العنوان الدور الذي لم ينته بعد في لبنان
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مايو-1985
مشاهدات 59
نشر في العدد 716
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 07-مايو-1985
* لعبة النار من أجل تحقيق الهيمنة المسيحية في لبنان.
* دفع الحزب الاشتراكي باتجاه الواجهة ليمثل القسم الإسلامي في المستقبل.
* القوى الدولية هي التي رسمت الأدوات في ساحات إطلاق النار.
* الدور المرسوم يقضي بتصفية القوى المتقاتلة الإسلامية اللبنانية والفلسطينية.
* السكوت السوري عن الهجمة الكتائبية يثير العديد من التساؤلات.
يلاحظ المراقبون أنه منذ إلغاء اتفاق 17 مايو 1983 بين لبنان وإسرائيل فإن اللعبة الجارية على الأرض اللبنانية أصبحت تدار من قبل سوريا، وإن قرار تكليفها بهذه المسؤولية قد صدر من قبل القوى الدولية المحركة للأحداث اللبنانية، ومن هذا المنطلق فإن العاصمة السورية أصبحت نقطة الالتقاء بين الأطراف اللبنانية المختلفة لتحقيق ما وصف بالوفاق بين هذه الأطراف تمهيدًا لإغلاق الملف اللبناني على حد تعبير السلطات الإعلامية السورية!!
وكانت اللقاءات العديدة التي تمت في دمشق بين الأطراف اللبنانية وبرعاية سوريا قد أسفرت عن التوصل -حسب ما أعلن- إلى عدة اتفاقات بخصوص الخطة الأمنية وانكفاء المليشيات المسلحة، واعتماد الجيش اللبناني لتنفيذ الخطة الأمنية وما سمي بالإصلاح الدستوري.. إلى آخر هذه النقاط التي ذكر في حينها أنه قد تم الاتفاق عليها، ونحن هنا لسنا بصدد التعرض إلى هذه النقاط التي اتفق عليها أو بالأحرى النقاط التي أدعوا أنهم اتفقوا عليها، ولكننا بصدد التعرض إلى الموقف السوري تجاه الأحداث اللبنانية ومنها التحرك الكتائبي الأخير الذي قاده سمير جعجع والذي يحمل في طياته رفضًا قاطعًا لمعظم هذه النقاط.
القدم السورية في لبنان
من المعروف تاريخيًا أن لبنان لم يكن قبل التجزئة الاستعمارية سوى امتدادا طبيعيًا وجغرافيًا للدولة السورية وبمعنى أصح كان لبنان جزءًا من دولة سوريا الطبيعية ومن هنا وبعيدًا عن المنحى التاريخي لعلاقة لبنان بسوريا، نقول إن كلا من لبنان وسوريا كانتا تؤثران وتتأثران كل واحدة منهما بالأخرى سلبًا أو إيجابًا، وكانت سوريا بمثابة الشقيق الأكبر للبنان ولذلك فقد كان التأثير السوري بلبنان أشد وأقوى.. هكذا كانت العلاقة بينهما في عهود الاستقلال الأولى وهكذا استمر في العهود الانقلابية وفي عهد الوحدة المصرية السورية وفي عهد الانفصال.. ومع تغيير بنية النظام في سوريا إلى النحو القائم حاليًا –ولأول مرة في تاريخ سوريا- بدأت مؤشرات العلاقات السورية اللبنانية تتجه بعيدًا عن المنحى السابق الذي استمرت عليه لأكثر من ثلاثين عامًا.
وبإيجاز نقول إن فرنسا كقوة دولية كبرى في ذلك الوقت لم تخرج من سوريا حتى تم لها عزل الجزء اللبناني وتسليم أمر الحكم فيه للأقلية المسيحية التي ارتبطت بفرنسا عقائديًا وروحيًا جعل لفرنسا في قلوب نصارى لبنان هالة من القداسة جعلهم يطلقون عليها اسم الأم الحنون، ومنذ ذلك الوقت كانت نظرة الارتياب توجه دائمًا نحو نصارى لبنان بسبب هذه العلاقة المشبوهة التي تحولت إلى ارتباط كامل بالغرب الصليبي ومنفذًا لسياساته في المنطقة، ولم يكن هذا الارتباط روحيًا أو عقائديًا فقط وإنما امتد إلى النواحي السياسية والثقافية والاقتصادية.
ولهذا فقد كان الطرف الثاني في لبنان وهو الطرف المسلم يعتقد جازمًا بأن المؤامرة الفرنسية أصابته في تاريخه وثقافته وارتباطاته.. إصابة مباشرة وذلك نتيجة تسليم مقاليد الأمور في تلك الدولة الجديدة للطائفة المسيحية، ولم يكن الآخرون سوى مواطنين من الدرجة الثانية. ومن هنا فقد كان الانقسام بين الطائفتين واضحًا في كل شيء. وبينما كان الطرف المسلم يلوذ بسوريا ويرتبط بها كان الطرف المسيحي على النقيض من ذلك تمامًا، والأحداث السورية كانت تجد لها صدى مباشرًا في لبنان مع اختلاف هذا الصدى في كل من الطائفتين الإسلامية والمسيحية.
واستمرت الأمور على هذا النحو رغم اختلاف أساليب أنظمة الحكم في سوريا خلال العقود الماضية نظرًا لأن هذه الأنظمة السورية لم تكن تحمل في طياتها توجهات أو خلفيات طائفية.. يمكن توظيفها لتحقيق مصالح طائفية معينة.
وكما ذكرنا فإن تبدل بنية النظام في سوريا وحدوث تحولات شبه كاملة في توجهات النظام نتيجة تأثيرات طائفية معينة أحدث تغييرًا في طبيعة العلاقات بينها وبين لبنان، بحيث جاء هذا التغيير متفقًا مع مصالح الطرف المسيحي على حساب الطرف الإسلامي، وذلك لأسباب تاريخية عديدة لا مجال لذكرها الآن.
اليد السورية والهيمنة المسيحية
في مقالاتنا السابقة عن الأزمة اللبنانية تحدثنا عن أحد أهم أسباب الحرب الأهلية اللبنانية وحددناه بقلق نصارى لبنان من تزايد قوة الشارع الإسلامي نتيجة الارتباط أو التحالف بين مسلمي لبنان وبين الجالية الفلسطينية المسلمة التي تملك قدرة عسكرية، يمكن أن تهدد السياسات المسيحية والهيمنة المسيحية والتوجهات المسيحية في لبنان والمنطقة. وبينا أن هذا السبب كان كافيًا بالنسبة للمسيحيين لتفجير حرب أهلية ضاربة اعتقدوا أنهم من خلالها سيتمكنون من القضاء على هذه القوة الجديدة للشارع المسلم.. ولكن حساباتهم العسكرية كانت خاطئة حيث تمكنت قوى التحالف الجديد من قهر القوة العسكرية المسيحية وضرب قلعتها في الدامور واعتقال كميل شمعون وكادت الأمور تصل إلى حد الاستيلاء على مركز الرئاسة في بعبدا وتهديد النفوذ المسيحي بشكل قاطع، إلا أن الأمور لهم تصل إلى هذه النقطة نتيجة التدخل العسكري السوري الهائل الذي اجتاح الأراضي اللبنانية وانتشر في معظمها وأمن الحماية الكاملة للجانب المسيحي الذي استغل هذه الحماية لتجميع صفوفه وإعادة تنظيم قواته ليبدأ من جديد في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه لتحقيق ذلك كان لابد من ارتكاب المجازر التي سجلها التاريخ والتي جرت على ساحة الكرنتينا والمسلخ والمخيمات.. ولا يمكن أن ينسى الشارع المسلم حادثة حصار ومن ثم اقتحام مخيم تل الزعتر الذي أدى سقوطه إلى حدوث شرخ كبير في القوة العسكرية الفلسطينية المتحالفة مع الشارع الإسلامي.
وفي هذه الأثناء كانت البيانات والخطب الرسمية السورية تؤكد على سياستها الرامية إلى حماية المسيحيين في لبنان ولكن الأحداث المتتالية أثبتت أن القضية لم تقف عند حد الحماية ولكنها امتدت إلى حد إعادة الأوضاع اللبنانية إلى سابق عهدها من حيث إعادة تثبيت الهيمنة المسيحية على الحكم في لبنان، وكان الضغط السوري على الأطراف الأخرى الدرزية والشيعية.. تسير في هذا الاتجاه، إضافة إلى تحجيم الدور السني عن طريق ما أسموه بالخطة الأمنية التي لم تنفذ إلا في المناطق الإسلامية السنية.
الدور السوري والثمن المطلوب
السؤال الذي لابد أن يتبادر إلى ذهن المواطن العربي وهو يرى الذراع السورية تمتد داخل الأرض اللبنانية تعمل على إعادة وتثبيت الهيمنة المسيحية على الحكم اللبناني، هل لابد من ثمن يدفعه لبنان أو بالأحرى الحكم اللبناني المسيحي لقاء النتائج الإيجابية التي حققها الدور السوري لصالح الهيمنة المسيحية في لبنان؟
نقول أن الجهود المضنية الكبيرة التي بذلها النظام السوري داخل الأرض اللبنانية لا يمكن أن تنتهي هكذا بدون أي مردود مباشر يحقق مصالح النظام، صحيح أن هذه الجهود تمت بموافقات دولية عبر الأضواء الخضراء التي أعطت سوريا إشارة الموافقة على التحرك الكبير داخل لبنان عام 76، ولكن هذه القوى الدولية لم تكن لترفض تحقيق بعض المصالح السورية داخل لبنان بحيث لا تؤثر هذه المصالح على المخططات الاستراتيجية المرسومة للمنطقة إن لم تكن تخدمها على المدى البعيد.
وكما تقول المصادر الدبلوماسية في العاصمة اللبنانية فإن المحادثات المتعددة والمتكررة بين الجانبين السوري واللبناني الرسمي الذي يمثله الكتائب وزعيمها أمين الجميل تناولت بالتفصيل المطالب السورية التي ترى سوريا أنه لابد من تحقيقها لضمان طي ملف الأزمة اللبنانية وتثبيت أمين الجميل وحزبه الكتائبي على السلطة في لبنان.
والمطالب السورية لم تكن مجهولة للقوى الأخرى المحركة للأحداث اللبنانية كالولايات المتحدة وإسرائيل.. فقد أطلقت تصريحات عديدة من كل من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي تتضمن اعتراف هذه القوى بالمصالح السورية في لبنان، وهذا الاعتراف يعني الموافقة على تحقيق المطالب السورية التي لا يمكن أن تؤثر على الوجود المسيحي والهيمنة المسيحية في لبنان، وقد تناول المراقبون العديد من المطالب السورية إلا أن بعضًا منها لا يستدعي أن تتوقف عنده على عكس المطالب الأخرى التي تفسر الكثير من حقائق الدور السوري في لبنان، ويمكن تحديد بعض هذه المطالب بالتالي:
- التنسيق الأمني الكامل بين سوريا ولبنان سواء في المجال العسكري الدفاعي أو الأمني الداخلي.
- ربط الدبلوماسية اللبنانية بالدبلوماسية السورية وبمعنى أصح ربط السياسة الخارجية اللبنانية بالخارجية السورية.
- توحيد النقدين السوري واللبناني أو على الأقل ربط البلدين بسياسة نقدية واحدة.
- ربط البلدين بسياسة جمركية واحدة.
- زيادة عدد أعضاء مجلس النواب اللبناني بحيث تستوعب هذه الزيادة أعضاء يمثلون الطائفة العلوية المتركزة في شمالي لبنان.
هذه بعض النقاط أو بالأحرى المطالب السورية الرئيسية والتي لها أهمية بالغة بالنسبة لسوريا، والناظر في هذه المطالب يلاحظ أنها في مجملها تركز حول ربط لبنان بسوريا بصورة تصبح الهيمنة السورية واضحة على مجمل الحياة اللبنانية اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، فربط البلدين بسياسة نقدية وجمركية واحدة من شأنها أن تعمل على تحقيق فوائد اقتصادية بالغة الأهمية بالنسبة للنظام السوري الذي يعاني كثيرًا من اختلاف التوجه الاقتصادي بين البلدين. كما أن ربط الدبلوماسية اللبنانية بالدبلوماسية السورية أو بالأحرى ربط السياسة الخارجية اللبنانية بالتوجهات السورية يعني ارتباط السياسة الخارجية اللبنانية بعجلة السياسة السورية ذات الطابع المتناقض كليًا مع السياسة اللبنانية وهذا من شأنه أن يزيد من تأثيرات السياسة السورية على المنطقة ويغير من معادلاتها.
والنقطة الأهم في هذه المطالب السورية يكمن في التنسيق الكامل بين سوريا ولبنان في المجالين العسكري الدفاعي والأمني الداخلي، ومن الطبيعي أن هذا المطلب يعد من الأمور الأساسية والثابتة التي يطلبها النظام السوري من لبنان وبإلحاح، وإن كان التنسيق العسكري الدفاعي ياتي بالمرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد التنسيق الأمني، وهذا راجع لمدى حساسية النظام السوري بالنسبة للقضايا الأمنية وخاصة ان البوابة اللبنانية المفتوحة على سوريا كانت تشكل إزعاجًا أمنيًا مستمرًا بالنسبة للنظام السوري، نظرًا لطبيعة الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان والتي كانت تسمح دائمًا بالتحرك لكافة القوى السياسية المعارضة، وهذا الوضع الأمني الخاص تعتبره سوريا مبررًا كافيًا لإيجاد قدم لها في لبنان، وتحت ستار التنسيق العسكري الدفاعي تتمكن سوريا من تحريك قواتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية متى شاءت وكيف شاءت، وتثبيت بعض هذه القوات داخل لبنان بحيث تشكل مستقبلًا ما يشبه القواعد العسكرية، ونعتقد أن هذا التواجد العسكري السوري داخل الأراضي اللبنانية يعني خدمة السياسة الأمنية السورية، ولا يعني توجيه أي تهديد للعدو الصهيوني الذي لا يمكن أن يقبل بهذا التواجد السوري الذي تحكمه الخطوط الخضراء والحمراء والتي تم رسمها قبل سنوات بواسطة المبعوثين الأمريكيين الذين تواردوا ولا زالوا يتواردون على المنطقة لتعديل هذه الخطوط أو رسم خطوط جديدة تضمن بالتالي مصالح الكيان الصهيوني ومن ورائها مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن ضمن المطالب السورية الأساسية زيادة عدد أعضاء المجلس النيابي اللبناني بحيث تخدم هذه الزيادة في عدد الأعضاء الطائفة العلوية المتمركزة في شمالي لبنان بالقرب من مدينة طرابلس، حيث أن هذه الطائفة لا تملك أي تمثيل لها في المجلس النيابي اللبناني نظرًا لأن التعداد السكاني لهذه الطائفة لا يشكل نصابًا يمكنها من الحصول على هذا التمثيل. وكانت خلال العقود الماضية تعيش على هامش الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية، وبالنسبة للبنانيين فإنهم يعتقدون أن هذه الطائفة لا جذور لها في لبنان، وإنما هي امتداد طبيعي لوجودها في سوريا، ومع تغيير بنية النظام السوري قبل خمسة عشر عامًا بدأت الطائفة العلوية تشعر بالانتعاش وبدأت عناصر تتحرك نحو المطالبة ببعض المكاسب السياسية.. إلا أن الأوساط اللبنانية لم تعر هذه المطالبة أي اهتمام إلى أن كان التدخل السوري العسكري في لبنان عام 76، ومن حينها بدأ نفوذ هذه الطائفة يتزايد سياسيًا وعسكريًا وأصبح لها مليشيات مسلحة تسليحًا جيدًا وأصبحت تعمل سياسيًا تحت واجهة حزبية باسم الحزب الديمقراطي العربي، وبضغوط سورية مركزة تمكن هذا الحزب الطائفي من الدخول في تشكيلات جبهوية إلى جانب بعض الأحزاب اللبنانية الموالية للسياسة السورية، وبالتالي بدأ بوضع أقدامه داخل الحياة السياسية في لبنان مدعومًا من سوريا، ويقول بعض المطلعين من أبناء الشمال اللبناني أن المنطقة العلوية تشهد هجرة منظمة من أفراد الطائفة العلوية في سوريا للإقامة في لبنان وهذا من شأنه أن يزيد في عدد أبناء الطائفة وبالتالي يدفع بمطلبهم للحصول على التمثيل النيابي نحو الأمام.
وماذا بعد
إن ما ذكرناه بشأن الدور السوري في لبنان والثمن المطلوب لهذا الدور سوف تتضح معامله الأخيرة حسب ما تنتهي إليه الأحداث اللبنانية الأخيرة التي بدأها قبل شهر القائد الكتائبي سمير جعجع ووصفت في حينها بأنها تمرد على شرعية الرئيس اللبناني أمين الجميل الذي حظي بتأييد كامل من جانب سوريا التي هددت وتوعدت سمير جعجع بإنهاء تمرده و... ولكن رغم مرور شهر على هذا التحرك فإن سوريا لم تعلن عن أي خطوة إيجابية تجاه إنهاء تحرك جعجع، بل ذهبت كما قيل إلى إعطاء أمين الجميل مهلة شهرين لإنهاء التمرد على طريقته الخاصة، ورغم المجازر الدموية التي تتم في الجنوب اللبناني وبخاصة في صيدا وضواحيها فإن السكوت السوري أصبح يثير العديد من علامات الاستفهام، ونعتقد أن قراءة متأنية للدور السوري في لبنان يمكنها الإجابة عن سبب هذا السكوت الذي يتفق مع طبيعة هذا الدور.