العنوان قراءة فيما وراء خطاب «بنديكت السادس عشر» للشرق الأوسط
الكاتب د. زينب عبدالعزيز
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 2021
نشر في الصفحة 40
السبت 29-سبتمبر-2012
أصر على تنفيذ زيارته للبنان رغم سخونة الأحداث..
- الكنيسة تساند وتشجع الترسانة القانونية الدولية التي تساندها!
- «بندكيت»: التبشير الجديد يود أن يعلم الأتباع بأن شهادته تعطي القوة حين يتحدث بصراحة وبشجاعة عن نبأ الخلاص السعيد
- صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية وصفت بابا الفاتيكان بعبارة «كذاب محترف"
تمثل زيارة البابا «بنديكت ١٦» للبنان (١٤ - ١٦ / ٩ / ٢٠١٢ م ) الحلقة الثالثة والأخيرة، فرضًا من منظومة تدخلاته السافرة في منطقة الشرق الأوسط، بزعم حماية الأقليات المسيحية التي «تعاني من الاضطهاد» كما يقول...
فقد أعرب عن أمنيته هذه حين كان في قبرص، في يونيو ۲۰۱۰ م، حيث أطلق صيحته بضرورة عمل «سينودس أساقفة» لتدارس الوضع في الشرق الأوسط، وتم له ذلك في أكتوبر ۲۰۱۰ م بعد أن أرسل لهم الخطوط العريضة التي عليهم تناولها، لتبدو قراراتهم وكأنها نابعة من كافة الأساقفة، فيما يتعلق بمستقبل المسيحيين في الأراضي المقدسة وما يحيط بها من مصر إلى العراق.
وبعد ثلاثة أسابيع من المناقشات والتداول بين كافة أساقفة المنطقة والعديد من الخبراء، أصدروا الوثيقة التي سبق وتناولتها بعنوان «سينودس الشرق الأوسط»، التي بنى عليها «بنديكت ١٦» وثيقة «الإرشاد الرسولي» التي وقعها في لبنان، وتعد بمثابة البرنامج التنفيذي الذي ستتبعه جميع الكنائس في الشرق الأوسط لنشر المسيحية بزعم حماية أتباعها.
وقبل تناول نص هذه الوثيقة، تجدر الإشارة في عجالة إلى أصل لبنان، فقد أوضح العديد من الصحف التي تناولت موضوع الزيارة «أنه البلد الوحيد في العالم العربي الذي يترأسه مسيحي، حتى وإن كان المسيحيون يمثلون ٣٥ % من الشعب اللبناني، و ٦٥ % منه مسلمون!» ومن الواضح أنه تم تعديل النسبة ورفعها بعد سحب الخريطة التي كانت توضح أن نسبتهم ۱۸.۷ % وتشير معظم هذه الجرائد أن بلد «الأرز» كما يطلقون عليه تم تخليقه بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية، وتم تفصيله ليكون بلدًا مسيحيًا، وتم تحديد أن يكون رئيس الدولة مسيحيًا مارونيًا، ورئيس الوزراء مسلمًا سنيًا، ورئيس البرلمان مسلمًا شيعيًا؛ كما ينص القرار على أن تكون عضوية البرلمان مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ونفس الشيء بالنسبة للوظائف المدنية!
هدف الزيارة
ويمكن تلخيص هدف هذه الزيارة في عبارات لها مغزاها، صاغتها الصحافة الفرنسية حين أوضحت «أن البابا أتى لتشجيع المسيحيين على عدم بيع ديارهم للمسلمين والبقاء في بلدهم، وعدم الهجرة لكي لا يتحول لبنان إلى مجرد متحف مفتوح، وهو ما يرفضه الفاتيكان «رفضًا قاطعًا»، وبديهي أن المقصود بالمتحف هو الآثار والأماكن والمنازل المسيحية وقد خلت من المسيحيين! وأعرب المتحدث الرسمي باسم الفاتيكان قائلًا:«إن الوثيقة عبارة عن برنامج أساسي لحياة الكنيسة ورسالتها التبشيرية في الشرق الأوسط، ودورها الرئيس في الحوار ومع السلام»!
وهو ما يكرره الأب عبده أبو قاسم، المسؤول عن الاتصالات أثناء زيارة البابا: «إن البابا يطلب منا أن نقاوم وأن نبقى في الشرق الأوسط لإتمام مهمتنا كشهداء للمسيح».
وفي الخطاب الذي ألقاه «بنديكت ١٦» في حفل توقيعه على وثيقة «الإرشاد الرسولي» قال بوضوح:«إن الوثيقة خاصة بإقامة الكنيسة العالمية، وتكتسي أهمية خاصة بالنسبة لمجمل الشرق الأوسط، وأن المصادفة الإلهية وحدها شاءت أن يتم توقيعها يوم عيد الصليب الذي أنشئ عام ٣٣٥ م ( أي بعد عشر سنوات من تأليه المسيح) عند إنشاء كنيسة البعث التي شيدها الإمبراطور «قسطنطين» وخلال شهر سنحتفل بمرور ١٧٠٠ عام على الرؤية التي لاحت للإمبراطور ورأى الصليب يفترش السماء بينما صوت يدوي قائلًا له:«بهذا سوف تُقهر»، وبعدها قام «قسطنطين» بتوقيع مرسوم «ميلانو».
ثم يواصل البابا قائلًا: «ويبدو لي أنه يجب قراءة وثيقة «الإرشاد الرسولي» وتفسيرها على ضوء عيد الصليب المجيد، وخاصة على ضوء شارة اسم المسيح قراءة تؤدي إلى إعادة استكشاف هوية المسيحيين وهوية الكنيسة».
(ومرسوم «ميلانو»، لمن لا يعرف، هو المرسوم الذي أصدره «قسطنطين» في القرن الرابع وسمح فيه للمسيحيين أن يمارسوا ديانتهم مثلهم مثل الديانات الوثنية الأخرى، دون أن تتم مضايقتهم أو إزعاجهم).
ثم تناول البابا في خطابه ذلك « السينودس » الذي أقيم في أكتوبر ۲۰۱۰ م، وكانت هذه الوثيقة نتيجة له، قائلًا بنفس الوضوح أيضًا:«إن الآباء المجتمعين قد تدارسوا أفراح وآلام ومخاوف أتباع المسيح الحي في هذه الأماكن، وكل الكنيسة سمعت صرختهم ورأت نظراتهم اليائسة وهم يعيشون مواقف إنسانية ومادية صعبة، يعيشون توترات شديدة من الخوف والقلق، ويريدون اتباع المسيح، لكن كثيرًا ما يتم منعهم.. فإن هذا «الإرشاد الرسولي» يسمح لنا بإعادة تأمل الحاضر لمواجهة المستقبل بنفس نظرة المسيح، إنها توجيهات ترمي إلى تحديد الطريق للعودة إلى الأساسي وهو: اتباع خطى المسيح، وذلك في مناخ صعب، قد يؤدي إلى إغراء تجاهل أو نسيان الصليب المجيد»!
وقد آثرت بداية المقال بتقديم ما قاله بنديكت ١٦ عند توقيعه على وثيقة «الإرشاد الرسولي»، فكل العبارات التي قالها مأخوذة من الوثيقة وبأرقامها، وكأنها تمثل في نظره أهم ما تحتوي عليه فيما عدا تعليماته اللاهوتية من أجل ضرورة توحيد كافة الكنائس للتصدي للإسلام.
مكونات الوثيقة
وتتكون الوثيقة من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، وتقع في ٩٢ صفحة، موزعة تعليماتها على مائة بند، ننقل منها بعض المقتطفات ليرى القارئ ما يرمي إليه البابا بحضوره إلى لبنان:
- إن كانت الشراكة موجهة تحديدًا إلى المسيحيين بسبب إيمانهم الرسولي، فذلك لا يعني أنها ليست موجهة لإخواننا اليهود والمسلمين وإلى كل إنسان، فالجميع مأمورون بأن يكونوا شعب الله، والكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط تعرف أنه لن يمكنها إتمام ذلك على مستوى توحيد الكنائس وبين الأديان إن لم تعش ذلك كاملًا وبين كافة تدرجات الوظائف الكنسية.
- المسيحيون يعرفون أن المسيح وحده الذي مر بتجربة الموت والبعث؛ هو الوحيد القادر على أن يأتي بالخلاص والسلام لكافة سكان هذه المنطقة.
- إن الكنيسة أيضًا تساند وتشجع كل الجهود من أجل السلام خاصة في الشرق الأوسط، فهي لا تضن بجهودها وبأساليبها المختلفة لمساعدة الناس على أن يعيشوا في سلام، وهي تثمن أيضًا الترسانة القانونية الدولية التي تساندها.
- إن الكاثوليك في الشرق الأوسط، الذين أغلبيتهم مواطنون أصليون من واجبهم المساهمة في الحياة الوطنية بالعمل على تشييد وطنهم، ويجب أن يتمتعوا بمواطنة كاملة وألا تتم معاملتهم كمواطنين أو مؤمنين من الدرجة الثانية.
- لا تخشوا ولا تخجلوا من الإعراب عن صداقتكم للمسيح في المجال الأسرى والعام، قوموا بذلك مع مراعاة المؤمنين الآخرين، اليهود والمسلمين، الذين تتقاسمون معهم الإيمان بالله خالق السماء والأرض.
• إن توصيل الإيمان المسيحي هو الرسالة الأساسية للكنيسة، ولكي نواجه تحديات العالم اليوم دعيت أتباع الكنيسة إلى تبشير جديد، هذا التبشير الجديد يود أن يعلم الأتباع بأن شهادته تعطي القوة حين يتحدث بصراحة وبشجاعة عن نبأ الخلاص السعيد، لذلك فإن الكنيسة الكاثوليكية الموجودة في الشرق الأوسط بمساعدة الكنيسة العالمية مدعوة للمساهمة في هذا التبشير، مع مراعاة التمييز بين المضمون الثقافي والاجتماعي الحالي، والتمييز بين تطلعاته وحدوده ( ٧٤ )
• التعريف بابن الله الذي مات وصحا أنه المنقذ الوحيد للجميع، هو واجب أساسي مكوّن للكنيسة ومسؤولية قهرية على عاتق كل مسيحي، إنني أقوم بتشجيع المؤسسات الدينية والحركات على تطوير حقيقي للنفحة التبشيرية التي ستكون بالنسبة لهم تجديدًا روحيًا، ومن أجل هذه المهمة فإن الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الأوسط يمكنها الاعتماد على الكنيسة العالمية ( ۸۸ ).
والبابا الذي وضع رحلته إلى الشرق الأوسط تحت لافتة «السلام» لم يشر بحرف واحد إلى الصهيونية التي ترتع في فلسطين، وفي كل منطقة الشرق الأوسط، ولا أي همسة عن ۲۸۰ ألف إنسان من اللاجئين الفلسطينيين المكدسين في مخيمات مريرة في لبنان، ولا أي إشارة أو إدانة إلى التدخل الإجرامي لمنظمة حلف «الأطلنطي» في ليبيا وقتلها آلاف الأبرياء.
بل ولم يشر إلى الاعتداءات الصهيونية على المنشآت المسيحية في الأراضي المقدسة، ولم ينطق بحرف عن ذكرى مجزرة «صبرا وشاتيلا» التي وافقت ذكراها نفس أيام وجوده في لبنان، وهي المجازر التي قامت بها المليشيات المسيحية اللبنانية بمساعدة بعض الصهاينة والسلطات الفرنسية، فكل الذي يعنيه هو الإعلان عن تنصير الشرق الأوسط بمساعدة الكنيسة العالمية، وبمساعدة ترسانة القوانين الدولية التي ستسمح له بذلك.
وفي نهاية هذا العرض الخاطف، لا يسعني إلا أن أقول بكل أسف: ألف تحية لك یا «بنديكت»، فقد بح صوتي للتحذير مما يدور منذ عشرات السنين، ومما تقوم به أنت منذ توليك كرسي البابوية اعتمادًا على الأكاذيب ولي الحقائق وعمليات الإسقاط على الآخر، حتى وصفتك صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية بعبارة «كذاب محترف».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل