العنوان أزمة المديونية بين ظلم الربا وعدالة الزكاة
الكاتب عبدالله السميط
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 756
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 25-فبراير-1986
* مرت الكويت إبان التعامل في سوق المناخ برواج اقتصادي غير طبيعي.
- إن أزمة المديونية في الكويت لها ارتباط وثيق بالتعامل بالربا.
يعاني الكثير من التجار وأصحاب الأموال في الكويت هذه الأيام من أزمة مالية حادة وخانقة تسببت في تدهور الأوضاع المالية لكثير منهم وضعف المركز المالي إلى درجة أصبح الذي سلم من الدين كالناجي من ركاب سفينة غرقت في أعماق بحر متلاطم الأمواج.
ولسنا هنا -في هذا المقال- بصدد بيان أسباب هذه الأزمة أو اقتراح علاج لها، فهذا أمر ليس موطنه هنا، ولكن ما نريد الحديث عنه هو جانبان مهمان في المشكلة؛ أما الجانب الأول فنكشف فيه القناع عن الوجه القبيح للنظام المصرفي المعمول به، والذي يتمثل في الربا أو الفائدة، والجانب الآخر فنحاول فيه إزالة شيء من الغشاوة التي على أعين الكثيرين ونمسح الغبار العالق على الصورة الجميلة والمتمثلة في الزكاة لبيان ما يمكن أن نؤديه في مجتمع يعمل بها وقدر وحدثت فيه هذه الأزمة.
أولًا: أثر الربا في الأزمة
إن ظاهرة الدورات الاقتصادية والمعروفة في النظام الاقتصادي والتي تتمثل في فترات الرواج والكساد يعرفها الكثير ممن قرأوا ولو شيئًا يسيرًا عن علم الاقتصاد، فمن المعروف أنه في حالة الرواج يزداد الطلب الكلي وترتفع الأسعار وتزيد البنوك من منح القروض للحصول على أقصى ربح ممكن، كما يقدم العملاء على الاقتراض على اعتبار أن باستطاعتهم تحقيق أرباح أكبر من مقدار الفوائد المستحقة على القروض التي منحتها لهم البنوك، وهذا هو الحال الذي كان عليه وضع السوق في الكويت قبل فترة ما اصطلح على تسميته بأزمة المناخ، وإن كان هذا ليس هو السبب الوحيد في أزمة المديونية التي نحن بصددها.
أما في أوضاع الكساد حيث تنخفض الأسعار ويترهب التجار من التوسع في أعمالهم كما تحجم البنوك عن الإقراض لقلة العائد المتوقع، وهذا ما هو حادث في الكويت الآن.
لقد مرت الكويت إبان التعامل في سوق المناخ برواج اقتصادي غير طبيعي نتج عنه تضخم جامح ارتفعت معه الأسعار إلى مستويات غير معقولة، ومما زاد الطين بلة أنه لم يكن هناك تحرك من أي من الجهات المعنية لمحاولة علاج المشكلة وتفادي ما قد ينجم عنها من مخاطر.
ثم حدث ما لم يكن بالحسبان لكثير من الناس، وجاءت مرحلة الكساد وكانت عنيفة للغاية، أحرقت ما أحدثه الرواج من خضرة ثم امتدت إلى اليابس.
وكان نتيجة ذلك تدهور أوضاع الكثير من أصحاب الأعمال والتجار وانكشاف مراكزهم المالية، وعجز كثير منهم عن السداد، وحدثت ما يعرف بأزمة المديونية، وأدى تشابك هذه المديونيات إلى تعقيد الأزمة وكبر حجمها.
ولعل سائلًا يتساءل: أين الأثر السيئ للربا في الأزمة؟! فنقول وبسرعة: إننا مهما أجدنا في وصف الموقف فلن نكون أحسن تعبيرًا من كلام أحد المدينين الذي أصبح لا يملك مالًا وعليه التزامات للبنوك، وهذه الالتزامات تزداد يومًا بعد يوم لأن عداد الربا آخذ في الدوران وبمبالغ تصاعدية فهو لا يعرف الشفقة أو الرحمة، وهكذا وجد المدينون المعسرون أكبر الظلم من الربا لأنهم علاوة على أن الوضع لا يساعدهم على الاستثمار، بل إن بعضهم أصبح لا يملك ما يستثمر وكل رصيده بالسالب، ومع ذلك فمقدار الدين آخذ في التزايد، ويزداد العذاب النفسي لهؤلاء يومًا بعد يوم، فقد صودرت أملاكهم وأصبحوا يضربون أخماسًا بأسداس. ولو نظر الإنسان إلى وجه أحدهم لتمثل له قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: 275).
لقد كان نظر هؤلاء للتعامل بالربا على أنه أفضل وسيلة لتحقيق أقصى ربح ممكن وبأسرع وقت، ولكن كانت النتيجة عكسية وأصبح التعامل بالربا يأخذ من الإنسان أكثر مما يعطيه.
وهذا بلا شك صورة بشعة للاستغلال والنهب، وأصبح كثير من المدينين يصدق عليهم المثل: إنهم «عزيز قوم ذل».
ومن هنا ندرك لماذا يحارب الإسلام الربا؟ بل إنه يعتبر آكل الربا محاربًا لله ورسوله، وهو كذلك كفار أثيم يمحق الله ما يحصل له من الربا.
كما أوضحت تعاليم الإسلام أن الرحمة لا بد من توافرها بين بني الإنسان حين يكون أحدهم في حاجة إليها، وما أشد حاجة المعسر في دينه إلى الرحمة والرأفة به فيقول تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 278).
نعم حين نتعامل على أساس الإسلام حيث لا وجود للربا فلا يوجد عداد الفائدة الذي يضاعف الدين أضعافًا مضاعفة.
ولا شك أن الذين لم يتعرضوا للمشكلة بأنفسهم لن يكون لهم نفس شعور وإحساس من تعرض لها؛ لأن من شعر بظلم الربا يتخيله وكأنه منشار ينشر أحشاءه ويعذبه ليل نهار فلا يستطيع الراحة أو السكون.
ونسأل الله أن يلطف بهؤلاء المدينين وأن تكون هذه الأزمة هي نقطة العودة إلى الله وترك التعامل بالربا.
كما إننا نرجو أن يقرأ هذا الكلام القائمون على البنوك الربوية ويشعرون كم هو الأذى والظلم الذي تسبب لهؤلاء المدينين لتعاملهم بنظام الربا الجائر، وأنه آن الأوان لهم أن يبحثوا عن بديل لهذا النظام، أو على الأقل أن يتوب من يجد في نفسه هذا الشعور ويترك التعامل بالربا.
هذا بإيجاز شديد ما أردنا بيانه في دور الربا الظالم، وإن كان الأمر يحتاج إلى المزيد والمزيد.
ثانيًا: عدالة الزكاة لعلاج الأزمة
إن أزمة المديونية في الكويت لها ارتباط وثيق بالتعامل بالربا، ولكن حين نطالب باستخدام الزكاة لعلاج أزمة المديونية فلا شك أن العلاج المقدم لا ينطبق على الحالة الكويتية؛ لأن الزكاة نظام إسلامي رباني لا يمكن استخدامه لإنقاذ مجموعة من المقامرين والمتعاملين بالربا.
ولكن ألا يمكن أن تحدث أزمة مديونية في دولة يحكم الإسلام نظامها الاقتصادي؟ نعم إن هذه الأزمة قد تحدث لعدة أسباب كالكساد المحلي أو العالمي، وكذلك الحروب أو غيرها من الأسباب، أي أن كون المجتمع يحكم نظامه الاقتصادي وفق تعاليم الإسلام لا يعني أنه خال من المشاكل، فقد يحدث إفلاس لتجار وإعسار لمدينين، فهذه سنة كونية تتحقق في كل مكان.
وقد عرفنا فيما سبق مدى الظلم الذي يلعبه الربا في مفاقمة هذه المشاكل وزيادة الأزمة إن وجدت.
ولكن حين ننظر إلى تعاليم الإسلام في الزكاة ننظر إلى قوله تعالى في مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ (التوبة: 60). فقد قال العلماء في تفسير الغارمين: إنه من تحمل أعباء مالية لا يستطيع الوفاء بها كمن اقترض قرضًا وأصبح معسرًا لا يستطيع السداد، أو من احترق له مصنع وفقد الإيراد الذي يعيش منه، أو غير ذلك من الأمور التي يكون الإنسان في ضائقة مالية بسببها، فبالإضافة إلى أنه لا يجوز الزيادة في مبلغ الدين من خلال الفائدة فإن الفقهاء يرون أنه يستحق أن يصرف له من الزكاة إرفاقًا به حتى يعود إلى وضعه الطبيعي قبل الأزمة. بل إن بعض الفقهاء يرى أن من احترق له مصنع مثلًا أو كانت له بضاعة على باخرة فغرقت الباخرة، أو غير ذلك فإنه يعطى بمقدار ما فقد؛ لأن القصد إعادته إلى وضعه السابق وليس إعطاؤه ما يكون دخلًا يكفيه لعيشه فقط؛ وذلك لأن الإسلام حريص على استمرار قوة النشاط الاقتصادي في المجتمع.
فلو أن كل صاحب عمل أو تاجر تعرض لمشاكل مالية ولم يجد في النظام ما يساعده فإنه سيخرج من العمل في هذا النظام، وبخروج أعداد كبيرة من هؤلاء يؤدي ذلك إلى إضعاف النشاط الاقتصادي، وهو أمر غير مقبول في المجتمع المسلم.
هذا هو دور الرأفة والرحمة الذي تقدمه الزكاة في حالة ضيق الأوضاع المالية وتردي أوضاع التجار وأصحاب المال أو إعسار المدينين.
وبعد فما كتب هنا هو في عجالة من الأمر، وإن كان الأمر يحتاج إلى مقالات أكثر دقة وأكثر شمولًا حتى تعم الفائدة، وقد حرصت ألا تكون لغة المقال علمية بحتة وبالذات فيما يتعلق بالمصطلحات الاقتصادية حتى يستطيع القارئ العادي قراءة المقال.
والله أسأل أن تكون هذه المشكلة التي عرضتها سببًا في عودة كثير ممن تعاملوا بالربا إلى جادة الصواب واتباع أوامر الله، والحمد لله رب العالمين.