العنوان علامات بارزة في خطاب أمير البلاد افتتاح الفصل التشريعي الثامن
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 60
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
كان يوم ٢٠ أكتوبر يوم افتتاح الفصل التشريعي الثامن لمجلس الأمة الكويتي يوما جديدًا لفصل بين عهدين، وإنه من الخير لأي شعب أن يتوقف لينظر إلى موقعه ووضعه ويرتب بيته الداخلي، وإن تجربة المشاركة الشعبية التي يعيشها الشعب الكويتي كل أربع سنوات قد أتاحت له أن يمارس هذا التوقف لينظر إلى ذاته ويحاسب نوابه ويستقرأ رأي الشعب في حكومته، ويتبادل الحاكم والمحكوم مسؤولية التناصح والنظر إلى الأمور بعين الناقد الحريص.
ومن العلامات البارزة في هذا اليوم هو ما تلاه سمو أمير البلاد على السلطتين التنفيذية والتشريعية من توجيهات ومبادئ عمل، وكان من أبرزها: أولًا: التأكيد على الالتزام بأصول بناء المجتمع الكويتي وهي العقيدة الإسلامية واعتبارها الميراث الحضاري لبناء أي شعب مسلم، مع التأكيد على أن بناء المجتمع الكويتي العصري لا يتعارض مع الأخذ بالدين الإسلامي كأصل لهذا البناء، حيث قال: إن « العقائد والعبادات والأعراف والتقاليد والعادات مواريث حضارية وثقافية تمثل لدى كل شعب قوة دافعة وقوة صامدة، وعلامة على الذات إذا فقدت لم يبق إلا الهامشية أو التبعية، فلتكن قضية بناء الإنسان الكويتي القادر على الالتحام بعصرنا هذا على أسس من دينه وعروبته وتقاليده هي القضية المركزية التي تدور حولها انطلاقا منها وعودًا إليها قضايانا الأساسية الأخرى».
فقد شهدت دولة الكويت بعد التحرير انفتاحا متزايدًا للثقافات المختلفة، كردة فعل على الحالة اليائسة للموقف العربي من احتلال الكويت، حيث أصبحت مظاهر تلك الثقافات بارزة في الصحافة اليومية والمنتديات والحياة الاجتماعية وأصبحت للاتجاهات الليبرالية التحررية أصوات مسموعة، ونفذت تلك الأصوات لتحاول أن توجد لها مكانًا. في النسيج الاجتماعي الكويتي، مما أحدث تشابكًا وصراعًا بين تراث وأصالة الإسلام المتجذر في المجتمع الكويتي وبين الرياح الموسمية للثقافات الواردة، وقد نما جدل وحوار متأزم طيلة السنوات التي تلت التحرير مما تسبب في تجذير الخلافات الاجتماعية في المجتمع الكويتي، وتضع كلمات أمير البلاد علامات واضحة للاسترشاد والالتزام بتلك الأصول التي تؤكد على الرجوع للأصالة الإسلامية في بناء المجتمع الكويتي، علمًا بأن سمو أمير البلاد قد شكل لجنة استشارية لتهيئة الأجواء لاستكمال تطبيق الشريعة الإسلامية ما زالت تعمل على إيجاد قوانين إسلامية للبلاد.
ثانيًا: ومن أهم توجيهات أمير البلاد أنه وضع السلطتين التشريعية والتنفيذية أمام مسؤوليتهما تجاه معالجة رياح التغيير الاجتماعي، فيما يتعلق بالمظاهر التي خلفتها أجواء الاحتلال وما بعد التحرير من أجواء الانفتاح على الثقافات المختلفة من تأثير على الأسرة والشباب وفقدان قيم العلم والعمل وتحمل المسؤولية الاجتماعية، فقد أشار سموه إلى أن: قضايا الأسرة والطفولة والشباب والتربية والتعليم قضايا أساسية تمثل العمد الثابتة لبناء يعلو ويتسع، ومن ثم فهي قضايا تقبل الاجتهاد في الوسائل، ولا تقبل المزايدة على الأصول، طريق علاجها العلم والخبرة والأناة والتخطيط والتجريب مع الوضوح التام للغايات والأهداف. ففي السنوات الماضية اجتاحت المجتمع الكويتي مظاهر من التغيير الاجتماعي تهدد كيان الأسرة، خصوصا وأن العملية التعليمية قد جمدت عن تحقيق المطلوب، خصوصا وأن جدلًا واسعًا في السنوات الأربع غطى الحياة العامة في الصحافة والمنتديات الاجتماعية لمجلس الأمة حول تسييس عملية التعليم وما رافقها من انصراف جاد وعملي عن تحقيق أهداف التعليم المنشودة، وتأتي توجيهات أمير البلاد لتؤكد على أولوية التربية والتعليم كأساس لبناء الأسرة والكيان الفردي (الطفولة والشباب).
كما تلفت توجيهات أمير البلاد الأنظار إلى أهمية إحداث تغيير في نمط الحياة الاجتماعية في الأسرة الكويتية والمجتمع الكويتي، حيث أثرت الطفرة المالية والنمو الاقتصادي الهائل في أوائل الستينيات إلى أواخر عهد الثمانينيات في إيجاد أعراف وقيم المجتمع المرفه بعد عهد من مجتمع التحدي والتأسيس، الذي بناه الآباء والأجداد فأعراف المجتمع المرفه أوجدت نمطًا ونموذجًا من الأفراد يعتمدون على الدولة لا على الذات، وأصبحت قيم العلم والعمل ثانوية حيث الوظيفة مضمونة بحكم القانون والفرص متاحة لكل فرد، لقد أوجدت تلك الأعراف نموذجًا مرفهًا ومدللًا غير منتج، حيث غصت الوزارات بحشود الموظفين والكتبة، وأصبحت ظاهرة الخدم في المنزل أو العمالة الوافدة على مستوى القطاع الحكومي، وغابت الحماسة والطموح والعمل المنتج، خصوصًا في الإقبال على العمل الخاص، بل إن سياسة توزيع الدخل على الكويتيين أثرت تأثيرًا مباشرًا على النمط والعرف الاجتماعي في السلوك تجاه قيم العمل والعلم، مما أوجد إنفاقًا هائلًا غير مبرر على الكماليات دون الضروريات، وأوجد أنماطًا من نماذج الكبر والخيلاء والبهرجة والزينة والتفاخر، ولهذا كانت نداءات أمير البلاد في نطقه: « كيف نعيد للعمل قيمته المقدسة، ومكانه الأشرف والأكرم بين وسائل الكسب؟ كيف نغير النمط الترفي في المعيشة إلى نمط الاعتدال الذي يوفر على الإنسان كرامته ويحفظه من ذل الحاجة وغلبة الدين؟ كيف نعالج ظاهرة التسابق على زخرف الدنيا والتهالك على متع الحياة طلبا للتفاخر والخيلاء، مما يشعل الأحقاد والحسد في الصدور، ويلقي العداوة والبغضاء في النفوس وكيف ننمي الاتجاهات المرغوبة ونصل بها إلى اقصى ما نستطيع ونحاصر السلبيات علاجًا وردعًا إلى أبعد مدى؟».
ثالثًا: أكد سمو أمير البلاد على أهمية التزام كلتا السلطتين بمسؤوليتهما والتعرف على حدود كل منهما داعيًا كلتا السلطتين للتعاون والالتزام بحفظ القوانين التي اتفقتا عليها حفظًا للحقوق وضبطًا للنظام وحماية للأفراد والمجتمع، فقد أشار إلى: «أنه من الأهمية بمكان كبير أن تتضح الحدود بلا لبس ولا اشتباه بين السلطتين التشريعية والتنفيذية حتى لا يستمر ما يحدث الآن من تداخل بين السلطات وما يترتب على ذلك من التعدي والخلط والارتباك، مما يدعو إلى إيجاد صيغة تتفق عليها السلطتان لوضع الحدود الفاصلة بينهما ضمانًا لسلاسة الحركة ومجال الحوار، ووصولًا إلى النتائج المطلوبة في جو من الصفاء والهدوء والموضوعية»، وأضاف سموه قائلا: «إن رقي المجتمعات يقاس بمقدار التزامها بالقوانين التزاما أخلاقيا. وقد جاءت القوانين التي صدرت بموافقة السلطتين التشريعية والتنفيذية.. وأبشع مخالفات القوانين وما يرتكبه مشرعوها ومنفذوها.
ففي خلال السنوات الأربع الماضية تبادلت السلطتان التشريعية والتنفيذية الخلاف فيما بينهما، وبالرغم من تشكيل لجنة وزارية ثلاثية للتنسيق مع مجلس الأمة في الفصل التشريعي السابق، إلا أن هناك خلافًا حادًا تطور حول قضايا تتعلق بقانون محاكمة الوزراء، وقوانين الرقابة على المال العام، وتفسير قانون المطبوعات وكان من أثره إيقاف جريدة «الأنباء» الكويتية وقد هدد التعاون بين السلطتين أكثر من مرة، وتمت استقالة الوزارة عام ١٩٩٤م، وأعيد تشكيلها لإحداث انسجام بين السلطتين حيث هددت تجربة النواب الوزراء بالفشل، وقد أحيلت بعض الخلافات بين السلطتين إلى المحكمة الدستورية للبت فيها، مما أوجد جدلًا سياسيا وإعلاميا واسعا في المجتمع الكويتي أثر على أولويات عمل السلطتين، لهذا كانت كلمات سمو أمير البلاد إضاءات ذات أهمية للانتباه إلى إيجاد نمط جديد من التفاهم بين السلطتين، بالإضافة إلى أهمية أن يحترم النواب والوزراء عدم اختراق القوانين، خصوصًا وأنه حدث تجاوز من كلتا السلطتين.
رابعًا: يتميز المجتمع الكويتي بالحريات الواسعة فيه، خصوصًا حريات التعبير الفكري والثقافي والسياسي، وقد وجهت الصحافة اليومية والدواوين نقدًا لاذعًا لأداء السلطتين في السنوات الأربع، مما أوجد اتجاها إلى الخروج على الأعراف التقليدية لأدب الحوار والنقد وكان هذا التفلت في النقد مدعاة إلى حدوث انقسامات في الرأي العام أوجد استقطابا حادًا للاتجاهات المختلفة وذلك ناتج من النقد المتبادل بين السلطتين في بعض المواطن والمواقف.
وقد أشار سموه إلى أن النقد أول طريق الإصلاح شريطة أن يكون نقدًا لا اتهاما، وإنارة لا إثارة، وإضاءة لا فضحًا، وعلاجًا لا تجريحًا، وأهم أخلاقيات النقد ألا يكون ستارًا يتخفى وراءه صاحبه ليشغل الآخرين عن عيب نفسه أو ليهيج الفتن أو ليلفت وجوه الناس إليه، وأهم أركان النقد أن يبرز المحاسن كما يبرز المساوئ سواء بسواء، حتى تعم المحاسن وتزداد وتتلاشى المساوئ أو تكاد، كما أكد سموه على أن «الديمقراطية اخذ بنظام الشورى التي تعتمد على ضمانات الحرية في حوار المشكلات، ولم يقل أحد قط: إن ضمانات حرية الحوار تعني العدوان على قيمنا الأخلاقية وأعرافنا الكويتية»، وقد لفت سمو أمير البلاد إلى أن هناك من يستغل الحوار والحرية التامة في الكويت للخروج عن قيمنا الأخلاقية وأعراقنا الكويتية، في الوقت نفسه الذي أشار فيه أمير البلاد إلى أن الديمقراطية في الكويت ملتزمة بنظام الشورى المتعارف عليه في مجتمعنا الكويتي المبني على الأخلاق الإسلامية.
كما أكد بصورة خاصة على أهمية الحفاظ على خصوصيات الكويت وأمنها بعدم كشف الأسرار، وهتك الأستار، حيث تناولت بعض الصحف قضايا خاصة أمنية بالنشر، خصوصا بعض ما يطرح في الجلسات السرية للمجلس إبان السنوات الأربع الماضية. خامسًا: وقطع سمو الأمير الجدل الدائر والذي تبنته بعض الشخصيات والتيارات السياسية من فصل رئاسة مجلس الوزراء عن ولاية العهد حيث قال: أود أن أتطرق لموضوع يثار بين حين وآخر وهو فصل رئاسة مجلس الوزراء عن ولاية العهد، وكلنا نعلم أن هذا الموضوع حق للأمير وحده بنص الدستور ومن صلب سلطاته الدستورية وهو صاحب الحق فيما يراه صالحا في هذا الشأن ففي انتخابات عام ۱۹۹۲م طرحت مجموعة من الشخصيات والقوى السياسية قضية فصل رئاسة مجلس الوزراء عن ولاية العهد أملًا منها في إيجاد حكومة شعبية ومحاولة لتطوير النظام السياسي في الكويت وتعدد الآراء في هذه القضية، ولكن من الملاحظ أن القوى السياسية لم تطرح برنامجًا محددًا لهذه القضية في حملتها الانتخابية عام ١٩٩٦م سوى إحدى القوى السياسية والتي أثارت هذه القضية، وبهذا فإن الجدل الدائر حول هذه القضية سيكون خافتًا، في المستقبل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل