; «أنفلونزا».. الصمت العربي | مجلة المجتمع

العنوان «أنفلونزا».. الصمت العربي

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006

مشاهدات 64

نشر في العدد 1685

نشر في الصفحة 17

السبت 21-يناير-2006

صمت.. يصمت.. صمتًا.. فهو صامت، أي أغلق فاه حتى لا تفلت منه أي زفرة هواء.. فالصامت أحيانًا يكون صمته على غير إرادته. ولذا عندما تحدث حوادث تسبب له انفعالات غاضبة تظل محبوسة ويتولد عنها بعض زفرات الغضب، وإذا لم يطبق شفتيه جيدا أقلت بعضها معبرًا عن ذلك الغضب... وهنا يمكن أن تحدث مشكلة!

وفي المعجم الوسيط الصامت، هو الساكت، وأصمت فلانًا، أي اعتقل لسانه فلم يتكلم. والمصمت أي الجامد لا جوف له كالحجر.

وهكذا أقلب في تصريفات مادة الصمت، وأتأمل معها حالة السكون العربي والإسلامي حيال ما يجري من أحداث تحرك الحجر بحق شعوب وقضايا عربية وإسلامية.. فأجد الحال أبلغ من المقال.. وهو حال تعبر عنه تصريفات ، الصمت ، أبلغ تعبير.

حالة الصمت العربي الراهنة لم تنشأ من فراغ وإنما تم تصنيعها بتخطيط محكم وتنفيذ ذي دراية بعلم الحركة والكلام وسيكولوجية المتكلم والمتحرك معا.. وقد استغرق تصنيعها وقتا يربو على ربع القرن وجهدًا لا يقل عن الجهد المبذول في معركة حربية.. وقد سبق تصنيع الصمت العربي.. تصنيع حالة الركود، أو السكون دون حراك. وأظن أنه يجري التحضير لتصنيع حالة جديدة من الحراك، لكن انطلاقًا من خندق العدو وتخديما على مشاريعه فقط تحت لافتات خادعة وقد بدت بوادر تلك الحالة تطل علينا بوجهها القبيح.

البداية كانت مع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني في ١٩٧٩/٣/٢ وما تلاها من اتفاقيات ثنائية مثل اتفاقية أوسلو بين السلطة الفلسطينية والكيان في ۱۹۹۳/۹/۱٣م بعد مفاوضات استمرت عامين فيما عرف بمؤتمر مدريد، ثم اتفاقية وادي عربة بين الأردن والكيان الصهيوني في ١٩٩٤/١٠/٢٥م.. وما تلاها بعد ذلك من انفراط العقد العربي على طريق الندامة، والأشواك.. طريق التطبيع مع الصهاينة أي الاعتراف به كوجود طبيعي لا ضجر منه والتسليم باحتلاله للأرض المسلوبة دون أدنى غضب، والسعي للاندماج والصداقة وتبادل العلاقات دون غضاضة.. كل ذلك تم ويتم تحت لافتة الحل السلمي للقضية.. ومنذ ٢٧ عامًا «١٩٧٩- ٢٠٠٦م» رفع هذا الشعار ومن تحته تم تعزيز إقامة العلاقات وتبادل السفراء وفتح المكاتب والقنصليات ولم يتم حل القضية لا سياسيًا ولا عسكريًا وإنما الذي تم اكتساب الصهاينة وجودًا متزايدًا في بلادنا واعترافًا تلو اعتراف.. والنتيجة الأخطر لتلك المرحلة كانت حالة من الركود والسكون، أصابت الموقف العربي من القضية الفلسطينية.. فلم تعد هناك حركة مشتركة أو مواقف مشتركة، إلا كلامًا - بالطبع . أو سكونًا أو ركودًا مشتركًا.. فكل سكن، وركد على طريقته ووفق مزاجه بعد تفكيك أوصال الموقف المشترك.

وبعد تفجيرات سبتمبر ٢٠٠١م تم تصنيع حالة الصمت... حتى أصبح الصمت العربي يقرع الآذان ويهز الكيان أكثر من غارات شارون ومجازره في فلسطين، وأكثر من عمليات سحق الشعب العراقي، وأكثر من دوي الحملة الإعلامية الضارية ضد الإسلام ورسوله والمسلمين في الغرب.

لقد صارت الحالة العربية.. تهرب من صمتها إلى صمت أكثر.. وانتشر الصمت أكثر من أنفلونزا الطيور.. لكن الصامتين لا يشعرون، وإن شعروا فهم يتلذذون بصمتهم، وكأن ما يجري لا يخصهم ولا هو في جوارهم أو عقر دارهم خوفًا أو فزعًا من مجهول غريب.. أو طمعًا في طول بقاء... هذا ما نعانيه اليوم.. وغدًا حالة أشد مرارة، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. ويأتي بالفرج!

الرابط المختصر :