العنوان إصلاح المجتمع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
مشاهدات 69
نشر في العدد 119
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 26-سبتمبر-1972
تأليف محمد بن سالم البيحاني
رغبة تلحُّ على داعية أن يقرن جهاده الميدانيُّ في ساحة بناء الأشخاص
وتكوين العاملين ومواجهة الظلم والإلحاد بتدوين أفكاره وخلاصة تجاربه لتكون بين يدي الأتباع والمريدين والسائرين على نفس الطريق، ليتمَّ الانتفاع بها وتكون في نفس الوقت قربانًا إلى الله ورجاء في مثوبته وتنفيذًا لوصيّة الرسول القائد -صلوات الله وسلامه عليه- التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجها مسلم في صحيحه «وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له»
ومن هنا كان حرص الداعية المسلم المرحوم محمَّد بن سالم بن حسين الكدادي البيحاني على أن يُورّث من بعده خلاصة تجواله في رحاب السنة المطهَّرة ، فاختار مائة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، صبَّ فيها خلاصة علمه وتجاربه مؤمنًا بأنَّ هذه الوجبة الدسمة جمعت عصارة الموادِّ اللازمة لبناء المجتمع المسلم وهي كفيلةٌ بطرد العوالق الشاذَّة عنه.
وأشهد أنِّي حينما قرأت عنوان الكتاب بادرت إليه ظنًّا منِّي أنَّه عبارة عن
دراسة اجتماعيَّة عصريَّة تشـرح الأمراض وتورد النظريَّات وتصف الدواء.. لكنِّي وجدت الرجل سلك مسلك الكثيرين من العلماء السابقين في أن جعل الحديث الواحد مدار بحث أفكاره عن طريق شرحه ممَّا جعل الكتاب كما قال مقدِّمه الأستاذ عبدالله العقيل مدير الشؤون الإسلاميَّة بوزارة الأوقاف: ثروة علميَّة وجهد مشكور.. يستفيد منه الوعاظ والخطباء وجمهور المسلمين.
حياة المؤلِّف:
والمؤلِّف يمني ولد في بيحان عام ١٩٠٨م وتربى على يدي والده العالم الفقيه وارتحل إلى حضرموت ليتلقَّى علومه على يد شيوخها ثم انتقل إلى منطقة الشيخ عثمان من أعمال عدن ليلتقي بالشيخ أحمد محمد العبادي المعروف بمحاربته للبدع والانحرافات فاغترف من علمه وانتقل بعد ذلك إلى ساحة الأزهر الشريف بالقاهرة ليعود بعد ذلك إلى بلاده مجاهدًا في سبيل بثِّ الروح الإسلاميَّة بين أبناء بلاده.
ميادين الكتاب
وإذا كان المؤلِّف «رحمه الله» قد جرى قلمه أثناء الحديث عن موضوعات الكتاب بأنَّه دعوة إلى التقاليد القوميَّة الإسلاميَّة فإنَّه قد أصابني بعضٌ مـن الظنِّ حين قرن القوميَّة بالإسلام إلَّا أنَّه أوضح مقصوده من ذلك وهو يشرح الحديث الأوَّل «إنَّما الأعمال بالنيَّات» فقال في صفحة ١٢:
أمَّا الوطنيَّة الكاذبة، والقوميَّة الشيطانيَّة فهي ممَّا تُحبط العمل وتُفرِّق شمل المسلمين وتجعلهم شيعًا وأحزابًا وقد جعلهم الله أمَّةً واحدة وإذا كان الدفاع عن الوطن والتعصُّب للقوميَّة ممَّا يقصد به حماية الدين، و يبتغي به وجه الله، فنَعمت الوطنيَّة، ونَعمَت العصبيَّة وضع الشرط الصحيح الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» ونحّى عن مقصده ما نحَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منَّا من دعا إلى عصبيَّة» وأكدَّ هذا المعنى المقصود في صفحة ١٥ من السطر السابع.
ولقد حاول المؤلِّف أن يوضِّح أنَّ «الورع» ليس بالزهادة فيما نصَّ الكتاب
والسنَّة على حلِّه بل في ترك الأمور المشتبهة ولعلَّه في ذلك يناقض الصوفيَّة والزهاد الذين يرون عدم الاعتراف والتزيُّد من المباحات.
محبَّة الله
وفي شرحه للحديث السادس «لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه» والحديث السابع «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان...»
ربط بين الاثنين ربطًا محكمًا حتّى وصل إلى أنَّه لا يجوز لأحد ادِّعاء محبَّة الله مع السقوط في الذنوب والغرق في الآثام وإن يبطن من الشرِّ غير الذي يُظهر من الخير.. وهو من قبل قال: الذي لا يحبُّ لإخوانه من الخير ما يحبُّ لنفسه يصاب بداء الحسد.. وفصَّل الموضوع تفصيلًا جميلًا .. حتَّى أتى إلى حديث أبي أيُّوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يّحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال..» والحديث التاسع لابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يّحلُّ دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث...» والحديث العاشر «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» والحديث الحادي عشر في السلسلة البنَّاءة «لا يُشِرْ أحدُكم إلى أخيه بسلاح».
الربا
وحينما شرح حديث السبع الموبقات أورد بيانًا موجزاً لأنواع المعاملات الربويَّة:
1 - ربا الفضل، «وهو» البيع مع زيادة أحد العوضين المتجانسين على الآخر.
٢ - ربا اليد: بيع الربوي بمثله بغير حلول ولا تقايض.
3 - ربا النسيئة: وهو بيع المطعوم أو أحد النقدين بجنسه متماثلًا ولكنَّه إلى أجل معلوم.
4 - وربا القرض: كلُّ معاملة في البيع والشراء، والمسالفة تجرُّ نفعًا للمقرض مع شرط بين الآخذ والمعطي فيما ذكر.
الإمام العادل
وفي شرحه لحديث «السبعة» الذين يظلّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلَّا ظلّه، صال «المرحوم» وجال في بيان أوصاف الإمام العادل الذي لا يحكم إلَّا بالحقِّ، ولا يظلم أحدًا لأحد ولو كان من أعزِّ الخلق عليه وأحبِّهم إليه.. والذي يعتبر رعيَّته كأبنائه.. والذي يترك الظلم مع القدرة عليه، والذي لا يتخذ حجابًا أشرارًا، والذي لا يستأثر بالخير دون الرعيَّة والذي لا يهمل أمر البلاد وإصلاحها بالعلوم والصناعات والتجارات والصحَّة والمعارف ... و ... ولم ينته من شرح الحديث إلَّا بعد عشر صفحات من الكتاب.
وفي عشر صفحات أيضًا تناول حديث عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته..» بتفصيل بليغ يمزج الشرح بالموعظة والحكمة ويستثير الهمم بالقريض إذ كان رحمه الله شاعرًا ويحفظ كثيرًا من الشعر.
المرأة
وفي حديثه عن طاعة المرأة قال رحمه الله:
ليس المراد طاعة المرأة فيما لا تقدر عليه، ولا استبداد الرجل بها وتحكُّمه فيها تحكُّمًا و استبدادًا يخرج به عن الأدب وحسن العشرة... فبعض الرجال ثقيل الطبع سيِّئ العشرة ضيق العطن، شرير أحمق.. لا يحفظ حقَّ زوجته إلَّا ما دام راغبًا فيها ومتعلِّقا بها، فإذا كبرت أو مرضت أو افتقرت طلَّقها أو أعرض عنها، ونسي ما كان بينهما.. ولذلك أوضح «المؤلِّف» حقوق المرأة الشرعيَّة وحسن معاملتها ووصيَّة الرسول صلى الله عليه وسلم بها خيرًا حتَّى وصل إلى الحديث الثالث والسبعين الذي رواه جابر «كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلمَّا قدمنا ذهبنا لندخل فقال: أمهلوا حتَّى ندخل ليلًا أي عِشاء، لكي تمتشَّط الشعثة وتستحد الغيبة» وذكر منع الرسول صلى الله عليه وسلم تخون النساء والتجسُّس عليهنَّ.
سعة رحمة الله
وكان ختام كتابه الحديث المائة في بيان سعة رحمة الله، وأنَّه يغفر للعبد ما ارتكب من الذنوب إذا تاب توبة نصوحًا.
ولا يسعنا ونحن نقدِّم هذا الكتاب إلى المسلمين والمسلمات إلَّا أن ننوِّه بما ذكره الأستاذ العقيل :
إلَّا أنَّ هذا لا يمنعنا -رغم منزلة المؤلِّف في قلوبنا ومكانته العلميَّة- من الإشارة إلى أنَّ كتابه هذا لم يَخلُ من مواطن محدودة اختار المؤلِّف رحمه الله ما لا يسلم من مؤاخذة أو تعقيب لكنَّها لا تخرج على الأصول الملمة، ولا تمس بضروريَّات الدين، غير أنَّ هناك مأخذًا علميًّا من الكثرة بحيث استدعى تخصيصه بالذكر، هو إغفاله تخريج الأحاديث الَّتي يوردها في شرح الأحاديث المائة «المتَّفق على صحَّتها» ولدى التحرِّي عن نماذج مختلفة من أحاديث الشرح تبين أنَّها ضعيفة أو لا أصلَ لها عند المحدَثين مما هو حكمة أو مَثَل أو من كلام السلف فجعله القصاص والوعاظ حديثًا أو ممَّا عرف وضعه وانتحاله.. وصلوات الله وسلامه على المعصوم وحده.
الرابط المختصر :