العنوان رجل من زمن المعتصم
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 79
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 18
السبت 07-فبراير-2009
لم يصدر علي حكم بالسجن بسبب الفساد أو الخيانة أو السرقة.. لكن لأنني عبرت عن رأيي.. ومن الممكن للإنسان أن يسجن، ولكن ليس بمقدور أحد سجن أفكاره أو تقييدها... ليس بمقدور أحد إنهاء حياتي السياسية.. وعندما أخرج من السجن سأكون أكثر تجربة وقوة ونضجا...
هذه الكلمات قالها رجب طيب أردوغان وهو في طريقه إلى السجن في أكتوبر من عام ١٩٩٨م لقضاء ثلاثة أشهر داخل الزنزانة عقابا على استخدامه بعضا من أبيات الشعر التي تحمل معاني إسلامية غير مباشرة في إحدى خطبه، وهو ما يعاقب عليه القانون التركي الجائر.
كان الرجل يومها رئيسًا منتخبًا لبلدية إسطنبول ذات الملايين العشرة، وقد أحدث بها طفرة حضارية فريدة، أهلته يومها ليحمل اسم محبوب الشعب التركي كما كانوا ينادونه.
أتأمل تلك الكلمات التي قالها قبل عشر سنوات كلمة كلمة، فأجد الصدق ينبض في كل حرف منها، فقد سجنوا جسده لكن لم يسجنوا أفكاره، وخرج وأصبح بحق أكثر تجربة وقوة ونضجا.. وإن مواقفه خلال وبعد المحرقة الصهيونية الإجرامية ضد غزة تؤكد كل تلك المعاني.
فقد تابع العالم تحركاته وكلماته ومواقفه خلال تلك المحرقة، كما تابع العالم كلماته الجريئة الصادقة التي نزلت على الصهاينة كصواريخ القسام من هول مفاجأتها، ومنها قوله ليهود العالم: عندما تعرض أجدادكم للظلم والطرد من أوروبا فإن أجدادي وقفوا معهم، ووفروا لهم مأوى في أراضينا ، وقوله إن إسرائيل ستغرق في دماء الأطفال والنساء الذين قتلتهم، وستغرق في دموع الأمهات اللائي فقدن أطفالهن، وقوله لـ باراك و ليفني سيحاسبكما التاريخ وسيذكر أفعالكما على أنها بقعة سوداء في تاريخ الإنسانية...
ثم كان موقفه الأخير يوم الخميس ۲۰۰٩/١/٢٩م، أمام ممثلي العالم في مؤتمر دافوس» عندما دخل في مواجهة ساخنة مع رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز ورئيس المؤتمر، بل والحضور الذين صفقوا ل بيريز، وقد كان موقفا مفاجئا ومذهلا ل بيريز ولرئيس المؤتمر اللذين كانا يجلسان عن يمين «أردوغان ، ويساره.
فعندما أعطي «بيريز، الكلمة، دافع على امتداد 25 دقيقة عن المحرقة التي ارتكبها جيشه بحق أطفال ونساء غزة، وألقى باللائمة فيما جرى على حركة «حماس»، وقال: إن حماية الإسرائيليين من الهجمات الصاروخية كان أمرًا مطلوبا... فصفق له جمهور الحضور!! وعندما أخذ أردوغان الكلمة – بناء على طلبه - بعد خطاب بيريز»، وجه كلامه للجمهور بقوة: «عار عليكم أن تصفقوا لهذا الخطاب بعد أن قتل آلاف الأطفال والنساء على يد الجيش الإسرائيلي في غزة...
فرد عليه بيريز بحدة ملوحا بيده تجاه أردوغان.. ماذا ستكون ردة فعلك لو أن الصواريخ تسقط كل ليلة على إسطنبول...
فرد عليه أردوغان، بنفس القوة إن السبب الذي يدفعك لرفع صوتك هو سيكولوجية الشعور بالذنب... إن الوصية السادسة في التوراة تقول: «لا تقتل... وحين يتعلق الأمر بالقتل فأنتم تعرفون جيدا كيف تقتلون، وأنا أعرف جيدًا كيف قتلتم أطفالا على الشواطئ...
وعندما انهمرت كلمات الحق كالرصاص المسكوب على أذن بيريز، وأحدثت مفاجأة كبيرة لدى الجميع، حاول رئيس الجلسة إيقافه عن الكلام، فرفض أردوغان، بقوة ولما أصر رئيس الجلسة على موقفه، توقف أردوغان»، لكنه جمع أوراقه وهم بالانسحاب قائلا: لقد انتهى هذا المنتدى بالنسبة لي، ولا أعتقد أنني ساتي مرة أخرى إلى دافوس....
أنتم تمنعونني من الكلام.. لقد تحدث بيريز لمدة خمس وعشرين دقيقة، ولم أحصل على نصف هذا الوقت...
وخرج الرجل من الجلسة عائدًا إلى بلاده إذ لم يكتف بمقاطعة الجلسة، وإنما مقاطعة المنتدى بكامله.. وعندما اتصل به «بيريز» بعد ذلك آملا ألا يؤثر ما جرى على العلاقات بين البلدين لم يعطه ردا إيجابيا.
إن المتأمل في مواقف أردوغان، منذ بدء الحرب على غزة، حتى موقفه في دافوس »، يشعر أن الرجل يسير في طريق آخر غير طريق الذلة والمهانة والانبطاح الذي يسير عليه كثيرون من نظرائه في العالم العربي والإسلامي، ويرسم مشهدا فريدا يرد به الروح المفقودة، وينعش به النفسية المهزومة من كثرة المواقف المخزية.. إنه حقا لمشهد فريد، ولكنه غريب بين المشاهد القائمة، ولذا يبدو أنه مشهد من زمن المعتصم!