; الهجرة من العلمانية إلى الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة من العلمانية إلى الإسلام

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1999

مشاهدات 60

نشر في العدد 1333

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 05-يناير-1999

الإنتلجانسيا الحديثة تكتشف جذورها:

  • أهمية الظاهرة لا تنحصر في الثراء النظري لتجارب الذين تحولوا وإنما في مستوى الممارسة العملية التي جرت فيها وقائع هذا التحول

  • العلاقات الثقافية المصرية الأوروبية أثمرت ثلاثة تيارات متمايزة: تغريبي فقد الثقة بالحضارة الإسلامية، سلفي إسلامي ينطلق من شمولية الإسلام، توفيقي بين أسس التقدم في الحضارتين.

  • الآلية الأساسية لعملية الهجرة إلى الإسلام تمثلت في ممارسة النقد ضد العلمانية من بعض المخضرمين في التغريب الذين أفنوا شبابهم في الاعتقاد بأن تقليد الغرب هو سبيل التقدم.

قالوا بعد أن تحولوا من العلمانية للإسلام:

  • حسين هيكل: التغريب يعاني أزمة خانقة، وهناك اتجاه غربي مريب يدعم النشاط التبشيري. 

  • منصور فهمي: إن النفس لتدعوني أن أحتفظ بالخصائص التي أراد الله أن يميز أمة أنا من بينها.

  • إسماعيل مظهر: ينبغي لكل عربي أن يكون مثله الأعلى آداب العرب والإسلام.

من الظواهر اللافتة للنظر في التاريخ الحديث والمعاصر للعلاقات الثقافية المصرية الأوروبية- تحول عدد من رموز «التغريب» و«العلمانية» إلى الإسلام، بعد أن تشبعوا بالثقافة الغربية، ونهلوا من مصادرها المختلفة، وبعد أن أسهموا في نقل كثير من قيمها وأفكارها وآدابها إلى الثقافة المصرية منذ بدايات القرن العشرين.

لقد بدأت النخبة الثقافية أو الإنتلجانسيا المصرية الحديثة تتصدع في أجواء العهد الليبرالي قبل ثورة يوليو، وذلك بتحول عدد من رموز هذه النخبة إلى الإسلام وأصوله كإطار مرجعي، ومصدر معرفي، وتراث حضاري، ونموذج تاريخي، بدلًا من الأطر المرجعية والمصادر المعرفية والثقافية التي تعلموها في مدارس الغرب وجامعاته، والتي صاغوا على أساسها -في فترة سابقة على تحولهم- نظرياتهم وأطروحاتهم الفكرية والثقافية والسياسية لتحقيق «النهضة» أو بالأدق للحاق بركب الغرب.

ولم تحظ هذه الظاهرة بالاهتمام الذي تستحقه من الباحثين والمتخصصين في دراسة العلاقات الثقافية المصرية الأوروبية، هناك بطبيعة الحال بعض الجهود العلمية التي حاولت الاقتراب من الموضوع ومعرفة أسبابه وخلفياته النظرية والمعرفية، نذكر من تلك الجهود على سبيل المثال دراسة محمد جابر الأنصاري عن «تحولات الفكر والثقافة في المشرق العربي»، ودراسة نازك سابا بارد عن «الرحالون العرب وحضارة الغرب»، وألبرت حوراني عن «الفكر العربي في العصر الليبرالي»، ولكن معظم هذه المحاولات ركز على عملية تكوين النخبة العلمانية ومدى صلتها بمدارس الفكر والثقافة الأوروبية الحديثة والمعاصرة، كما ركز على دور هذه النخبة في «نقل الحداثة» الغربية إلى المجتمعات العربية والإسلامية، وفي مقدمتها مصر على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، ولكن قليلًا من تلك المحاولات هو الذي انتبه إلى أن حياة عدد مؤثر من رواد الحداثة والتغريب في بلادنا قد انقسمت إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة العلمانية، والتغرب أو التأورب، ومرحلة العودة إلى الإسلام. 

ومن المفارقات أن بعض الكتابات ذات النزعة الإسلامية قد أسهم في طمس معالم ظاهرة التحول من العلمانية إلى الإسلام؛ إذ اعتبر بعض الكتاب الإسلاميين أن ثبوت تهمة التغريب أو العلمانية على شخص ما في مرحلة معينة من حياته هو أمر لا يمكن الرجوع عنه، ولا حتى «التوبة» منه، هذا بالرغم من أن فوائد إثبات التحول أو «التوبة» -إن جاز التعبير- أكثر نفعًا للتوجه الإسلامي من طمسه أو تجاهله.

نعود فنؤكد الأهمية البالغة لعملية التحول من العلمانية إلى الإسلام في التاريخ الحديث والمعاصر للعلاقات الثقافية المصرية الأوروبية، ليس فقط على مستوى الثراء النظري لتجارب هؤلاء الذين تحولوا، وإنما أيضًا على مستوى الممارسة العملية التي جرت فيها وقائع هذه العلاقات ودورها في رسم السياسة الثقافية المتبادلة بين مصر وأوروبا، وقبل الدخول في مزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع نلقي نظرة عامة على المحددات التاريخية لتلك السياسة. 

تاريخ العلاقات الثقافية المصرية الأوروبية لا يبدأ فقط مع بدايات القرن التاسع عشر، أو على أثر الحملة الفرنسية، وإنما يعود إلى أزمان سابقة موغلة في القدم، وعلى أي حال، فإن «الحملة الفرنسية» تظل هي العلامة الفارقة في التاريخ الحديث لتلك العلاقات، فمن بعد الحملة، وبمجيء محمد علي باشا واليًا على مصر- أضحت علاقاتها الثقافية مع أوروبا، وبخاصة مع فرنسا، وإنجلترا، وإيطاليا، وألمانيا- أكثر تنظيمًا وأعمق تأثيرًا طوال القرنين الأخيرين.

في هذين القرنين يمكن القول -إجمالًا- إن علاقات مصر بأوروبا قد تحددت من ناحية في إطار التنافس الاستعماري وبخاصة الفرنسي البريطاني خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتحددت من ناحية أخرى في ضوء سعي مصر للنهوض والتقدم ابتداء من مشروع محمد علي، وفي المناخ الذي شكلته وقائع هذا التنافس الدولي، والرغبة الوطنية في تحقيق التقدم- تشكلت العلاقات الثقافية المصرية مع المراكز الأوروبية الكبرى على المستويين الحكومي وغير الحكومي، وباختصار، فإن هناك ست قنوات أو آليات جرت من خلالها العلاقات الثقافية المصرية الأوروبية:

أولها -وربما أهمها-: البعثات المصرية إلى الجامعات الأوروبية، وقد أسهمت تلك البعثات بدور فعال في تكوين ثلاثة أجيال ثقافية رئيسة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، كان الجيل الأول هو جيل رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك «بين عهدي محمد علي وإسماعيل باشا»، وقد غلب على هذا الجيل الطابع التقني والفني، أما الجيل الثاني فهو جيل أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى، وقاسم أمين، ومنصور فهمي، وإسماعيل مظهر أولئك الذين كانت بعثاتهم في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان نشاطهم وعطاؤهم طوال النصف الأول من هذا القرن، وقد غلب على ثقافة هذا الجيل الطابع الفلسفي والاجتماعي والأدبي، والجيل الثالث هو جيل عبد الرزاق السنهوري، ومحمد حسين هيكل، ومندور، وغيرهم ممن كانت بعثاتهم في الربع الأول من القرن العشرين، وقد توزعت اهتمامات هذا الجيل بين النواحي الأدبية والفلسفية والسياسية، وجذبتهم أفكار المذاهب الاجتماعية الجديدة.

ثاني تلك القنوات: كانت هي «الرحلة إلى أوروبا» والتجوال الحر في عواصمها ومدنها الكبرى، وكان ذلك -ولا يزال- من تقاليد الطبقات العليا في المجتمع، ومنذ نهايات القرن التاسع عشر زادت معدلات الترحال بغرض التنزه والاطلاع على مظاهر المدنية الأوروبية الحديثة والوقوف على إنجازاتها، وقد سجل الرحالون مشاهداتهم وملاحظاتهم وتعليقاتهم على ما رأوه، وتركوا لنا تراثًا ثريًا فيما يعرف «بأدب الرحلات»، وهو من أهم مصادر التاريخ للعلاقات الثقافية المصرية الأوروبية. 

وثالثها: تمثل في الجاليات الأوروبية التي وفدت إلى مصر طوال القرن التاسع عشر، واستوطنتها، وصارت لها مؤسساتها وجمعياتها ومدارسها الخاصة، فضلًا عن ممارسة أعضاء تلك الجاليات لأنماطهم السلوكية والقيمية التي جاؤوا بها من مجتمعاتهم الأصلية، وإشاعتها في الوسط الاجتماعي المصري الذي عاشوا فيه، ولئن كان تأثير تلك الجاليات قد تم بشكل غير رسمي، إلا أنه كان فعالًا من حيث تناوله لكثير من تفاصيل الحياة اليومية.

ورابع القنوات التي انتقل من خلالها تأثير الثقافة الأوروبية إلى المجتمع المصري: كانت هي مؤسسات التعليم المدني الحديث، وقد تمثلت تلك المؤسسات في مدارس التعليم الأجنبي مدارس الجاليات، وإرساليات التبشير التي اجتذبت إليها كثيرين من أبناء الطبقات العليا، من أصحاب السلطة والمال والنفوذ في المجتمع، هذا إلى جانب مدارس التعليم الحكومي التي سارت وفق السياسة التي رسمتها سلطات الاحتلال البريطاني في مصر، وقد وفرت الجامعة المصرية منذ نشأتها رافدًا رفيع المستوى لتوثيق العلاقات العلمية والثقافية بين مصر وأوروبا، يظهر ذلك من فحص مقررات الدراسة بالجامعة ومن مطالعة أسماء الأساتذة الإيطاليين والإنجليز والفرنسيين الذين درسوا فيها.

أما خامس قنوات نقل الثقافة الأوروبية إلى مصر: فهي «الصحافة» -الجرائد والمجلات- التي ظهرت تباعًا منذ منتصف القرن التاسع عشر، وصدرت باللغات التركية والعربية والإنجليزية والفرنسية، وقد قام الصحفيون الشاميون بمصر بدور رئيس في تحرير تلك الصحف والمجلات، ونشر عديد من الترجمات عن اللغات الأجنبية في مجالات الأدب، والاجتماع، والسياسة، والفنون.

وسادسًا- يمكننا أن نضيف آلية أخرى من آليات التفاعل الثقافي بين مصر وأوروبا، وهي ما يمكن أن نطلق عليه الحوارات الكبرى التي دارت بين بعض أعلام الإصلاح والنهضة في مصر وبين بعض كبار المفكرين والعلماء والمستشرقين الأوروبيين، نذكر من تلك الحوارات -على سبيل المثال- حوارات الإمام محمد عبده، وفرح أنطون، وحوارات الإمام محمد عبده أيضًا مع هانوتو، وكانت مجادلاتهم تنشر على صفحات الجرائد والمجلات في تلك الفترة، وقد تناولت عديدًا من قضايا الفكر والثقافة المتعلقة بالدين والمجتمع، والدين والعلم والمدنية والنظريات العلمية والفلسفية الحديثة.

التيارات الرئيسة للفكر والثقافة:

تحت تأثير قنوات الاتصال بالثقافة الأوروبية التي أشرنا إليها آنفًا تبلورت ثلاثة تيارات فكرية ثقافية على الساحة المصرية، وأصبحت متمايزة بشكل واضح مع بدايات القرن العشرين ولا تزال هذه التيارات قائمة وفاعلة -بنسب متفاوتة- حتى الآن، وهي:

  1. بالنسبة لتيار التغريب والعلمنة. 

  2. التيار السلفي الإسلامي.

  3. التيار التوفيقي.

بالنسبة لتيار التغريب والعلمنة والتحديث على النمط الغربي، فإن معظم أنصاره -خلال النصف الأول من هذا القرن- كانوا من خريجي الجيل الثاني للبعثات العلمية المصرية إلى الجامعات الأوروبية، وأيضًا من خريجي المدارس الأجنبية في مصر، فمن هؤلاء وأولئك تشكلت النخبة المثقفة الحديثة أو «الإنتلجانسيا المصرية الحديثة» التي لعبت دورًا مؤثرًا في مسار التطور الاجتماعي والاقتصادي، وفي عمليات بناء الدولة المصرية الحديثة من خلال أفكارهم التي دعوا إليها، وعبر مواقعهم الرسمية التي شغلوها، وأدوارهم التي قاموا بها في المؤسسات التعليمية والتشريعية والقضائية والثقافية العامة، وأنصار هذا التيار -في صورته المتطرفة- كانوا يرون أن الغرب هو مستقبل الشرق -بل والعالم كله- وأنه لا سبيل للتقدم إلا باقتفاء أثره في كل مجالات الحياة بحلوها ومرهاء -على حد تعبير طه حسين- وانطلقت رؤيتهم من ثلاث مقولات أساسية، هي:

  1. فقدان الثقة بالحضارة الإسلامية وبتراثها الفكري والثقافي، واعتباره سببًا للتخلف.

  2. التسليم المطلق بحضارة الغرب وبعالميتها.

  3. تحجيم الدور الاجتماعي للدين، وحصره في نطاق العلاقة الخاصة بين الإنسان والله، فصل الدين عن السياسة، وعن العلم، وعن المجتمع.

2- وبالنسبة للتيار الأصولي أو «الإسلامي» بجماعاته وتنظيماته ومؤسساته فقد تبلور في مواجهة تيار التغريب، واجتذب أنصاره من خريجي الأزهر الشريف ومعاهده، وكذلك من خريجي كلية «دار العلوم»، التي أسسها علي  باشا مبارك سنة ۱۸۷۲م للنهوض بالتعليم بصفة عامة، وبالتعليم الديني بصفة خاصة، وقد انطلق هذا التيار من شمولية الإسلام، وتمجيد حضارته وتراثه، وأكد أنصاره فكرة الاستقلال الحضاري في مواجهة سيطرة الحضارة الأوروبية الغازية، وأخذوا موقفًا محافظًا ملؤه الشك والحذر والتحذير من خطر «الغزو الثقافي الأوروبي»، وبالرغم من إقرارهم بوجود جوانب إيجابية للثقافة الغربية الحديثة، وأنه لا بد من الإفادة منها، إلا أنهم ركزوا على أن خطر الغزو الثقافي يستهدف اجتثاث الهوية العربية الإسلامية، ومن ثم فإنه يتعين الوقوف ضد هذا الغزو بالمرصاد، والتعامل معه وفقًا لقاعدة «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، وبالرغم من وجود رؤي أخرى داخل التيار الإسلامي كانت أكثر انفتاحًا ومرونة في النظر إلى الثقافة الغربية، إلا أنها لم تلق رواجًا عامًا وظلت محدودة الفاعلية، ومن تلك الرؤى رؤية مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا، وبالمناسبة هو من خريجي كلية دار العلوم، التي عبر عنها في قوله إن لكل عصر وجهين: جميل وقبيح، ومن الغبن أن نترك جمال العصر لقبحه، ومن الخطأ أن نتهاون في قبحه لجماله، بل نقف موقف الناقد البصير يأخذ الطيب وينفي الخبيث، (حسن البنا حديث مع الأستاذ فريد وجدي مجلة الفتح - العدد ١٥٩ السنة الرابعة - ربيع الأول ١٣٤٨ه. (8/8/1929).

ومنذ بدايات القرن العشرين نشبت معارك فكرية طاحنة بين التيارين «التغريبي» و«السلفي» وامتدت تلك المعارك من ميدان القضايا الاجتماعية المتعلقة بالمرأة والحريات الفردية، إلى ميادين الأدب والسياسة والفنون والثقافة والقانون من معركة «تحرير المرأة» التي فجرها قاسم أمين في مطلع القرن إلى معركة «الشعر الجاهلي» التي قادها طه حسين، ومعركة الإسلام وأصول الحكم التي أثارها الشيخ علي عبد الرازق غداة إلغاء الخلافة العثمانية رسميًا في سنة ١٩٢٤م، ثم كانت المعركة الحاسمة في مجال العلاقة الثقافية مع الغرب هي معركة مستقبل الثقافة في مصر، التي قادها طه حسين وعرضها في كتابه الشهير الذي صدر في سنة ۱۹۳۸م، وأكد فيه أن العقل المصري هو عقل أوروبي وليس شرقيًا. 

وفي غمار تلك المعارك شحذ كل فريق همته الفكرية والذهنية لتفنيد أطروحات الفريق الآخر، ووصلت حالة الانقسام وعدم التجانس الثقافي إلى ذروتها مع نهاية العقد الثالث من هذا القرن العشرين، وفي كل معركة يمكننا أن نلحظ أمرين أساسيين:

أولهما: أن «المبادرة» بطرح القضية أو بإثارة المشكلة كانت بيد التيار التغريبي العلماني دومًا.

وثانيهما: أن «الغرب» كان حاضرًا باستمرار بثقافته وآدابه، وفنونه، وإنجازاته التكنولوجية، بل يمكن القول إنه كان طرفًا رئيسًا في الصراع بشكل غير مباشر، إذ كان هو المرجعية الفكرية والمعرفية للتيار التغريبي، وكان موضعًا لهجوم التيار السلفي وانتقاداته.

ظهور التيار التوفيقي:

بعد أن وصل الصراع الفكري والثقافي إلى ذروته في نهاية العقد الثالث من هذا القرن بين التيارين التغريبي والسلفي، بدأت الجبهة التغريبية تتصدع بتراجع عدد من رموزها عن أفكارهم السابقة وعودتهم إلى الفكر الإسلامي ومصادره، ومن هؤلاء تشكل التيار الفكري الثالث في الساحة المصرية، وهو الذي نسميه التيار التوفيقي لقد حاول أعضاء هذا التيار التوفيق بين أسس التقدم الغربي من ناحية، وبين أسس التقدم الإسلامي الحضاري من ناحية أخرى، ووجدوا في أفكار زعماء الإصلاح الإسلامي خير مؤيد لهم في توجههم الجديد، ومن أولئك الزعماء على سبيل المثال جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده.

وفي رأينا أن المعارك الفكرية والثقافية بين التيارين التغريبي والسلفي، كانت مقدمة لظهور هذا التيار الثالث «التوفيقي»، ولم يكن ذلك بسبب قوة حجج التيار السلفي في جداله مع التيار التغريبي فقط، وإنما يضاف إلى هذا السبب سبب آخر هو وصول بعض رموز التغريب والعلمنة إلى حالة من «التأزم الفكري» بعد أن هالهم الفشل الذريع الذي أصاب أفكارهم، وحاق بآمالهم في التقدم عن طريق اقتفاء أثر الغرب وتقليده، لقد شاهدوا بأنفسهم، وعرفوا -عن قرب أن مؤسسات التحديث السياسي -على سبيل المثال- المنقولة من النموذج الأوروبي تعمل في عكس الوظيفة التي وجدت من أجلها، فالدستور صار ألعوبة في يد الملك السابق وأحزاب الأقلية وسلطة الاحتلال البريطاني، بدلًا من أن يكون قانونًا أعلى لتنظيم الحقوق والواجبات، والحد من السلطات المطلقة، كما هو مفترض، وكذلك صار «البرلمان» ساحة للنزاعات والانقسامات الحزبية، وميدانًا للصراعات والمآرب الشخصية، وممارسة الفساد تحت عباءة قانونية، بدلًا من أن يكون معبرًا عن إرادة الأمة وتطلعاتها.

لقد وجد كثير من دعاة التغريب والعلمنة في تلك الحقبة أن جهودهم من أجل التقدم والتحديث في المجتمع المصري- لا تسير وفقًا لقاعدة «النشوء والارتقاء»، وإنما تسير وفقًا لقاعدة التدهور والانحطاط، والأهم من ذلك أنهم وجدوا أنفسهم جزءًا من المشروع الحضاري الغربي التوسعي، وفي موضع يجعل منهم أداة من أدواته في صراعه الممتد ضد نهضة المشروع الحضاري العربي الإسلامي، ومن ثم لم يرضوا لأنفسهم هذا الوضع، إذ كانوا صادقين في وطنيتهم، ومخلصين في حبهم لأمتهم.

رواد العلمانية:

إن الآلية الأساسية لعملية التحول، أو الهجرة من العلمانية إلى الإسلام قد تمثلت في ممارسة النقد من قبل بعض المخضرمين في المناداة بالتغريب، ومن الذين أفنوا زهرة شبابهم في الاعتقاد بأن اقتفاء أثر الغرب وتقليده هو سبيل التقدم، ومن أبرز هؤلاء منصور فهمي، وإسماعيل مظهر، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين، ولن نتناول تجربة كل منهم بالتفصيل هنا، بل سنكتفي بتقديم خلاصة مكثفة توجز لنا الدلالة الأساسية لتجربة كل منهم. 

«فمنصور فهمي» بدأ حياته العلمية والعملية تغريبيًا، منتقدًا التصور الإسلامي عن المرأة وعن دورها في المجتمع، وسجل انتقاداته في رسالته للدكتوراه بالسريون، ولكنه بعد أن راجع أفكاره، وأعمل فيها «النقد» خلال الفترة المشار إليها آنفًا- وجد أنها لا تصلح لمجتمعه المصري، واكتشف أن ثمة عيوبًا كثيرة في حضارة الغرب كان قد غفل عنها في فترة انبهاره بها، وفي ذلك يقول: «نحن وفق مقومات فكرنا العربي الإسلامي لا نقبل عيوب الحضارة الغربية، وإن أكثر نظم الغربيين لا يجدي في رفعنا وإسعادنا، وقد يعود علينا بالشقوة والخسران، ليست بيئتي هي بيئة الغرب» ويقول: إن النفس لتدعوني أن احتفظ بالخصائص التي أراد الله أن يميز بها أمة أنا من بنيها.

وأما «إسماعيل مظهر» فقد بدأ حياته هو الآخر مبشرًا بالليبرالية، وكرس شطرًا من عمره للترويج للنظرية الدرونية في التطور، وتأثر بالنظريات الاجتماعية الغربية، وحاول استخدام أنماط أوجست كونت «اللاهوتية الميتافيزيقية- والوضعية» لتحمل لواء العلمانية والتغريب والتنديد بأنماط التفكير الديني، بما في ذلك التفكير الإسلامي، ولكنه في مطلع الثلاثينيات -أيضًا- بدأ يراجع نفسه وينتقد ذاته، ويعود إلى حيث ابتدأ، فأغلق مجلة العصور في سنة ١٩٣١م، ومكث فترة مستغرقًا في إعادة ترتيب أفكاره وتصحيح اتجاهه، ثم بعد أن رأس تحرير مجلة المقتطف كتب في إحدى مقالاته في سنة ١٩٤٥م يقول: ينبغي لكل عربي أن يكون مثله الأعلى آداب العرب، وآداب الإسلام، وسياسته الدنيوية سياسة العرب وسياسة الإسلام».

وكان «محمد حسين هيكل» من رواد التغريب في الفكر والثقافة والسياسة حتى سنة ۱۹۳۳م تقريبًا، وأضنى نفسه في الدعوة إلى الأفكار الحديثة، ونقل أداب الغرب وفنونه، وتزعم الدعوة إلى إحياء الفرعونية خلال العشرينيات أثناء رئاسته لتحرير جريدة السياسة، ولكنه وصل في مطلع الثلاثينيات إلى حالة التأزم الفكري، فطفق يعيد النظر في كل أفكاره، ويمارس النقد الذاتي مع نفسه بصرامة، وتحدث بعد ذلك -بشجاعة- عن أزمته وأزمة جيله من المثقفين الذين تعلموا في أوروبا، ونهلوا من معارفها، وصدقوا شعاراتها عن «العلم»، و«الحرية» و«الإنسانية»، وانتهى إلى ملاحظتين أساسيتين:

الأولى: أن الغرب يعاني من أزمة روحية خانقة.

الثانية: أن هناك اتجاهًا مريبًا في السياسة الغربية يدعم النشاط التبشيري في البلاد الإسلامية ومنها مصر، وقد عبر عن مسيرته وتحوله في أكثر من مناسبة ومن ذلك قوله: «لقد حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الروحية، لنتخذها جميعًا هدى ونبراسًا، لكنني أدركت بعد أنني أضع البذر في غير منبته، فإذا الأرض تهضمه، ثم لا تتمخض عنه، ولا تنبت الحياة فيه، وانقلبت ألتمس في تاريخنا البعيد في عهد الفراعين موئلًا لوحي هذا العصر، فإذا الزمن والركود العقلي قد قطعا ما بيننا وبين ذلك العهد من سبب قد يصلح بذرًا لنهضة جديدة، فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر».

وأما «أحمد أمين» فتجربته كانت مختلفة عن السابق ذكرهم؛ إذ كان أقل منهم إيمانًا بالغرب وحضارته، ولئن استمر فترة من حياته مؤيدًا للمذاهب الفكرية ذات الأصول الأوروبية إلا أنه تراجع هو الآخر وعبر عن قناعاته بخطأ الاتجاه التغريبي، بل إنه أعلن صراحة عن شكوكه العميقة في حقيقة «التقدم الأوروبي» قال: «أخذت أشك في صحة الاعتقاد السائد بتقدم الغرب على الشرق في مضمار الحضارة» وتساءل إلى أي حد تتصل الحياة الجديدة والأنظمة التي جاءت بها الحضارة الأوروبية بتقدم الإنسانية، وهذه الأنظمة إلى أي حد ترتبط بخصائص الأوروبيين وروحهم، وإلى أي حد ترتبط بخصائص الشرقيين وروحهم؟

وبغض النظر عن مدى اكتمال تلك الانتقادات التي وجهها لحضارة الغرب الحديثة أولئك الذين خاضوا عملية التحول، وهجروا العلمانية إلى الإسلام، فإنها قد عبرت في مغزاها العميق عن تضعضع مركزية الغرب ومثاليته في أذهان المؤمنين به والداعين إلى تكرار تجربته في مجتمعاتنا.

ومن اللافت للنظر أن ظاهرة التحول من العلمانية إلى الإسلام في الثقافة المصرية الحديثة ليست قاصرة على مصر وحدها، ولكنها تكررت بالطريقة نفسها في عدد آخر من المجتمعات العربية والإسلامية منها تركيا -على سبيل المثال- فقد عرفت الظاهرة نفسها في الفترة عينها التي عرفتها فيها مصر، ومن الذين تحولوا في تركيا خلال الربع الثاني من القرن العشرين نذكر «نجيب فاضل» «وجميل ميريش» و«سيزاي قراقوش» و«عصمت أوزال»، و«علي فؤاد باشكيل».

موجة جديدة من التائبين:

التحول من العلمانية إلى الإسلام تكرر في مصر نفسها خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، ففيما بعد الحقبة الناصرية خاص جزء مهم ومؤثر من النخبة الفكرية التجربة التي خاضها المتغربون في العهد الليبرالي، وكما لم تحظ الأعمال الأخيرة لأولئك بما تستحق من الاهتمام العلمي؛ لم تحظ أعمال هؤلاء بما تستحق من اهتمام أيضًا، ومنهم نذكر على سبيل المثال: الدكتور محمد عمارة الذي صار مفكرًا إسلاميًا مرموقًا بعد أن كان يساريًا في الستينيات، ومثله عادل حسين أمين عام حزب العمل ذي التوجه الإسلامي، والمستشار طارق البشري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة المصري، والمؤرخ المعروف الذي انتقل من الاشتراكية القومية إلى الإسلام، والدكتور عبد الوهاب المسيري أستاذ الأدب الإنجليزي الذي انتقل من الماركسية الإلحادية إلى الإسلام، وصار يصب جام غضبه على العلمانية والغرب بصفة عامة، والدكتور مصطفى محمود الطبيب المشهور الذي تحول من العلمانية إلى الإسلام، وغادر الماركسية إلى غير رجعة، وكذلك الناقدة الأدبية صافي ناز كاظم وحتى الدكتور زكي نجيب محمود -الفيلسوف المصري المعروف- أبدى في أواخر حياته كثيرًا من الانتقادات للنظريات الفلسفية والأفكار العلمانية الغربية، وعبر عن ثقته بالفكر الإسلامي ومذاهبه الفلسفية.

خلاصة:

إن ظاهرة الهجرة من العلمانية إلى الإسلام في التاريخ الحديث للثقافة المصرية هي أحد فصول قصة الصراع الحضاري الممتد بين الغرب والشرق، وهي - بكل إيجابياتها وسلبياتها التي لا يمكن إنكار أيهما- برهان ساطع على مدى صواب مقولة كيبلنج، شاعر الإمبراطورية البريطانية -التي كانت لا تغيب عنها الشمس- التي أكد فيها أن «الشرق شرق، والغرب غرب وهيهات أن يلتقيا». إن هذه المقولة القديمة نسبيًا ليست مطلقة في صدقها، ولكن مقدرتها التفسيرية لم تنته بعد، ويمكننا أن نتتبع عديدًا من النتائج التي ترتبت على «عملية التحول» والانتقال من العلمانية إلى الإسلام، ومن ذلك -مثلًا- أن هذه العملية قد أسهمت -في العهد الليبرالي وفي الربع الأخير من القرن الحالي- في عرقلة تغريب الدولة والمجتمع، كما أسهمت في دعم أطروحات التيار الإسلامي الأصولي، وتثبيت مواقعه، وتعزيز صفوفه، وسد النقص النظري الذي اعترى أطروحاته في بعض الأحيان، وكان لكل هذا آثار إيجابية في دعم الجبهة الإسلامية وبخاصة أنه لم تحدث حركة عكسية من الإسلام إلى العلمانية.

لقد ألقت عملية التحول من العلمانية إلى الإسلام بظلالها على العلاقات الثقافية المصرية الأوروبية طوال هذا القرن، وبالرغم من استمرار عدم التجانس الفكري والثقافي في مصر على مستوى المرجعية العليا والمصادر المعرفية التي تكون «رؤية العالم»، إلا أن عملية التحول هذه قد أسهمت في ضعضعة الثقة بحضارة الغرب، كما أدت إلى إعلاء شأن المرجعية الإسلامية في البنية الثقافية المصرية الحديثة، وتزويد المنهجية الإسلامية برؤى جديدة ومعاصرة، وبفهم أفضل وأكثر عمقًا للثقافة الأوروبية ولمواضع الضعف وعناصر القوة فيها، وأخيرًا فإن الهجرة من العلمانية إلى الإسلام في مناخ العلاقة الثقافية مع الغرب هي صرخة احتجاج ضد الهيمنة الغربية، ودليل إضافي على أن حضارة الغرب المعاصرة ليست سوى حلقة من حلقات التقدم الإنساني وليست نهاية للتاريخ .

 

العلمنة ومظاهر التدين في المجتمعات العربية:

د. عزام التميمي: 

  • ارتبطت نشأة العلمانية في الغرب بالحاجة لتحرير المجتمعات من قيود الكنيسة.

  • الاتجاه النصراني أدخل العلمانية إلى مصر، روج لأفكار المخاصمة بين الدين وكل من العقل والعلم، واعتبره عقبة كؤود في سبيل التقدم والإبداع والحرية، زاوج بين الإسلام والنصرانية، وألح في اعتبارهما وجهان لعملة واحدة.

  • لم تكن النخب العلمانية لتفلح في نشر أفكارها لو ظلت حلبة النزاع الفكري مفتوحة ومستقلة عن تدخل القوى السياسية بدءًا بالاستعمار وانتهاء بأنظمة الحكم.

  • مفارقة غريبة: لماذا أدت العلمانية في الغرب إلى تعزيز القيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، بينما ارتبطت في العالم الإسلامي بالدكتاتورية والكبت؟

في ورقته المنشورة في كتاب «مشاركة الإسلاميين في السلطة»، وهي بعنوان: «الماركسية والإسلام: الفشل والنجاح» يقول عالم الأنثروبولوجيا الراحل إيرنيست جيلنر: «تعتبر فرضية العلمنة واحدة من أكثر فرضيات العلوم الاجتماعية شيوعًا، وهي تنص على أن سلطة الدين على البشر في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الصناعي العلمي تضعف بل وتكاد تتلاشى» ويستدرك جيلنر قائلًا: «ولئن كانت هذه الفرضية صادقة بصورة عامة، إلا أنها ليست صادقة بشكل مطلق؛ لأن هناك استثناء رئيسًا واحدًا، ألا وهو الإسلام ويضيف جيلنر: من الجدير بالملاحظة أن سلطان الإسلام على المسلمين خلال السنين المائة الأخيرة لم يضعف، بل ازداد نفوذًا، وهذا مثال صارخ كفيل بنقض فرضية العلمنة». 

إن المائة سنة الماضية التي يشير إليها جيلنر في ورقته هي الفترة التي أدخلت فيها العلمانية إلى مختلف بقاع العالم الإسلامي، وهي الفترة التي انطلقت خلالها الحركات الإسلامية في هذه البقاع المختلفة كرد فعل لمواجهة ما اعتبر مخططًا استعماريًا ضد الإسلام والمسلمين، تمثل في هجوم فكري وسياسي استهدف تغريب المسلمين وتجريدهم من هويتهم الثقافية.

من المعروف أن نشأة العلمانية في الغرب ارتبطت بحاجة المصلحين هناك، وبخاصة في عصر النهضة إلى تحرير مجتمعاتهم من القيود التي فرضتها عليها الكنيسة، لقد كانت هناك مبررات فكرية وسيكولوجية وتاريخية لثورة رواد الإصلاح في الغرب على المؤسسة الدينية، ثورة استهدفت تحرير الإنسان وتنمية المجتمع، ويمكن بعبارة أخرى القول إن النصرانية مسؤولة عن نشأة ونجاح العلمنة في الحالة الغربية؛ وذلك لأنها تعترف بتقسيم الحياة إلى ما يخص الله وما يخص قيصر، ولأنها تفتقد إلى نظام تشريعي ينظم شؤون الحياة الدنيا، ولأنها ارتبطت العصور متتابعة بأنظمة الحكم الاستبدادية وبالثيوقراطيات الظالمة، يضاف إلى ذلك أن النصرانية تقوم على الإيمان بوجود طبقة من الناس (القساوسة) ممن يدعون تمثيل الله في الأرض، ويحتكرون تفسير كلماته، ويستغلون نفوذهم الديني لتجريد من يريدون من العامة من حقوقهم الإنسانية الأساسية، بمعنى آخر كانت المؤسسة الكنسية النصرانية تشكل عقبة كؤودًا في طريق التقدم والتنمية.

أما العلمانية في العالم العربي فكانت نشأتها في ظروف مختلفة تمامًا، فحتى مطلع القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى ما قبل غزو نابليون لمصر عام ۱۷۹۸م- كانت المنطقة العربية بأكملها تستمد عاداتها وقيمها وقوانينها من الإسلام، إلا أن الحقبة الاستعمارية التي دشنتها الحملة الفرنسية -والتي مهدت الطريق أمام غيرها من الحملات الأوروبية- شهدت بالتدريج تحولات فكرية واجتماعية وسياسية ناجمة عن أنماط التفكير والسلوك التي جاء بها المستعمرون الغزاة إلى المنطقة العربية.

دخلت العلمانية إلى منتديات الفكر في العالم العربي في فترة شهدت تسريبًا هادئًا لنمط ثقافي جديد تبناه بعض المتحمسين والمعجبين بالغرب، رافقه فرض بالقوة على المجتمع ككل من قبل السلطات الاستعمارية لمعايير جديدة أريد لها أن تكون بدائل للمعايير الثقافية المنبثقة عن الإرث الحضاري المحلي، في تلك الأثناء كان هناك من المفكرين من ينظر إلى أوروبا على أنها قوة استعمارية طامعة لا يؤمن جانبها، ولا يرجى منها خير، بينما كان هناك من اعتبرها منارة ومصدر إلهام لمن أراد التقدم والنجاح.

تركز الجدل الفكري في تلك الفترة حول العلاقة بين الدين والدولة، وحول وسائل تحقيق تقدم وتنمية كاللذين تمكنت أوروبا من إنجازهما، ولعل هذا هو السبب الذي من أجله ترجمت كلمة «سيكيولاريزم»، إلى علمانية (بكسر العين) نسبة إلى العلم، أو علمانية (بفتحها) نسبة إلى العالم، وذلك أنها لو ترجمت إلى مرادفة عربية تحمل نفس ما تحمله كلمة «سيكيولاريزم» من معنى، مثل كلمة «لا دينية»، أو «دهرية»، لقوبلت منذ البداية برفض تام من قبل المسلمين، إذن كان من المهم أن تترجم الكلمة إلى مرادفة ذات علاقة بالعلم والتقدم.

من الملاحظات المثيرة ذات العلاقة بنشأة العلمانية في العالم العربي أن روادها الأوائل وحملة لوائها كانوا كلهم تقريبًا من غير المسلمين، لربما اعتقد بعض هؤلاء الرواد -مخلصًا- بأن العالم العربي لا يمكن أن يحقق تقدمًا إلا إذا سلك العرب الطريق نفسه الذي سلكه الغربيون أي طريق التخلي عن الدين، ولربما عجز بعضهم عن التمييز بين طبيعة الدين الإسلامي وطبيعة الديانة النصرانية، وعن رؤية التناقض الواضح بين الدور الذي لعبه الإسلام وذلك الذي لعبته النصرانية عبر التاريخ، ومن الملاحظات أيضًا أن العلمنة في الغرب أدت إلى تعزيز القيم الديمقراطية وإلى الاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية وبالحريات المدنية وتطوير آليات لضمان احترامها، بينما ارتبطت العلمانية في العالم الإسلامي بشكل عام بالدكتاتورية، وبانتهاك بشع لحقوق الإنسان، وبمصادرة للحريات المدنية.

جذور العلمانية العربية:

في الفترة التي كانت أوروبا فيها ترتقي سلم التقدم العلمي، والإبداع الفكري، والتنمية الاقتصادية، كان العالم العربي يترجل عن السلم الحضاري، ويستعد للدخول في سبات عميق وهذا ما حفز عددًا من المفكرين إلى الدعوة إلى الإصلاح، ولما كان بعض هؤلاء قد تأثر بالثقافة الأوروبية وأسره الإعجاب بإنجازاتها، فقد كان تأثير الفكر الأوروبي على الحوار الفكري العربي شديدًا لدرجة تعميم الإشكالات ذات الخصوصية الأوروبية على الحالة الإسلامية، وطرحت إشكالات التناقض بين الدين والعقل، وبين الأصالة والمعاصرة (أو الحداثة)، وبين الدين والدولة، وبين الدين والعلم.

في خضم ذلك ظهر تيار فكري علماني يتشكل من مجموعة من النصارى العرب الذين كان بعضهم قد تلقى تعليمه في الكلية البروتستانتية السورية، ثم هاجر من بعد إلى مصر، واستقر بها تشتمل مجموعة العلمانيين هؤلاء على شبلي شميل (١٨٥٠ - ١٩١٧م)، وفرح أنطون (١٨٧٤ - ١٩٢٢م)، وجورجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤م)، ويعقوب صروف (١٨٥٢ –۱۹۱۷م)، وسلامة موسى (۱۸۸۷- ١٩٥٨م)، ونيكولا حداد (۱۸۷۸- ١٩٥٤م)، عمل هؤلاء على الترويج لأفكارهم من خلال مطبوعتي (المقتطف)، و(الهلال) اللتين تأسستا على التوالي عام ١٨٧٦م، و۱۸۹۲م، واستخدمتا لنشر مقالات تدفع باتجاه تغليب الهوية القومية على الهوية الدينية، والدعوة إلى ضرورة أن يقدم حب الوطن وأبناء الوطن على ما سوى ذلك من الروابط الاجتماعية بما في ذلك رابطة العقيدة.

ومن خلال فيض من الكتابات نجح هؤلاء في إرساء دعائم العلمانية في العالم العربي، وقد شملت الرسائل الموجهة عبر كتاباتهم كيل المديح للفكر الليبرالي في كل من فرنسا، وإنجلترا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وإدانة هيمنة التقاليد على العالم العربي، والتأكيد على أن العقل ينبغي أن يحل محل التقاليد في تحديد معايير السلوك الإنساني، وعلى أن إنجاز التقدم والتحديث يتطلب الإبقاء فقط على تلك التقاليد التي لا تتعارض مع مشروع التحديث، كان هدف هؤلاء المفكرين هو تحديد مواصفات دولة علمانية يمكن أن يشارك في إدارتها المسلمون والنصارى على قدم من المساواة التامة.

يقال إن شبلي شميل -والذي كان قد تخرج في الكلية البروتستانتية، ثم توجه إلى باريس لدراسة الطب- كان أول من أدخل نظريات داروين إلى العالم العربي من خلال كتاباته في المقتطف، يستدل من كتاباته على أنه كان ينتمي إلى حركة نشطت في أواخر القرن التاسع عشر كانت ترى أن العلوم الطبيعية وحدها هي المفتاح لفهم سر الكون، بل وتعتبرها نمطًا من العبادة، وكان شميل يعتقد أن دين العلوم هو بمثابة إعلان حرب على الأديان القديمة، وكان يرى أن الوحدة الاجتماعية التي اعتبرها ضرورة أساسية التحقيق إرادة شعبية عامة، تستلزم الفصل بين الدين والحياة السياسية على اعتبار أن الدين كان عامل فرقة، وأصر شميل على أن الأمم تقوى بضعف نفوذ الأديان فيها، مشيرًا للدلالة على ذلك إلى النموذج الأوروبي حيث تحققت القوة والمدنية نتيجة لما أثمرته حركة الإصلاح والثورة الفرنسية من تحرير المجتمع من قبضة رجال الدين، ولذلك فقد كان يدين في كتاباته الشيوخ والقساوسة معًا، متهمًا إياهم بمقاومة التقدم والتنمية.

أما فرح أنطون -الذي كان قد هاجر من طرابلس إلى القاهرة عام ۱۸۹۷م- فقد رأی نشر أفكاره عبر دراسة أعدها حول حياة وفلسفة ابن رشد متأثرًا في ذلك بأعمال اللغوي والمؤرخ الفرنسي إيرنست رينان (۱۸۲۳ - ۱۸۹۲م) الذي كان يصفه حوراني بأنه معلم أنطون، كان أنطون يعتقد بأن مشكلة التصادم بين العلوم والدين يمكن أن تحل فقط إذا ما رد كل منهما للحقل المناسب والخاص به، ولعل هذا ما حدا بأنطون أن يهدي كتابه إلى من وصفهم ببراعم الشرق الخطر المزج بين الدين والدنيا في عالم اليوم الجديدة، أولئك الرجال المتمتعين بالوعي داخل كل طائفة ومن كل دين في الشرق، الذين تنبهوا والذين ذهبوا يطالبون بوضع دينهم على الرف في مكان مقدس ومبجل؛ حتى يتسنى لهم إنجاز الوحدة الحقيقية بينهم، والانطلاق ضمن تيار الحضارة الأوروبية الحديثة لينافسوا أولئك الذين ينتسبون إليها قبل أن يجرفهم تيارها ويخضعهم للآخرين.

سعى أنطون من خلال كتاباته إلى التأكيد على انتفاء الحاجة في العصر الحديث إلى ما وصفه بالجزء غير الأساسي من الدين؛ أي الشريعة، وإذا كان هذا شرطًا أولًا لتحقق العلمانية، فإن شرطه الثاني كان إقامة الفصل بين السلطات الدنيوية والسلطات الروحية، زاعمًا أن إنجاز هذا الفصل في الديانة النصرانية جعل النصارى أكثر تسامحًا من المسلمين، ومؤكدًا على أنه إذا ما كانت الأقطار الأوروبية اليوم أكثر تسامحًا فليس السبب في ذلك نصرانيتها، وإنما نجاح العلوم والفلسفة في إقصاء التعصب الديني، ونجاح هذه الأقطار في إنجاز فصل تام بين السلطات الدينية والدنيوية.

وأما سلامة موسى فقد دعا من جهته إلى الفصل بين ميدان العلوم وميدان الدين، مصرًا على أن الدين قد فقد -بسبب نفوذ المؤسسات الدينية ورجال الدين- طبيعته التقدمية، وأصبح عبئًا ثقيلًا، وسعى سلامة إلى التأكيد أن الإسلام والنصرانية لهما مواقف متماثلة فيما يتعلق بحرية الفكر وتحرير العقل، مصرًا على أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم أو يتطور ما لم يتم تقييد دور الدين في تشكيل الوعي الإنساني، فالتقدم هو الدين الجديد للإنسانية.

لعل ما دفع هذه المجموعة من المفكرين إلى حمل لواء العلمنة وشن الهجوم على الدين هو بالدرجة الأولى نصرانيتها؛ فالنصرانية لا يمكنها التعايش مع العلم ومتطلبات الحياة إلا إذا همش دورها، وانحصر في شؤون العبادة لمن أرادها، وهذا ما حدث بالفعل في أوروبا حينما أرادت أن تتحرر من قيود الكنيسة، وتنفض عن نفسها غبار التخلف ولربما حفزها -بالدرجة الثانية- انتماؤها إلى أقلية دينية تعرضت في القرون الأخيرة من الحكم الإسلامي إلى التهميش بالقدر الذي تعرضت فيه إلى مغازلة القوى الغربية الطامعة في المنطقة الإسلامية، والباحثة عن موطئ قدم فيها تمثلت في خلق نخبة مثقفة تشكل -عن وعي أو عن غير وعي- رأس حربة للتغريب والغزو الثقافي.

بالعودة إلى مفكري تلك الحقبة من المسلمين نجد أن محمد عبده كان قد ترك من خلفه تلاميذ ما لبثت أفكارهم أن تبلورت من بعده إلى مدرستين رئيستين: فبينما سلك محمد رشيد رضا نهجًا سلفيًا يدعو إلى التمسك بالأصول، انطلق عدد منهم في الاتجاه المعاكس، وذهبوا إلى أن تأكيد أستاذهم شرعية التغيير الاجتماعي يعني بالضرورة الفصل فعليًا بين مجالين: مجال الدين، ومجال المجتمع، لكل مجال منهما أعرافه وتقاليده، لا شك في أن هذه المجموعة -والتي سعت إلى إيجاد مزاوجة بين الإسلام والأفكار العلمانية- تأثرت بدرجة كبيرة بالرواد الحقيقيين للعلمانية من أعضاء الاتجاه النصراني، وغلب عليها الانبهار بإنجازات الحضارة الغربية، فسعت جادة إلى إرساء قواعد مجتمع علماني يبجل فيه الإسلام، ولكن لا يلعب دور الموجه في الحياة العامة، وبخاصة فيما يتعلق بالقانون وإدارة الاقتصاد والسياسة.

من أشهر رموز هذه المجموعة قاسم أمين (۱٨٦٥ - ۱۹۰۸م) الذي عرف بدعوته لتحرير النساء، رأى قاسم أمين أن مشكلة المسلمين تكمن في تخلفهم العلمي، وبأن من غير المفيد الأمل بتبني العلوم الأوروبية دون تبني القيم الأخلاقية السائدة في أوروبا، فالاثنان من وجهة نظره لا ينفصلان، ولذلك على العرب إن كانوا ينشدون التقدم واللحاق بركب الحضارة أن يعدوا أنفسهم لتغيير جذري في جوانب الحياة كافة، وأعرب أمين عن قناعته بأن الكمال لا يوجد في القديم، ولا حتى في القديم الإسلامي، بل يوجد فقط في المستقبل البعيد، وبأن الطريق نحو الكمال يكمن في العلوم، ولما كانت أوروبا في الزمن المعاصر هي الأكثر تقدمًا في مجال العلوم، فهي التي تقود المسير نحو الكمال الاجتماعي، وأعلن قاسم أمين بأن أوروبا تتقدمنا في كل شيء، وليس صحيحًا الزعم بأنه بينما يتفوق الأوروبيون علينا ماديًا فإن حالنا في مجال الأخلاق أفضل من حالهم، بل إن الأوروبيين أكثر تقدمًا حتى في المجال الأخلاقي، صحيح أن الطبقتين العليا والدنيا في مجتمعات أوروبا ينقصها شيء من العفة فيما يتعلق بالممارسات الجنسية، إلا أن الطبقة الوسطى تتمتع بمستوى راق من الأخلاق بكل ما تعنيه الكلمة، بل إن الطبقات الاجتماعية كافة تتمتع بدرجة عالية من العفة الاجتماعية.

وكان أحمد لطفي السيد (١٨٧٢ - ١٩٦٣م) رائدًا من رواد مجموعة العلمانيين من تلامذة عبده، ومع أنه كان مقربًا جدًا من محمد عبده، إلا أن الإسلام لم يشكل جزءًا مهمًا من فكره، فلطفي السيد لم يكن هاجسه -كالأفغاني أو عبده- الدفاع عن الإسلام، أو المطالبة بإعادة الاعتبار للشريعة الإسلامية كأساس أخلاقي للمجتمع، بل لم يكن للدين اعتبار لديه إلا بقدر ما يمكن اعتباره مكونًا من مكونات المجتمع الثقافية لا أكثر.

إلغاء الخلافة الإسلامية:

أثار الإعلان عن إلغاء الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤م جدلًا بين مفكري تلك الفترة حول أهمية الخلافة، وحول ما كان ينبغي على المسلمين من رد فعل تجاه الإعلان عن إلغائها، وتركز الجدل حول كتاب «الإسلام وأصول الحكم: بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام» الذي ألفه الشيخ الأزهري علي عبد الرازق (۱۸۸۸ - ١٩٦٦م)، واعتبر من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، اعتبر علي عبد الرازق الذي كان قد عاد لتوه من بريطانيا بعد أن أنهى دراسته العليا في أكسفورد، أنه لا صحة لوجود مبادئ سياسية إسلامية، ونفى أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أقام نظامًا سياسيًا إسلاميًا على اعتبار أن إقامة الدولة لم يكن جزءًا من مهمته التي ابتعث من أجلها، ولعل أفكار عبد الرازق هي التي وفرت الأرضية التي انطلق منها العلمانيون العرب فيما بعد في حملتهم الضارية على الشريعة الإسلامية، وبخاصة ما يتعلق منها بأحكام الإدارة الاقتصادية والسياسية والجنائية، بل إن كتابه يعتبر أول دعوة صريحة من شيخ أزهري إلى رفض التفسيرات والمفاهيم المتعارف عليها، واستبدالها بتفسيرات ومفاهيم عصرية على نسق ما كان يقترحه المستشرقون في كتاباتهم عن الإسلام.

تقوم الفكرة العلمانية في العالم العربي على عدد من الفرضيات الخاطئة، أولها تشبيه الإسلام بالنصرانية من حيث كونه دينًا ينبغي أن يقتصر نفوذه على الجانب الروحي من حياة الإنسان، بل شط العلمانيون حين تصوروا وجود سلطة دينية في الإسلام على نسق السلطة الكنسية في النصرانية تعيق التقدم والتطور، وتحرم حرية التفكير، وتقمع الإبداع، ولذلك ينبغي منعها من التدخل في الشؤون الدنيوية، لقد أخطأ هؤلاء خطأ جسيمًا حين سحبوا على الإسلام ما في التجربة الأوروبية من صدام بين الكنيسة والعلم، وبين النصرانية والعقل، وأخطأ أيضًا في استنتاجهم بأن النصرانية والإسلام اختطا النهج نفسه في التعامل مع المبدعين في مجالات العلوم الطبيعية أو الإنسانية، ولذلك ينبغي على العرب إقصاء الإسلام ثمنًا للتقدم والتصور، كما أقصى الأوروبيون نصرانيتهم لينجزوا حضارتهم المعاصرة، وأخطأ هؤلاء أخيرًا في اعتبار العلمنة شرطًا من شروط التحديث، وحين اعتبروا العلاقة بينهما علاقة عضوية لا تنفصم.

لم تكن النخب المتغربة -العلمانية- لتفلح في نشر أفكارها لو ظلت حلبة النزاع الفكري مفتوحة ومستقلة عن تدخل القوى السياسية بدءًا بالمستعمر، وانتهاء ببعض أنظمة الحكم في الدولة القطرية المعاصرة، ففرضيات العلمانيين يسهل دحضها من قبل من حظه من العلم والفكر متواضع، وفي الوقت نفسه يتعسر قبولها لدى عامة الناس لما للثقافة الإسلامية من نفوذ عميق في أنمطة تفكيرها وحياتها، ولما في ضميرها الثقافي من ثقة بدور الإسلام التاريخي في النهضة بالإنسان والمجتمع.

إن الذي مكن للتغريب والعلمنة هو النفوذ السياسي والاحتكار الإعلامي، والإرهاب الأمني، كما مكن له ضرب هذه الأجهزة المؤسسات المجتمع المدني، من مصادرة للتعليم وللأوقاف والمساجد، ومن ربط النشاطات الثقافية والسياسية بموافقات أمنية مسبقة، حتى غدت القاعدة السائدة الأصل في الأمور التحريم، لا الإباحة كما هو متعارف عليه في الشرع الإسلامي.

كيف انقسم تلامذة محمد عبده إلى فريقين بشأن العلمانية؟ ولماذا يتعرض المشروع العلماني اليوم للانكشاف؟

إلا أن المشروع العلماني الآن يتعرض للانكشاف (كما سبق وقرأنا في المقال السابق) بل لقد دخل مرحلة الاندحار، ليس فقط بسبب تورط النخب العلمانية في سياسات الأنظمة القمعية التي لم تحقق تنمية ولا تقدمًا ولا تحررًا ولا حتى استقلالًا، بل لأن الدين في ضمائر المسلمين راسخ لا يلبث -رغم الكبت والقمع- أن يجد من يحمله ويرفع رايته، صحيح أن أصحاب المشروع العلماني افتضح أمرهم لوقوفهم في صف الأنظمة الدكتاتورية المقاومة لكل تحرك نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولكن صحيح أيضًا أن التدين الشعبي في العالم الإسلامي -كما استنتج جيلنر- أعمق من أن تنال منه تيارات واردة لا تجد لها في أرض المسلمين قرارًا. 

وبعد قرن من الحملات المكثفة والمتتالية تظل العلمانية فكرة مستوردة غريبة، بل ومرفوضة، وقد تبين أن هدف القائمين عليها هو سلخ المجتمعات العربية عن هويتها الإسلامية، وستظل العلمانية في سجل التاريخ حركة رديفة للاستعمار الذي بدأ بغزو نابليون لمصر، والذي سيندحر نهائيًا -بإذن الله- بانهيار المشروع العلماني العالمي المتمثل بدولة إسرائيل المزروعة كالخنجر في قلب الأمة الإسلامية، وما ظاهرة التدين الحالية إلا تعبير عن أصالة الانتماء إلى الإسلام عقيدة وسلوكًا، وتعبير عن تحرك الجماهير العربية لنفض غبار التخلف الذي لم تسهم العلمنة إلا في ترسيخه، وتعبير عن بداية تبلور مشروع إسلامي في المنطقة العربية سينجز في القريب -إن شاء الله- مشروع الاستقلال والذي سيكون أهم معالمه تحرير فلسطين، وإعادة توحيد الأمة.

المراجع (1)

(1) إيرنست جيلتر الماركسية والإسلام: بين الفشل والنجاح ورقة في كتاب مشاركة الإسلاميين في السلطة، تحرير عزام التميمي، ليبرتي ١٩٩٤ م ص ٨١

(2) د يوسف القرضاوي الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه الرسالة ١٩٩٠م.

(3) رفعت سيد أحمد الدين والدولة والثورة الدار الشرقية ۱۹۸۹م.

(4) .Albert Hourani, Arabic Thought in the  Liberal Age 1798-1939 Cambridge Uni- versity Press 1991, P.69

(5) راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية. مركز دراسات الوحدة العربية ١٩٩٣م، ص ٢٥٢.

(6) محمد البهي الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ۱۹۹۱م، ص ٢٠٦ - ٢٠٩ .

الرابط المختصر :