; المجتمع الثقافي: المجتمع (1287) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1287)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1287

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 10-فبراير-1998

المثقف العربي والمتغيرات

تأليف: د. علي عقلة عرسان.

إن حركية الحياة وديناميكيتها لا يناسبها جمود الفكر، كما لا يتواءم معها التلون الذي لا يبدي للأمة هوية خاصة أو شخصية مميزة - وإنما تحتاج هذه «الحركية» إلى تجدد في إطار الثوابت العامة من عقيدة وأخلاق ومفاهيم وأفكار.... وعالمنا الذي نحياه الآن أسرع ما يكون حركة وأشد ما يكون تغيرًا من لحظة إلى أخرى، ولذا يحمل المفكر العربي والمسلم عامة همًا ثقيلًا عن امته حينما يتحدث بلسانها الفكري غير جامد في حدود الماضي، وغير متفلت أيضًا من الحدود العامة التي يوجب الإسلام على المفكر أن يرعاها .

يتضمن هذا الكتاب عدة مقالات تتناول موضوعات عدة، إلا أن لها قاسمًا مشتركًا واحدًا، وهو المثقف عمومًا والمثقف العربي خصوصًا ودوره في العالم الجديد المليء بالمتغيرات.

المثقف.... من هو ؟

في هذا الكتاب يُعرف المؤلف الثقافة بأنها: مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الخاصة التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة بعينها، وأنها تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات، وهذا يعني أن قطاع المثقفين يشمل كل من له الإسهام في الجهد الثقافي بمعناه الواسع، وأولئك الذين يؤثرون في هذا المجال ويحملون خصائصه.

ويوصي بضرورة أن يكون المثقف في تواصل مع المعرفة ونموها وتطورها وضرورة عدم انفصاله عن أحداث العالم، وسلمه وحربه، فالمثقف هو صانع الأيديولوجية، ومسخر السواعد والعقول معًا لخدمتها، وهو حامل الشعارات ومصنع الزعامات. 

ويوصي بضرورة أن يكون المثقف في تواصل مع المعرفة ونموها وتطورها وضرورة عدم انفصاله عن أحداث العالم، وسلمه وحربه، فالمثقف هو صانع الأيديولوجية، ومسخر السواعد والعقول معاً لخدمتها، وهو حامل الشعارات ومصنع الزعامات ويؤكد المؤلف أن فعالية المثقفين في ساحة القرار السياسي الذي يحكم العالم ويتحكم به محدودة، ما لم تتغير أساليب تعاونهم وتواصلهم وما لم يتخلصوا من التبعية السياسية والخلافية التعصبية، وما لم يتحقق تفاعل في إطار الحوار الحي بين فئات رائدة منهم، يكون لهم من بعده وحدة في الرأي وقدرة على الانتشار يسهم في تكوينهما إعلام مستقل حريص على الحقيقة وبعيد عن التوظيف والتسخير.

الاختراق:

ويتحدث المؤلف أيضًا عن الثقافة العربية ويذكر أنها هي المنطلق للعمل العربي البناء، إلا أنها ساحة مخترقة بدعاة التطبيع مع العدو الصهيوني، كما أنها مخترقة بالذين يعيشون في حالة من تبعية الثقافة للسياسة، كما أن حالات التمزق والتشرذم والتبعية للخلافات السياسية العربية من قبل شرائح عديدة من المثقفين - قد سرقت الأرض المشتركة التي ينغرس فيها المثقفون ويناضلون ويصنعون منها التاريخ لأمتهم، وبدا مناخ الإبداع والحرية والعمل العربي المشترك في المجال الثقافي ممهدًا، وبعد أن كنا نؤمن بأن أرضنا المشتركة هي الثقافة العربية، وبأن حدود وطننا هي حدود انتشار اللغة العربية وليست حدوداً جغرافية، أصبحنا نعمل في ظل قطرية ضيقة تعترض أشكال التضامن والتعاون بين العرب حتى تصبح الوحدة العربية هي المستحيل الرابع «الغول والعنقاء والخل الوفي والوحدة العربية»!

وفي هذا الكتاب يرفض المؤلف أي شكل من أشكال الاعتراف "بإسرائيل"، ويرفض أي شكل من أشكال التطبيع معها، ويدعو إلى إعادة ترتيب البيت الثقافي العربي وإعادة التماسك والقوة إليه وإقامة جبهة مواجهة ثقافية عربية، وذلك بالاتفاق على الحد الأدنى الذي يقيم الجبهة، بالتمسك بثوابت أخلاقية مثالية نناضل من أجلها، وأهم هذه الثوابت أن الصراع العربي الصهيوني صراع وجود مع وجود، ولم يكن أبدأ صراعًا على حدود بين العرب والكيان الصهيوني، وأن مجرد الاعتراف بحق "إسرائيل" في الوجود والعيش في أمان في حدود دولة مستقرة على أرض عربية هو سحق للكثير من القيم العادلة، ولهذا فإن الثقافة مدعوة للتصدي لهذه القضية، ولا نستطيع ذلك دون إعادة ترتيب البيت الثقافي العربي حتى نستطيع أن نتماسك في وحدة ورؤية وجبهة واحدة.

 كما يتحدث المؤلف في هذا الكتاب عن الفكر القومي العربي، وأنه مطالب بمراجعة شاملة للمسيرة الماضية، مراجعة المصطلحات والثوابت ودراسة أعمق وأشمل للواقع العربي، وتجديد الالتزام بالقضايا والأهداف القومية، وفتح حوار مع الآخرين على أرضية الاحترام لحق الآخر في الاختلاف.

كما يدعو إلى عمل عربي مشترك لمواجهة واقع ما بعد حرب الخليج والتصدي للعدوان "الإسرائيلي"، ولا بد لذلك من الوضوح التام في تحديد الأهداف والوسائل والأدوات والمسؤوليات ووضوح البرامج التنفيذية في إطار استراتيجية ومبادئ أخلاقية ثابتة لمواجهة كل مراحل العمل المقبل، والانطلاق من روح الشراكة في المسؤولية وصنع القرار وتنفيذه وتحمل النتائج والتبعات المترتبة على ذلك.

ويرى المؤلف أننا بحاجة إلى سياسة عربية تبقي شيئًا من التماسك القومي والروحي والأخلاقي في الوجود العربي، كما يعرض للتحديات الراهنة المطروحة على الأمة العربية والإسلامية، هذه التحديات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهناك تحدي الغرب وأمريكا وتحدي الكيان الصهيوني.

إن هناك دعوة في الشارع الثقافي العربي إلى ثقافة تقاوم تطبيع العلاقات مع العدو، وهي دعوة لنشوء مقاومة تضع حدًا للانهزام في الروح المعنوية العربية، وفي العلاقات العربية - العربية على كل المستويات، كما أن حسم الصراع الصالح العرب لا يتحقق إلا بتحقيق نقلة حضارية نوعية توفر وعيًا معرفيًا وعلميًا، ونقلة نوعية في السلوك والممارسة، وامتلاكًا للتكنولوجيا المتطورة واستعدادًا شاملًا لدى كثرة من الناس لخوض الصراع بثقة وإيمان ثابتين بالحق، وبإمكانية تحقيق النصر.

التأثير المحتمل:

ويتساءل المؤلف: هل نستطيع أن تؤثر في مسار هذا العالم بالكلمة؟ وهل يستطيع المثقفون على أي مستوى ممارسة أي دور يخفف من البؤس والظلم؟ وهل المثقفون من البراءة والإخلاص والبعد عن المصلحة إلى الحد الذي لا يجعلهم أحيانًا شركاء في بعض المآسي البشرية أو في جلها.

ويذكر أن هناك اتجاهًا سائدًا بأن المثقف يمثل ضمير المجتمع، ويقع عليه ما يقع على الضمير من عب ومسؤولية في كيان الفرد، فهو بهذه الصفة ينبغي أن يمثل الضمير الجمعي، ويعبر عنه ويحمل أرقه وقلقه، ويكثف درجة الحساسية الاجتماعية في تعبيره عنه، ولهذا يتساءل المؤلف: هل يستطيع المثقفون تأكيد تأثيرهم في ساحة القرار السياسي، بحيث يساعدون في تخفيف البؤس البشري والظلم اللذين يقعان على الآخرين - خاصة دول العالم النامي؟ وهل لهم دور فعلي في رسم صورة عالم الغد وملامحه؟

ويؤكد أن العالم الذي نعيشه الآن عالم مختل الميزان لصالح الظلم، ويكثر فيه الجوع والفقر والتخلف، وأصحاب الرأي النافذ في القرار السياسي الكبير هم الذين يملكون في عالم اليوم أكثر مما يملك سواهم من مقومات اقتصادية وعسكرية وتقنية ومالية وإعلامية، تجعلهم سادة صنع القرار، وقد يدخل مثقفون في ظلال رجال أعمال وعسكريين وسياسيين إلى ساحة القرار تلك، ولكنهم يلعبون في الأغلب دور المترجم عنها والخادم لها والمروج لمقولاتها، أكثر مما يلعبون دور صاحب الضمير اليقظ الذي يمثل مصالح المحرومين والفقراء.

إن من النواقص ألا يشكل المثقفون جبهة واحدة وراء الحقيقة والعدالة، وليس ذلك لأنهم لا يريدون أو لا يحبون الحقيقة، بل لأن الحقيقة حقائق، وقد تكون متناقضة ومتضاربة ومتشعبة تصل إلى حد من يقول لكل حقيقته، والمثقف يتعامل مع الحقائق حسبما تقدم له أحيانًا، وقد ينصرف عن الحق بسبب ما قدم له من معطيات مخالفة للحقيقة، إن فاعلية المثقفين في ساحة القرار السياسي محدودة في التأثير على المستقبل ما لم تتغير أساليب تعاونهم وتواصلهم، وما لم يتخلصوا من التبعية السياسية من خلال تفاعل فيإطار حوار حي بين فئات رائدة منهم، يكون لهم من بعده وحدة في الصف والرأي.

المثقف في السلطة:

إن المثقف المتعالي على المصالح والنزعات الفردية وعلى الانتماء الوطني والقومي والإقليمي والعرقي، وحتى الطائفي، والذي يمسك ميزان القيم بموضوعية ووعي، ويتعامل من خلاله مع البشر بعيدًا عن التعصب، إن هذا المثقف بتلك المواصفات غير موجود إلا في الخيال، أما على أرض الواقع فالأمر مختلف، والمثقف ذو الموقع في سلطة يجد نفسه محكومًا بموقف السلطة وبما يمليه عليه كونه مسؤولاً فيها، فهي تلقى على وجدانه وعقله ومنطقه ظلالها. فتأتي رؤيته وأحكامه مشوبة بتأثيراتها أو محكومة بمعطياتها، وتجده أحيانًا أسير الموقع لا أسير المعرفة التي أهلته ليكون ذا موقع في مجتمعه.

ويتساءل المؤلف: هل وصول المثقف إلى السلطة ضمانة من أي نوع الممارسة إنسانية عادلة؟ ويجيب: إن المثقف كإنسان ذو قدرات معينة ووضع في موقع السلطة وحوصر باحتياجات الناس والوطن، بما تمليه المعطيات المحيطة به والتحديات المفروضة عليه، فإنه لا يلبث شيئًا فشيئًا أن يتحول عن مثالياته ومعاييره ومقومات رؤيته إلى شيء أقرب إلى الواقع ومنطق المسؤولية، هذا على افتراض أنه لن يكون ضحية لإغراء السلطة ولا نموذجًا لمن يسخر السلطة لخدمة مصالحه الخاصة.

ويؤكد المؤلف أنه إذا كان المثقف قد وصل إلى موقع السلطة بكفاءته الكلامية فقط، فإنه يعطي للثقافة صورة مشوهة ويكون قد ادعى الثقافة واستخدم سلاحها للوصول للسلطة، وهو بهذا يكون مثقفًا لا تحكم معرفته قيم ولا يتحكم بها ضمير أو إيمان، وهذا النموذج من المثقفين حين يصل إلى السلطة فإن ممارساته في ذلك الموقع ستكون وبالًا على الموقع وعلى الناس وعلى الثقافة.

المثقفون والثوابت الأصلية:

إن ساحتنا الثقافية هي معتصمنا ومنطلقنا للعمل البناء، ويرى المؤلف أننا بحاجة لتأمل أوضاعنا وتفحص أوجاعنا وتلمس الدواء الشافي لها، ولهذا نحن بحاجة إلى تلمس الحد الأدنى المشترك من الثوابت المبدئية والأخلاقية فيما بيننا حتى نتمكن من إدراك عمق المأساة التي يعيش فيها العرب والوعي بكيفية الخروج منها والتصدي لعواملها، لا سيما بعد أن أصبحنا على أبواب الاعتراف بالعدو الصهيوني الذي يسرق أرضنا ويقتل شعبنا ويغتصب حقوقنا، ويريد أن يكون سيد منطقتنا وموجه إرادتنا.

المثقف العربي والتحديات الراهنة:

في هذا المقال يذكر المؤلف أن هناك عدة تحديات مطروحة على الأمة العربية أهمها الانتقال إلى عصر الفضاء والذرة في العالم، والعرب يبدأون في التفكير في الانتقال من عصر الحضارة الزراعية إلى عصر الصناعات الكبرى، كذلك فإن هناك تحديات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية يطرحها الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني المتحالفان والذي تجلى في تفتيت الأمة والقضاء على كل أشكال التضامن والتنسيق بين أقطارها، وفرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة وتعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي في الوطن العربي، مما يزيد من ضعف الإنتاج الأساسي .

ويؤكد المؤلف أن دعامة التغيير الجذري في هذه المجالات هو التربية والمناهج والجامعات والبحوث العلمية، وأن جوهر الإبداع هو اتساع مساحة الحرية والعدل والحقيقة، ولذلك فإن قضية الممارسة الديمقراطية واحترام الحقوق والحريات هو مما يطلب من المثقف والثقافة رعايته، كذلك أهمية مقاومة الاعتراف بالعدو الصهيوني، وأشكال التطبيع معه.

ويتساءل هل يمكن أن يشكل المثقفون العرب قوة معرفية وجدانية تملك المصداقية والجرأة وتتصدى للضخ المعلوماتي المشوه الموجه للإنسان العربي وهل يمكنهم بلورة ملامح الهوية العربية الإسلامية عن الهويات الأخرى، هذا هو التحدي الأكبر..

تأليف : د. علي عقلة عرسان

رئيس اتحاد الكتاب العرب - دمشق

عرض: مركز الإعلام العربي - القاهرة

  • المجتمع الثقافي .

الشيخ محمد قطب:

لماذا تقدم الآخرون بلا قرآن ... وتـخلفت أمتنا وبينها القرآن الكريم؟

الدوحة: د. حسن علي دبا.

ما الحضارة؟ وهل هي مجرد العمارة المادية للكون؟ وما ملامح الواقع الحضاري المعاصر؟ ولماذا تخلفت هذه الأمة والقرآن الكريم بين أيديها لم يتغير فقد تكفل الله بحفظه؟ ولماذا تقدمت أمم أخرى بلا قرآن ما السنن الإلهية التي تحكم ذلك التقدم، ثم ما المطلوب من أمتنا حتى نعيدها إلى التمكين في الأرض؟ 

هذه هي الأسئلة التي كونت إجاباتها محاضرة الداعية الإسلامي الشيخ محمد قطب، والتي نظمتها اللجنة العليا لمشروع الوقف على القرآن الكريم التي ترأسها سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية القطري وامتلأت بحشد كبير من الجمهور.

قال الشيخ محمد قطب متسائلاً:

هل الحضارة هي العمارة المادية؟ وأجاب: إن الحضارة المعاصرة هي حضارة جاهلية "جاهلية القرن العشرين حيث للشيخ قطب كتاب مشهور بهذا العنوان" وقال إنني أتحمل مسؤولية هذه التسمية بمفردي واستمدها من الاصطلاح القرآني الجاهلية مقابل الإيمان بالله والمعرفة الحقة به... وأوضح أن الجاهلية من جهل يجهل جاهلون وهي صيغة الفاعلية وتجدها في كتاب الله في موضعين جهل تحقيق الألوهية، والجهل في إخلاص العبادة لله. 

وأضاف: هذه الجاهلية المعاصرة ظلت تضخم الجانب المادي للحياة وتصغر الجانب الروحي، ومن ثم زحزحة الدين من الوسط، حتى ذهب إلى الطرف الذي يسقط معه!

ما الحضارة؟:

وتساءل: ما الحضارة؟ وأجاب بسؤال: هل هي مجرد العمارة المادية للكون وهل هي نوع واحد أم أنواع؟ ولكنه أوضح بعد ذلك أن العمارة المادية مطلوبة ولا غنى عنها 

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا﴾ (هود: 61) وقد أمد الله الإنسان بأدوات تساعده على هذه العمارة ....

قال: لكن لننظر فيما استخدمت الجاهلية المعاصرة ذلك؟ هل تفاعل الإنسان مع ما سخره الله له من طاقات السماوات والأرض؟ وأجاب: إن أدوات الإنسان هي الحواس السمع والأبصار والأفئدة وقد اشتغلت الجاهلية المعاصرة بالسمع والأبصار الحواس، بينما نبذت الجانب الروحي، فبنت العمارة والتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل وبنت المدن وكذلك أدوات الدمار الشامل وملكتها، فحضارة القرن العشرين هي جاهلية القرن العشرين.

وتساءل: هل المفهوم الإسلامي يتفق مع المفهوم الجاهلي الذي تمارسه الجاهلية المعاصرة؟ وأجاب: اللهم لا ... وفصل: نحن نشترك كمسلمين مع الجاهلية المعاصرة في العمارة اللازمة نتعامل معها، لكننا نفترق عند المبادئ المنبوذة وهي الدين الذي أبعدوه وقالوا برفاهية الحياة كلها كأنهم يتحدون الله....

وبدأ يعدد مظاهر الظلم في هذه الحضارة فقال:

أي ظلم في مجلس يمتلك فيه (٥) وحوش بشرية الرأي، وتأكل القوى العظمى القوى الضعيفة أكلًا، وتذلها وتكرهها على بيع منتجاتها بأرخص الأثمان.... وأي ظلم أكبر من أن يأتي شذاذ الآفاق بمباركة العالم كله ليخرجوا شعبًا من أرضه وينتهكوا العرض والمال بل قمة المقدسات... إنها حضارة الجاهلية التي نختلف معها ونتفق مع العمارة المادية على منهج مخالف للجاهلية المعاصرة، ومرجعنا هو كتاب الله: ﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ﴾(البقرة: 38) فنحن مطالبون بعمارة الأرض، ولذلك منهجان الطريق الجاهلي والطريق الإسلامي ونحن مكلفون بهذه العمارة، لكن على المنهج الرباني... فنعمر الأرض بمنهج ملتزم بالقيم الإسلامية بالأدوات التي منحها الله لنا لنسير عليه .…

الحضارة الإسلامية:

ما الحضارة الإسلامية؟ هي الحضارة المستمدة من كتاب الله ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ وقد ترجم الرسول القرآن واقعًا محسوسًا، وربي الصحابة ليكونوا قرآنًا يتحرك، فالحضارة خرجت من هذا الكتاب والأمة خير أمة خرجت منه أيضًا، لكن الحضارة التي مرت على البشرية كانت أنواعًا شتى فهي إما روحية أو مادية، والروحية مثل: البونية والهندوكية مع إهمال المادة ... والحضارة الأخرى تهتم بالمادة فقط.

الحضارة الإسلامية هي الوحيدة التي جمعت الأمرين معًا جمعت الإنسان كله مع قيمه ومبادئه والإنجاز المادي.

وتساءل: من أين برزت هذه الحضارة؟ وأجاب: من الكتاب كله، لكن هناك كشافات نهتدي بها إلى الينابيع﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ (الملك: 15)

النشور امتياز حضاري:

وقد جعل المحاضر النشور قضية فاصلة حين قال إن حضارات أخرى قالت «امشوا» لكن الحضارة الإسلامية هي التي قالت «امشوا»..... وإليه «النشور»، إشارة إلى أن اليوم الآخر يجب أن يكون في عقولكم ولا تغفلوا عنه.... واستشهد في ذلك بما انعكس في عمارة المدينة الإسلامية إذ كان المسجد الجامع هو مركز المدينة، وتساءل ما مركز المدينة المعاصر؟ إنه السوق والملاهي! وهذا هو الفارق الحاسم بين التصور الإسلامي للحضارة والتصور الغربي.

واستشهد مرة أخرى بالبيت الإسلامي بين صورته التي كان عليها وصورته الحديثة، إذ كان يستقبل الرجال بينما أهل البيت في محرم لا يراهم أحد يعيشون في فراغ يتسع لنشاطهم، أما البيت الحديث الذي صنعته الحضارة المعاصرة فهو مكشوف خاصة غرفة النوم ... وقال:

إن الحضارة الإسلامية ليست شعارات، بل صورة واقعية عاشها المسلمون ربحًا من الزمن غير قليل من خلال تصورات وعلوم وامتد ظلها ليشمل البشرية.

ودلل على ذلك برحيل اليهود من الأندلس مع رحيل المسلمين لعدم أمانهم في أوروبا، واعتبر بقاء النصارى حتى اليوم دليلاً على السماح الذي ملأ المجتمع....

في الوقت الذي يعاني الأقليات المسلمون الآن حين يكون اليهود والنصارى مسيطرين «الصرب في البوسنة والهرسك، واليهود في فلسطين» فالحضارة الإسلامية هي المفتوحة لمن أراد أن يستظل بها .

التمييز العنصري:

ثم انتقل الشيخ محمد قطب للحضارة المعاصرة ومظاهرها، فقال: إنك اليوم تدخلها لتتعلم لكن في حدود، فهي للبيض فقط، وحين يتفوق مسلم في الذرة فهو ما بين احتواء الدولة المعلمة له أو يكون مصيره القتل، بينما الحضارة الإسلامية لا تمنع أحدًا من الناس أن يتقدم وتفردت بذلك في التاريخ كله ...

فعلى الرغم من حقوق الإنسان في الحضارة المعاصرة فإن التطبيق الواقعي هو الذي يشعرنا بالتمييز العنصري خاصة مع الإسلام..... بينما الحضارة الإسلامية أول ما جعلت التعليم مجانيًا، بل يحبس له أموال المسلمين وقفًا، من أهل الخير، وهي أول حضارة عرفت العلاج المجاني.

وقال: على الرغم من إقرارنا بما وصلت إليه الحضارة المعاصرة، فإنها لا تصل إلى ما يثبته في نفوس المسلمين.

 نقول ونحن متأكدون انبثقت هذه الحضارة من هذا الكتاب، فهو الذي وضع تلك الحضارة والمنهج الذي عاش به المسلمون وأنشأوا به الحضارة.

أين الدواء؟

ثم طرح المحاضر تساؤله المهم:

ما بال الأمة وكتابها بين أيديها تخلت عن دورها، وتقدمت الأمة التي لا كتاب عندها؟ وأجاب: الدواء في هذا الكتاب ﴿هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ﴾ (فصلت: 44)

وحين ننظر في واقع الأمة الإسلامية المعاصر، قال: إن موقفها منه هو أنه تراث تجرى فيه أبحاث!! لكن لا يطبق منه .... وأسند ذلك للفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من الإيمان ويكتفي بالتصديق بالإيمان فقط.

وقال الشيخ قطب:

ليس المرض الحقيقي هو التخلف الحضاري، بل التخلف العقدي، لقد تخلفنا بناء على هذا التخلف العقدي، ماديًا وعسكريًا وأخلاقيًا.

ثم طرح تساؤله الآخر ما مصداق قولنا لابد للحضارة من قيم وهؤلاء متقدمون ولا قيم لهم؟ وأجاب ببيان للسنن الربانية: فسنة التعامل مع هؤلاء هي ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ﴾ (الأنعام:44) أليس هذا هو واقع الغرب؟

ثم ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾ ( الأنعام: 44-45)

ومثل على ذلك بانهيار الاتحاد السوفييتي، وأكد انهيار الشق الآخر من الجاهلية ما لم يستقم لأن ذلك سنة الله التي لا تحيد ولو استمر الأمر قرونًا، وقال: بطول السنن أطول من أعمارنا فالتاريخ مجرى السنن.... ودلل على صدق ذلك بالمعيشة الضنك في عصر الوفرة من خلال مظاهر الأمراض والخمر والمخدرات.

وقبل أن يختتم الشيخ محمد قطب محاضرته عرض لتجربتنا في اتباع المنهج الأوروبي وتركيز المستعمر على إسطنبول عاصمة الخلافة السياسية والعسكرية والقاهرة مقر الأزهر الثقافية، فسهل هدمهما فيسهل هدم الإسلام.

وأشار إلى نذيرين: «بدأ الإسلام غريبًا»، «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم».

وقال بتحقق النذيرين: حين بعدنا عن كتاب الله وذكر أن الصحوة الإسلامية صفحة جديدة وهي قدر الله الغالب وقد بدأت بقيام رجل يحاول إرجاع الخلافة بعد سقوطها.

وتوقع خيرًا من عودة الأمة إلى كتابها والتمسك به مستبشرًا بحديث الرسول: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود..»)  أخرجه البخاري (2926)، ومسلم (2922)، وأحمد (10857) واللفظ له(.

شيخ الأزهر يعيد نشر كتاب قديم له حول «بني إسرائيل»

القاهرة: قدس برس:

 صدرت في العاصمة المصرية القاهرة عن دار الشروق طبعة جديدة من كتاب قديم لشيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي يتناول بالحديث بني إسرائيل «اليهود»، من وجهة النظر الإسلامية، وقد أعاد الدكتور كتابة مقدمة الكتاب الذي يحمل اسم بنو إسرائيل في القرآن والسنة، وهو في الأصل الرسالة التي نال عليها درجة الدكتوراه.

وتقول المقدمة الجديدة للكتاب أنه يهدف لعرض الجانب الديني عن اليهود وفلسطين من واقع ما أورده كتاب الله تعالى، وسنة رسوله الكريم وأن هذا الكتاب يكشف للشباب المسلم بصفة خاصة والعقلاء والمنصفين عمومًا عن أحوال بني إسرائيل وتاريخهم وأخلاقهم وأكاذيبهم، وذلك في لغة علمية رصينة بعيدة عن أساليب الوعظ والمزايدة. 

إصدارات مختارة

نحو صحوة إسلامية في مستوي العصر

الصحوة الإسلامية حالة صحية واعدة بمعنى أنها في الاتجاه الصحيح وتبشر بمستقبل راشد وإن كانت لاتزال بحاجة إلى المزيد من الإعداد والجهد المتواصل للقضاء نهائياً على حالة الغفلة التي سادت الأمة الإسلامية عقودًا من الزمن... في هذا الإطار وأمام تسارع المتغيرات وتراكم الوسائل والخبرات والإمكانات لدى القوى المعادية ، لا بد من صحوة إسلامية تكون في مستوى العصر من حيث علومه وآلياته المتطورة، كما يدل على ذلك عنوان الكتاب الذي نعرف به اليوم.

هذا الكتاب يحاول أن يتلمس مواضع وجوانب إشكالية التخلف الكبرى التي يعيشها المسلمون، كمقدمة لاقتراح الحلول المناسبة والعلاج الشافي لمختلف القروح والأدواء، فهو يبدأ بإشكالية غيبة المرجعية الإسلامية العالمية وينتهي بالعواصم الشرعية من القواصم التنظيمية، معرجًا في طريقه على فقه التنمية وفقه التسخير، وفقه الأولويات، وفتن مقاربة الحكام أو محاربتهم، ويتوقف مليًا عند سنة التدافع ومن ثم التمكن ولا ينسى الحديث عن فقه الشورى ودور المرأة وإشكالية مراكز القوى والصراع بين الأجيال كل ذلك بأسلوب الكاتب الذي اشتهر به وهو السهولة والإمتاع.

المؤلف: د. فتحي يكن - الناشر: مؤسسة الرسالة ، بيروت، لبنان ، تلفاكس: ٨١٥١١٢ ص  ب : ٧٥٦٠. 

من إسهامات القراء

في خزانة القسم الثقافي تتعانق عشرات القصائد التي تنتظر فرصتها في النشر، أو التي فاتت مناسبتها، أو التي لا تصلح لوجود خلل في بعض أبياتها، أو التي تحتاج من صاحبها إلى إعادة النظر في مجمل قصيدته سواء من حيث المضمون أو التراكيب أو العبارات أو الأوزان.

لذلك كله أحببنا الا نحرم قراءنا الكرام من بعض ما في تلك القصائد من حكم أو فوائد، أو لفتات، أو تحليقات، أو إرهاصات بظهور شاعر متمكن يمتلك الأدوات لكنه يحتاج إلى الدرية حتى يستوي على سوقه ويتهيأ للتألق...

ومخاطبة الجمهور من أعلى المنابر وفيما يلي مقتطفات مختارة من القصائد التي جادت بها قرائح شعرائنا الأعزاء، تحت عنوان تحية إلى المجاهد الثابت الشيخ أحمد ياسين، نقرأ هذه الأبيات من شعر الأخ أحمد بسيون عامر:

الانتفاضة بالتقى أشعلتها

 

فجنى اليهود بها وبالاً أسودا

الطفل يلقي بالحجار حجفلاً

 

ويخافه من بالسلاح تزودا

طفل له قلب الرجال وعقلهم

 

وله من القران زاد قد بدا
 

هذا القعيد الرابط الجأش امتطى

 

هذا السنام والحسام تقلدا

ومن شعر الأخ عبد الرحمن الملي الندوي في الترحيب بشهر رمضان المبارك:

رمضان أتى بالبهجة والأماني

 

فيه تذوق حلاوة الإيمان

ما أسعد الإنسان في أيامه

 

كأنه في جنة الرضوان

في قصيدة «قرأت عنك» يقول الأخ أيمن إبراهيم:

ادمنت وجهك في الإعلام مكتوبًا

 

فصرت عندي عظيم الشأن محبوبًا

أراك في كل سطر من صحائفنا

 

تنهل غيثًا على الأوطان مسكوبًا

أراك في شاشة التلفاز مبتسمًا

 

تهدي الوعود لنا حبًا وترغيبًا

وحينما عشت بين الناس أذهلني

 

ما قد رأيت رأيت الحال مقلوبًا

رأيت ذلاً مخيفًا بين أعينهم

 

يكذب الصحف السوداء تكذيبًا

الرابط المختصر :