العنوان النائمون على أنغام الهلاك.. جزائر المليون شهيد لم تستسلم للواقع
الكاتب الدكتور عمارة نجيب
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1979
مشاهدات 69
نشر في العدد 446
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 22-مايو-1979
يضيق الطوق، ويشتد الخناق، وتستحكم القيود، ويتسلط الطواغيت، وتتفشى الفتن، ويزحف الظلم ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان، والمجتمعات الإسلامية تبدو نائمة مطمئنة على أنغام الضلال والزيف والدجل، التي يعزفها الحكام على رءوسهم، أو مستسلمة كاستسلام الأطفال لشدو الأمهات لحكايات المنام الخيالية المنغومة، أو للقصص الأسطورية المنظومة، فتراودهم الأحلام، ويداعبهم خيال الأوهام حتى يغطوا في النوم فلا يتحركون، ولو ضجت الدنيا حولهم بصراخ الحقائق، ونفير الدمار.
إن المنافقين جمعوا خبرات القرون، وأساليب الشيطان، وتدابير عصابات الشر والفساد، ليصنعوا من ذلك كله حبائل مفتولة وجدائل قوية يشنقون بها العملاق الذي طالما تمرد على الطواغيت، وهزم الأباطيل، وأزهق أرواح الشريرين، طالما دارت عليهم الدائرة معًا، وكان الغالب هو الإسلام، وحزبه، والمغلوب هو الشيطان وجنده، واليوم في نظرهم هو يوم الخلاص، أو على الأقل هو يوم التشفي والانتقام، وقد أجمع الخبراء، واتفق الحكماء على أن الإسلام والمسلمين لا يغلبون إلا بالحيلة والخداع والدجل، ولا يؤتون إلا في غفلة، وعلى حين غرة.
فاصطنعت الحيل، وحيكت المؤامرات، وخططت الخدع والمزيفات في أدق المصانع العالمية والمتخصصة، ذات الخبرة العريقة في الإفساد، "مصانع يهود" قال -تعالى-: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٤).
وقد حدث إفسادهم وعلوهم مرتين، ثم سلط الله عليهم من سأمهم سوء العذاب، وشردهم، ولكنهم لم يتوقفوا عن الإفساد رغم تهديد الله لهم بقوله: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٨).
أي إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى تسليط عبادنا عليكم يسوموكم سوء العذاب، كما يؤكد قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأعراف: ١٦٧).
وها هم قد عادوا وجندوا لأنفسهم جنودًا في الغرب وفي الشرق الأوربيين، وفي أمريكا، بل وفي بلاد المسلمين من الحكام والرعايا، فصاروا بذلك أكثر نفيرًا، وأقوى صولة وغرورًا، ولا بد أن يبعث الله عليهم عبادًا له أولى بأس شديد، ولكن حين تزول الغفلة، وتنتهي الغفوة، ويستيقظ النائمون، أو يتحرك المستغفلون، فلا يزال للتغفيل تأثيره وممثلوه المدربون على أساليب التزييف والتضليل حتى أصبحت المآسي تتكرر، وتتدحرج من بلد إلى آخر، وتأتي اللدغات من نفس الجحور مرات ومرات.
وهكذا سيبقى الحال حتى نستيقظ ونستفيد من تجارب الماضي والحاضر، ونطبق قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وقوله: "المؤمن كيس فطن".
ونتنبه إلى ما حيك ويحاك لنا، فنحذر، ونخطط لمواجهته، ونعمل على تفويت فتنه وآلامه؛ استجابة لقول الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣).
فالأصل وراء كل ما أصابنا هو مخالفتنا لمنهج الله، وبعدنا عن أمر ديننا وتعاليمه التي تأمرنا أن نكون فطنين واعين، فاهمين لما يدبره الأعداء؛ فنعمل على مواجهة هذه التدابير بخطط دقيقة، وأساليب علمية وعملية جادة، خصوصًا وقد وصل الحال إلى ذراه، وبلغت المصائب منتهاها بعد التحالف العلني من حاكم بلد عربي مسلم مع اليهود أعداء الله، وأعداء الإنسانية على العموم، وشر أعداء الإسلام والمسلمين على الخصوص.
- الفتنة العظمى:
إن الناس قد يعذرون إذا وصل إلى الحكم مداهن أو منافق، خاصة في غياب منهج الحكم الإسلامي، ولكنهم لا يعذرون أبدًا حين يخلع هذا الحاكم ثياب المداهنة والنفاق، ويعلن عن حقيقته الماسونية المتبنية لكل الأفكار اليهودية، والعاملة على تنفيذ تعاليم حكماء صهيون بالقوة والتسلط والجبروت، إن مثل هذا حين تبقى له دولة مسلمة يحكمها، وشعب عربي يساق بسوطه وبسيفه، ليعبر عن الطامة الكبرى، ويمثل الفتنة العظمى التي تنذر بالهلاك المحقق للمسلمين إن لم يتداركوا الموقف بالسرعة الواجبة، والتخطيط الدقيق السريع.
- ولا تكفي مقاطعة الحاكم ومسالمة المحكومين من جانب العرب الآخرين:
فلو كانت قصة هذا الحاكم مع شعب عربي هو أكثر الشعوب العربية عددًا وأفضلها موقعًا في مواجهة الأعداء تقتصر على نهاية تعسة لهذا الشعب، لكان الأمر هينًا على بعض الناس في المنطقة، وخصوصًا دعاة الشعوبية والعنصرية الحدودية.
ولكن القصة قصة الإسلام نفسه، والمسلمين بعمومهم، وإذا جرى ذبح هذا البلد في هذا الموقع الهام، فإن ذبح بقية البلاد العربية يكون أيسر وأسهل، فكيف وجزار الشعب المصري يستعد ويعد سكينه لذبح العرب المجاورين لمصر بنفسه، وليس غريبًا أن يستسلم شعب عظيم كشعب مصر لأنغام هلاكه، فعمر هذه الأنغام قديم وطويل قدم الانقلاب، الذي بدأ عشية الثالث والعشرين من يوليو عام (1952م)، إن لم يكن قبل ذلك.
أنغام الهلاك بدأت بالشعارات الرنانة، والعبارات الملحنة، والأساليب المطعمة بالأوهام والخيالات، حتى صدق الشعب المسكين أنه منتصر، وهو مهزوم، وأنه يقوى، وهو يستضعف، وأنه يصح، وهو يستنزف، وأنه ينتشي ويسعد، وهو يحقن بالمخدر الذي يميت الحس، ويصيب الشعور بالتبلد، ويحول العقل إلى غريزة استسلام وتبعية من غير تفكير ولا منطق، عمر طويل قضاه الشعب المصري على مذبح الشعارات والأوهام والمخدرات حتى جهز للذبح، وأعد لهذا اليوم، وكان جزاره الملعون قاسيًا متوحشًا، لا يأبه بالشرعية حتى وجوده في موقع الحكم، كلماته زورها، وتاريخه زوره، وهويته العربية الإسلامية مزوره، كل شيء مزور، وقد كشف هذا التزوير كله قول الله -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (المجادلة: ١٤).
وقوله -تعالى-: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: ٢٢).
فهل تكفي مقاطعة هذا الجزار المزور المدعي؟، وهل يكفي مواساة الضحية وإعلانات الاستعداد للإنقاذ؟
إن الحقيقة تستصرخ كل مؤمن، وكل حاكم مسلم أن يستعد، ويعد قواته وأجهزة إعلامه على الخصوص للجهاد، فقد آن الأوان، ولم يعد هناك مبرر لتضييع الوقت والجهد والمال في غير هذا السبيل الذي فرض فرضًا على المسلمين لإنقاذ أنفسهم وأمتهم مما يحاك لهم بعد تحالف حاكم مسلم، ولو كان إسلامه شكليًا مع اليهود على حرب الإسلام فأخشى ما نخشاه أن تؤكد سياسة الاعتراف بالواقع وجودها، ويذهب الشعب المصري أيضًا ضحيتها.
- احذروا سياسة الاعتراف بالواقع:
سياسة الاعتراف بالواقع، والتسليم للأمر القائم نوع من أنواع المخدرات التي أثبتت فعاليتها في القديم والحديث، ولكنها لم تفعل فعلها المؤثر إلا مع المهزومين اليائسين، أو مع الجامدين الطاعمين للعادات والتقاليد بلا تذوق ولا إحساس، ولا تفكير ولا اختيار، وهذا ما لا يقره الإسلام، ولا يتفق مع دعوته التي حفزت العقل على الحركة والنمو والنشاط، وزرعت في القلوب نبت الأمل، والطموح، والإيمان بالانتصار حتى لو خلت الدنيا كلها من المؤيدين والأنصار، فهي لحظة يعقبها تغيير عكسي، لو صدقت النية، وخلص العمل لوجه الله، وبذل الوسع في سبيل الله.
قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٤٠).
وقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (آل عمران: ١٢٣).
وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧).
والمؤمن بفلسفة الواقع لا بد وأن يجد في خلاص مصر من الاستعمار الإنجليزي، وخلاص سوريا من الاستعمار الفرنسي، وغيرهما معجزة خارقة لقانون هذه الفلسفة، ولكن ما هو تفسيره لخلاص الجزائر بعد كفاح دام مائة وثلاثين عامًا، واستشهد في سبيله مليون ونصف مليون من الشهداء.
لقد كان الوضع بالنسبة لفرنسا مع الجزائر أكثر خطورة بالنسبة لوضع اليهود مع الدول العربية، مع اشتراك العدوين في هدف الاستيطان، وضم الأراضي وفي الوسائل كالقوة العسكرية المتفوقة، والحيل الاستعمارية المتنوعة، إلا أن خطورة الوضع بالنسبة لفرنسا مع الجزائر كانت أشد للأمور التالية:
- كانت فرنسا جارة حقيقية معترفًا بجوارها من جميع الدول حتى الجزائر.
- كانت فرنسا دولة متكاملة في قواعدها وحدودها وأسباب بقائها.
- كانت فرنسا تعتمد على نفسها في التسلح، وفي أسباب الحياة الأخرى.
- كانت الجزائر قد وصلت بالاحتلال الفرنسي وباستمراره مدة طويلة إلى مرحلة الذوبان، أو الاقتراب منه؛ حيث صار لسانها فرنسيًا، وثقافتها الغالبة فرنسية.
- كادت الحدود الجزائرية تضيع، حتى طبعت فرنسا خرائطها باعتبار الجزائر جزءًا منها.
- وصل الأمر إلى حد وجود بعض المواطنين الجزائريين المطالبين بالمساواة في الحقوق مع الفرنسيين خاصة السياسية منها؛ وذلك ليشاركوا في اختيار رئيس الدولة التي تشمل فرنسا والجزائر.
فلو استسلمت الجزائر للواقع لكان لدعاة هذه الفلسفة بعض الحق، فماذا يقولون الآن في هذا؟
بل ماذا يقولون في موقف لم يتجاوز عمره ثلاثين سنة حفلت بالخيانات، ولم يخسر فيها العرب جميعًا نصف مليون من الشهداء، ولا حتى ربع المليون في جهاد حقيقي متواصل، بل ذهب الشهداء ضحايا الخيانات المتواصلة، وعلى رأسها خيانة (1967م).
الحل والبديل:
ويبدو أن السؤال المطروح هو ما الحل، وما البديل؟ والإجابة في كلمات:
- ضرورة التخطيط لحرب متوقعة يعد لها اليهود.
- فتح الحدود للمجاهدين الأفراد والجماعات، وإعادة أسلوب حرب العصابات أو على الأقل السماح للفلسطينيين بالعمل من جميع الحدود العربية المواجهة للعدو.
- العناية الكاملة بحراسة الحدود والأجواء العربية، والتنبه لمباغتة العدو، فلا أسلوب له غير هذا.
- الاستمرار في عمليات الإنهاك المتواصل لجسد العدو المصطنع؛ حيث لا يملك هو مقومات الاستمرار.
- عدم الالتفات إلى شتائم الخونة أو بذاءاتهم، أو ما يتشدقون به وبشيء من التفصيل أقول:
إن الجماهير العربية لا تطلب من أحد أن يضحي بحكمه أو يضحى بنفسه، أو يضحي بجيشه، أو يضحي بأبنائه، ولكنها تلح في طلب إطلاق يدها لتروي ظمأها بالجهاد في سبيل الله، وطلب النصر، أو الشهادة.
وهذا يعني ضرورة أن يتخلى حكام الدول المواجهة لإسرائيل عن سياسة الأيدي المكتوفة، فيحرسون حدودهم من عدوهم، ويفتحونها للمتطوعين المؤمنين المجاهدين، وعندها ستوجد الأيدي العديدة القادرة على سحق غرور الجبناء، وعلى تفويت فرصة سياسة الاستسلام للواقع على الخونة، فقط علينا أن نعطيها فرصتها بإطلاقها من عقال سياسة الأيدي المكتوفة، وأن نلتفت لحماية أنفسنا وبلادنا من غدر الأعداء، ولا نلتفت مطلقًا للشتائم والاتهامات؛ فالشتام كالغانية، لا يغلبهما في الشتائم والاتهامات إلا أمثالهما، ولهذا كانت حكمة المثل الشعبي: "الغانية تدهيك، وتوديك، وتحول اللي فيها فيك"؛ يعني أنها تستعمل من الشتائم والاتهامات ما ينطبق على حقيقتها هي، وهذا ما يجعل العقلاء يكتشفون الغانيات من أسلوبهن، ويبتعدون عنهن فلا يجاروهن، ومثلهن أشباه الرجال من الشتامين، فإلى طريق الجهاد سيروا، ودعوا الكلاب تعوي؛ فهذا شأنها.
وصدق الشاعر: "لو أن كل كلب عوى القمته حجرًا.. لأصبح الطين مثقالًا بدينار".
فهل يستيقظ النائمون؟