; الشيطان يضحك! | مجلة المجتمع

العنوان الشيطان يضحك!

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 1996

نشر في الصفحة 66

الجمعة 06-أبريل-2012

بعنوان «تعديل جديد على قانون قديم » يقول نزار قباني في إحدى مقطوعاته النثرية التي تضمنها ديوان «قاموس العاشقين :» إن تلاقى رجل وامرأة في حجرة خرج الشيطان مهزوماً لكي تدخل أزهار الربيع ليس قانوناً قديماً هذا الذي يتوهمه الرجل أو يوهم به الآخرين، لكي يتولى تعديله!! ولكنه حديث شريف: «إذا اجتمع رجل وامرأة كان الشيطان ثالثهما .»
ولكن الشاعر يريد أن يمارس عملية التفاف الرجل من أجل تحقيق هدفه.. وهذه ليست أول ولا آخر مرة تمارس فيها محاولات التفاف مكشوفة كهذه!
والحديث الشريف يطرح دائماً حقائق قاطعة كالسكين، ليس هذا فحسب، ولكنه يضمّن معطياته كافة أوجه الحقيقة عندما
تكون الأخيرة مركبة، متعددة الأوجه والاحتمالات. فها هنا، بصدد انفراد رجل بامرأة، لا يمكن إلا أن يكون الشيطان حاضراً! والشيطان لا يمارس مهمته بصيغة واحدة متكررة، أو شكل لا يقبل تغيراً أو تبديلاً.. على العكس، إنه يملك من الأساليب المتغيرة، المتنوعة، المتجددة، ما يجعله أقدر على دخول قلوب بني آدم والعبث بها.
إن مسالكه إلى مكامن القلوب عديدة متشعبة، وهو يعرف جيداً كيف يتلوى، ويتخفى، ويغير المدخل في كل مرة، وينساب إلى الداخل من شعاب لم يكن قد اجتازها من قبل عندما يجد الموانع والمتاريس تقف في هذا الدرب أو ذاك، تصدّه عن المضيّ إلى هدفه.
إنه يطرق الأبواب أحياناً وبيده فعلاً باقة ورد، أو بطاقة تهنئة ملونة، ويطرقها حيناً آخر بمقطوعة موسيقية أو قصيدة شعر جميل، وقد يدخل مباشرة عندما يكون الطريق سهلاً، فلا أزهار، ولا موسيقى، ولا قصائد، ولا بطاقات!
ولكنه في كل الأحوال يبتغي شيئاً واحداً، هدفاً لا يحيد عنه أبداً، ويكافح من أجل بلوغه دون كلل أو ملل.. ذلك هو الإغواء!
تلك هي مهمته الأبدية، وكاذب دجال من يتصور أن الشيطان يمكن أن يتوخى لبني آدم سبل السعادة والمحبة والأمن والوفاق! إنه لا شيطان الشعر والإلهام، ولا شيطان الشهوات والآثام، بمبتغيين للإنسان ما ينفعه.
فمنذ لحظة التحدّي الأولى التي حدّد فيها إبليس موقفه تجاه المخلوق الجديد.. المخلوق الكريم الذي بعثه الله لكي يعمر الحياة، ويزين العالم، ويمارس مهمته العمرانية التي أنيطت به تكريماً وتقديراً، وحتى يوم الفصل، كانت مهمة الشيطان وستظل هي.. هي.. لا تتغير ولا تتبدل، على تغير الخطط وتبدل الأساليب: التضليل، ولا شيء غير التضليل. ثم.. ولنكن صرحاء ونتساءل عن طبيعة التجربة المتحققة على حيز الواقع عند كل لقاء يتم بين رجل وامرأة، رجل قادر وامرأة جميلة بطبيعة الحال!! وليس وفق صيغ اللقاءات الثنائية الأخرى التي لا تتوافر فيها شروط التأثير والتأثر، ولا
تتحقق الخلوة على الأقل في حدودها الدنيا من حيز الزمان والمكان.
و «نزار » يريد على وجه التأكيد هذا النوع من اللقاء، كما هو واضح من كلماته تلك، فأي تجربة متحققة ها هنا غير الميل الفطري الأبدي لدى الطرفين أحدهما تجاه الآخر، والذي قد يقود، إذا غابت ضوابط الالتزام الديني أو الأخلاقي أو الإنساني، إلى نهايته الطبيعية وهي السقوط؟!
من يصدّق أن الشيطان سيخرج مهزوماً؟ ومن يقول بأن أزهار الربيع لا تدخل لكي تنثر عطرها وتضمخ الأجواء؟ إن هذا لا يمنع ذاك أو يحجبه بل على العكس، فإن الشيطان هو الذي سيتولى مهمة إدخال الأزهار، ونثر العطور، لكي يجعل الأجواء أكثر إثارة وأقدر على تحقيق التأثر والتأثير.
إن الشيطان لا يعمل بدون ديكورات تغطي الجدران القبيحة للممارسة الخاطئة، ومساحيق تضع الأصباغ على الوجوه التي تجعّدت بفعل الخطيئة والنيات السوداء!
إن «الحب الأفلاطوني »، و «غراميات مجنون ليلى »، و «كثير عزة ،» و «روميو وجولييت ».. لهي استثناء من قاعدة أوسع بكثير وأكبر بكثير، والاستثناء كما هو معروف يؤكد القاعدة ولا ينفيها. والدليل ما يؤكده «نزار » نفسه عبر جلّ دواوينه من أن اللقاءات الثنائية بين الرجل والمرأة ما كانت تكتفي بالوقوف عند شواطئ اللحظات الشعرية الحالمة، بل إن الرجولة والأنوثة تسوق حتماً، حيثما توافرت الشروط، إلى الخطوة التالية. والخطوة التالية هي التي يريدها الشيطان، ويرسم لها، ويتحفز لتنفيذها، فأي هزيمة للشيطان هذه التي يتخيلها رجلٌ كان الشيطان يختبئ في جيبه عبر أربعين سنة أو تزيد.
إن المرء ليتخيّل الشيطان نفسه يستغرق في الضحك وهو يقرأ هذا المقطع، ولكنه ما يلبث أن يكف عن الضحك، ويحسّ بارتياح
عميق وهو يجد قدّامه حشوداً من الشعراء وغير الشعراء، يسعون للالتفاف على كلمات الرسل والأنبياء من أجل أن يضلّوا بني آدم!
وهو الهدف ذاته الذي نذر شاعرنا له نفسه في معظم دواوينه، أما البقية الباقية منها، وبخاصة بعض روائعه السياسية، فتستحق التقدير والإعجاب، بل أكثر من التقدير والإعجاب، إذا أردنا أن نكون منصفين

الرابط المختصر :