; جوائز رمضان (3) العتق من النار.. من موجبات العتق الصدق والوفاء وغض البصر | مجلة المجتمع

العنوان جوائز رمضان (3) العتق من النار.. من موجبات العتق الصدق والوفاء وغض البصر

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005

مشاهدات 76

نشر في العدد 1674

نشر في الصفحة 42

السبت 22-أكتوبر-2005

ما زلنا مع نفحات شهر رمضان وجوائز الصائمين فيه، ومع الجائزة العظيمة والنفحة المباركة والمنة الكبيرة.. مع النعمة الربانية والعطية الإلهية في هذه الأيام المباركات من ۲ شهر الصيام الذي يقول عنه رسول اللهﷺ : «وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار» (رواه البيهقي).

إنها نعمة العتق من النار والنجاة من عذاب الجبار .. فقد ساق لنا تلك البشارة وزفه إلينا رسول الله ﷺ حين قال: «ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة»، (رواه الترمذي). وحثنا على الحرص على هذه الجائزة بكل عمل صالح يوجب المغفرة ويؤدي إلى العتق فقال: «من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار»، (رواه البيهقي).

إرهاصات الرحمة والمغفرة والعتق

ومما يوحي بتلك الجوائز هذه الإرهاصات المباركات والمقدمات الطيبات التي تصحب رمضان، وقد بين لنا رسول الله ﷺ بعضها في أقواله التي لا ينطق فيها عن الهوى...

منها تزيين الجنة، فقال: « إن الجنة لتتزين من السنة إلى السنة في رمضان» (رواه الطبراني).

ومنها، فتح أبوابها، وإغلاق أبواب جهنم، وحبس الشياطين وتصفيدهم، كما ذكر: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» (رواه مسلم).

ومنها: بشارته للصائمين بالدخول من باب الريان في الجنة: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم.. يقال أين الصائمون؟ فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلا يدخل منه أحد». (رواه البيهقي).

ومنها: أن الله تعالى جعل الصيام له سبحانه، وهو الذي يجزي به أضعافاً كثيرة بغير حصر ولا عدد .. كما جاء في الحديث: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري).

ومنها أن الله تعالى ينقي عباده من أدران المعاصي ويهذبهم بالصيام، فتنكسر نفوسهم، وتضيق مجاري الشيطان في دمائهم، فتخلو قلوبهم للفكر والذكر، ويزدادون حباً لله وشكرًا وطاعة، ويتقربون إليه بترك الشهوات المباحة، ومن قبلها ترك المحرمات من كذب وظلم وعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري). إذ إن الصيام على ترك الطعام والشراب أهون من الصيام عن ذلك، يقول جابر رضي الله عنه : إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

ومنها: مضاعفة أجر الأعمال الصالحة في شهر رمضان عما سواه من الشهور؛ لشرف الزمان، كما قال ﷺ : «أفضل الصدقة صدقة في رمضان» (رواه الترمذي).

ومنها ليلة القدر.. العظيمة القدر..المضاعفة الثواب والأجر .. ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر:3).. أي عمل صالح فيها خير من عمل في ألف شهر، وكذلك الدعاء الوارد فيها : «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

لذا فإن الكيس الفطن لا يضيع تلك الفرصة في العشر الأواخر من رمضان، بل تجده يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها. ويتحرى ليلة القدر التي من حرم خيرها فقد حرم فيقوم ليلها : لقول رسول الله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه (رواه مسلم).

ويجتهد فيها قدوة برسول الله ﷺ الذي كان «إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله، وشد المئزر» (رواه البخاري).

وكما تقول عائشة - رضي الله عنها – إنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده (متفق عليه).

والاعتكاف: لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل. والمعتكف لا يشتغل إلا بالطاعة من صلاة وقراءة القرآن والذكر. وكل ما ذكر مما سبق هو مما يوحي بالقرب والمحبة، والرضا والعفو والعتق من النار ... وما أجمل ما ذكره لنا رسول الله ﷺ حين قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي.. أما الأولى : فإنه إذا كان أول ليلة منه نظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا. وأما الثانية: فإن الملائكة تستغفر لهم كل يوم وليلة. وأما الثالثة : فإن الله يأمر جنته فيقول لها : تزيني لعبادي الصائمين يوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي. وأما الرابعة فإن رائحة أفواههم حين يمسون تكون أطيب من ريح المسك، وأما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة منه غفر الله لهم جميعًا، فإن العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم»، (رواه الطبراني).

لا إله إلا الله.. هي التي يعتقك الله بها من النار. قلها بإخلاص واعمل بمقتضاها وتجنب ما يناقضها من تذكر النار وحرها وذل أهلها .. عقد العزم على الهروب منها

هل تحب أن تعتق رقبتك من النار؟

«لا إله إلا الله» ... هي التي يعتقك الله بها من النار .. قلها بإخلاص، واعمل بمقتضاها وشروطها، وتجنب ما يناقضها، تكن من الفائزين.

قل دائماً : «لا إله إلا الله» مخلصاً من قلبك، فهي تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي منها ذنبًا، ولا يسبقها عمل، وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار، وادع الله صباح مساء وقل «اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك.. فإن من قالها حين يصبح أو يمسي أربع مرات أعتقه الله من النار» (رواه البخاري).

ومن قالها مخلصاً من قلبه حرمه الله على النار .. قال رسول الله ﷺ: من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل: وما إخلاصها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله (رواه الطبراني).

ولا شك أن من أعتقه الله من النار أدخله الجنة برحمته، والجنة هي منزلنا الأول، والرجوع إليه منتهى آمالنا، وسكناه هدفنا، فلنستعد للعودة إليه بكل الطرق الموصلة ولنحرص على أن نرث منازلها نحن، لا أن تورث منا، فنكون من الخاسرين، فقد قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ﴾ (المؤمنون: 10) (رواه ابن ماجه).

فلعلنا بصيامنا أن نعتق وندخل الجنة التي «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (رواه البخاري)، وفيها تكون الكرامة فينادي لأهلها جميعاً : «إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا، فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبأسوا أبدًا» (رواه مسلم).

لذا فإن من تذكر الجنة ونعيمها تاقت نفسه واشتاقت لدخولها، ومن تذكر النار وحرها وزقومها وحميمها، وذل أهلها وهوانهم على الله عقد العزم على الهروب منها، وقد جاء في الحديث: « ناركم هذه التي توقدون جزء واحد من سبعين جزءًا من حر جهنم» (رواه الشيخان) وإذا كان رضا الله تعالى غايتنا والهرب من جحيم النار والعتق منها مطلبنا، فإنه «لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار» رواه أبو داود.

فلا نعذب نحن أحدًا بها، إنسانًا كان أو حيوانًا، طيرًا أو حشرة، وكل ذي روح، وإذا ما دعتك قوتك ونفسك لظلم أحد فتذكر قدرة الله عليك، وتذكر عذابه بالنار .. لذا فقد كان عمر رضي الله عنه يقول: «أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها من حديد». وفي الحديث القدسي: «يابن آدم افعل الخير فإنه مفتاح الجنة ويقود إليها، واجتنب الشر فإنه مفتاح النار ويقود إليها».

ولنجعل لأنفسنا ضمانًا يعتقها من نار جهنم: قال رسول الله ﷺ: «اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم. واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (رواه أحمد).

رمضان كله رحمة ومغفرة وعتق

قال الإمام ابن رجب الحنبلي والشهر كله شهر رحمة ومغفرة وعتق من النار، ولهذا جاء في الحديث أنه تفتح فيه أبواب الرحمة، وجاء أيضاً : إن لله عتقاء من النار وذلك كل ليلة... ولكن الأغلب على أوله الرحمة، وهي للمحسنين قال تعالى: ﴿ِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56)، وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٦)، فيفاض على المتقين في أول الشهر خلع الرحمة والرضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان، وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة فيغفر فيه للصائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر، فلا يمنعهم من المغفرة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (الرعد : ٦)، وأما آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار.

الرابط المختصر :