديغول إلى الموافقة على استقلال الدول الأفريقية هي نفس المعطيات التي جعلت خلفه الرئيس ديستان يسير بسياسة قوتنا تجاه أفريقيا على نحو تضمن الصالح الفرنسية في القارة قبل كل شيء مستعملًا في ذلك وسائل عديدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل