العنوان نموذج من الكتابة السليمة للتاريخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1974
مشاهدات 131
نشر في العدد 228
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 03-ديسمبر-1974
نموذج من الكتابة السليمة للتاريخ
في مقدمة سيد قطب لكتاب: خالد بن الوليد
• الْنماذج الإنسانية الفريدة– في صدر الإسلام لا يستطيع الباحث فهمها إلا إذا آمن بالفكر الذي كونها
• من منطق الفكرة الإسلامية عن الحياة، استمد «صادق عرجون» كتابه عن خالد بن الوليد
• رسم المؤلف معالم الشخصية من الأخبار المحققة فصديه معيار يعرض عليه سائر أخبارها لتمحيصها
يسرني أن أقدم إلى الناس هذا الكتاب عن »خالد بن الوليد« بقلم »صادق
عرجون« أنه يمثل طرازًا من دراسة الشخصيـــات الإسلاميــة غير مسبوق ويقدم ربما »للمــــرة الأولى« نموذجًا من المنهج الذي ندعو إليه في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي ومن هنا تنشأ قيمة هذا البحث ومن هنا كان اعتزازي أيضًا بأن أقدمه للناس لأقدم لهم نموذجًا عمليًا مما نعنيه بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي.
إن كتابة التاريخ الإسلامي تحتاج إلى إدراك طبيعة الفكرة الإسلاميــة ونظرتها إلى الحياة والأحداث والأشياء ووزنها للقيم التي تعارف عليها الناس وتأثيرها في الأرواح والافــكار وصياغتها للنفــوس والشخصيـات.
دراسة الشخصيــات الإسلاميـــة »على وجه خاص« تقتضي إدراکـًـا کاملًا لطبيعة استجابة الشخصيــات الإسلامية لإيحاءات الفكرة الإسلامية فإن طريقة استجابة تلك الشخصيات لهذه الإيحاءات مسألة هامة في صياغة شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة وتفاعلها مع الأحداث ولن يدرك طبيعة الفكرة الإسلامية ولا طريقة استجابة الشخصيات الإسلامية إلا كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيــب لها في أعماقه لكي يكون إدراكه لهـا ناشئًا عن تلبس ضميره بها لا عــن رصدها من الخارج بالذهن المتجرد البارد.
لقد ازدحمت فترة تاريخية قصيرة »في صدر الإسلام« يحشد مــــن النماذج الإنسانية الفائقة في كــل اتجاه ولا بد من تعليل شامل لهــذه الظاهرة الغربية ولا منـــــاص من اعتبار الفكرة الإسلامية بكل حيويتها وبكل فاعليتها سببًا رئيسيًا لهــذا الانبعاث.
فعنصر الفكرة الإسلامية هو الجديد على هذه البيئة التي ازدحمت بهذا الحشـد من النماذج الفريدة في تاريخ البشرية كله وعندئذ يتحتم على الباحث في تاريخ البشرية هذه الفتــرة وعلى الدارس لهذه النماذج المحشورة فيها أن يحس إدراك الفكرة التـــي بعثت وجمعت هذه الثروة الضخمــة من المواهب والعبقريات والكفايات ولن يحس ادراكها إلا من يدركها من الداخل بكيانه كله وهذا لا يتأتى إلا لباحث مؤمن بها مستـجيب لها كما أسلفنا باحث من هذا الطراز يختلف في شعوره وفي تفكيره اختلافًا بينا عن المؤرخين الغربيين الذين تناولوا الحياة الإسلامية والشخصيـــات الإسلامية بالدراسة، كما يختلــف اختلافًا بينا عن المؤرخين المتتلمذين على المنهج الغربي في الدراســـات التاريخية كذلك.
ومنهم معظم من كتبوا حديثًـا في التاريخ الإسلامي وعن الشخصيــات الإسلامية على وجه العموم.
• أن هناك عنصرًا ينقص الطبيعة الغربية »بصفة عامة« لإدراك الحياة الشرقية بصفة عامة والحيـــــاة الإسلامية على وجه الخصـــوص.. عنصر الروحية الغيبية وبخاصــة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريات المادية والطريقة التجريدية على وجه أخص.
وكلما كانت هذه الموضوعـــــات الإسلامية ذات صلة وثيقة بالفتــرة الأولى من حياة الإســــلام كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقليــة الغربية الحديثة.
• ولعله من الضروري أن أوضح هنــا ما قصــــدت إليه «بعنصر الروحية الغيبية» ومدى تأثيره في تفسير الأحداث.
إن الفكرة الإسلامية عن الحيــاة تختلف عن الفكرة الغربية في أن الأولى تعتقد بأن هنالك مددًا للإنسانية من وراء المعلوم المحدود وأن البشر »وأفرادًا منهجه بصفة خاصــــة« ليسوا متروكين لطاقتهم الظاهرية المحدودة وأن هناك لحظات ترتفع فيها الجماعات ويرتفع فيها الأفراد فوق مألوف طاقتهم الظاهرة بحكم هذا المدد اللدني الغامض سواء كان هذا المدد، منافي ذواتهم غير معلوم لهم على وجه التحقيق ولكن تكشــف عن اللحظات الخاصة على غير انتظار،
أو كان هذا المدد مستمدًا للحظته من القوة الكبرى التي تعرف أقدار الحياة والإنسان على السواء، بينما ترى الثانية أن الطاقة البشرية هي هذه المعروفة المعالم والحدود وأن كل النتائج والعواقب كامنــــة في الأسباب المعلومة المقدرة المكشوفة للحساب والتقدير.
وتبعًا لاختلاف طبيعة الفكرتين تتوقع الأولى من الجماعات ومـــن الأفراد في بعض الأحيان خــــوارق بالنسبة لمألوف الحياة ولا تكذب بها لأول وهلة حين تتحدث عنها الروايات الوثيقة لأنها تؤمن في قراراتهــا بأن للروح الإنساني وثبات خارقــــة ويؤيدها الواقع التاريخي في هـــذا الإيمان.
بينما تضع الثانية نـصب عينيها مألوف الطاقة البشرية في فترة مـن فترات التاريخ ومنطوق الحـــوادث الظاهرة والمقومات المحسوسة وتستكثر على الجماعة أو الفــرد لحظات التفوق الخارقة وتكذب بها وتميلها إلى عالم الخرافة.
وليس معنى ذلك أن الفــكرة الإسلامية تؤمن بالخرافة وتعتمد على الأسطورة حين لا تحكم الفكر البشري وحده في تفسير الحياة بجملتها..
بل معناه أنها لا تسلم نفسها إلى ذلك الغرور البشري بالفكر الإنســاني الذي لم يشب عـن الطــــوق بعد، وتمنحه مكانه الطبيعي في إدراك ما هو من شأنه وما هو داخـــل في وسعه ومألوف طاقته وتدع المنافذ الأخرى إلى المعرفة مفتوحة ما دام الواقع يأتي كثيرًا بما تعجـــز عن تفسيره العقول.
• من منطق الفكرة الإسلامية عن الحياة استمد »صادق عرجون« كتابه عن »خالد بن الوليد« فجاءت سيرة كتبت بروح الإســلام واستقامت على نهج الإسلام لم يفتها من التحقيق العلمي شيء يعاب فواته ولم ينقصها من الإيمان الغيبي شيء يعاب نقصانه فاستقامت بهذا وذاك على نهـــج الإسلام في تناول الحياة والأحياء وجاءت نموذجًا قيمًا للمنهج الذي ندعو إليه لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على أساسه.
• أما سمة المنهج الذي سار عليه المؤلف فهي أن يبدأ يرســــم معالم الشخصية من أخبارها المحققة ثم يأخذ بعد ذلك في عرض سائــــر أخبارها على ضوء تلك المعــــالم الثابتة وفي غربلة هذه الأخبار وتنقيتها على ذلك الضوء وفي ظــل الموازنة والترجيح بين الروايـــات المختلفة ينتهي إلى إقرار بعضها مما تقره الموازنة ومما يتفق مـــع خطوط الشخصية المحققة و إلى استبعاد بعضها مما لا يثبت علــــى التمحيص ومما يتجافى مع خطــوط الشخصية الأصيلة.
• وهو منهج مستقيم ولا ريب وإن كان خطرًا في بعض الأحيان لأن افتراض أن الشخصية الإنسانيــة وحدة ثابتة في جميع أطوارها وأحوالها لا تتكسر خطوطها ولا تتعرج تحت جميع الظروف وأمام جميع الاحتمالات مســألة فيها نظر وهي على الأقل قابلة للمناقشـــــة والحوار.
ولكن صاحب هذا البحث يتوقى ذلك الخطر الذي أشرنا إليه بأن يعمد إلى تمحيص الأخبار والموازنة بــين الروايات وتحكيم أكثر من أداة واحدة من أدوات التحقيق العلمي كما أنه يستعين باستشـراف روحي لا أرى مفرًا من الإشارة إليه والثقة به وهو بهذه الوسائل مجتمعة يسلك بنــا طريقًا آمنًا في دراسة الشخصيـــة والأخبار، بل ويستعين بكل الوسائل الميسورة للبشر المحجوبين عن إدراك الحقيقة الكاملة إلا ومضات بعـــد ومضات.
• ولقد خاض المؤلف بهذه العدة من تأملات الفكر وســبحات الــروح غمرات وأشواكًا في حياة البطـــل »خالد بن الوليد« أشفق منهـــا بعضهم فمضى عنها ناجيًا وتــرك ترجمته لخالد ولأبي بكر ولعمـــر ناقصة من هذه الناحية، يطلع منها القارئ على فجوة في البحث ونقص في الصورة وفجوة من العناء، ثم واقعها بعضهم فأتي فيها بالمخـزية المندية عن خالد وعن أبي بكر وعن عمر وهبط بالخليفتين الأولين للإسلام إلى منحدر واطٍ أن هشت له نفسيــة الدوريين من هذا الجيل وأن روح الإسلام لتنفر منه نفورًا شديدًا وأن روح أبي بكر وروح عمر لتشمئزان منة اشمئزازًا.
خاض المؤلف غمار أقصوصــــة خالد مع مالك بن نويرة وامــرأته ليلى الجميلة وأقصوصته مع مجاعته وابنته الغــاده. كما خاض أشواك الخلاف بين عمر وخالد مستجمعـــًا كل عدته وكل إيمانه. إيمانه بالحقيقة التي يجب أن تجلى وتبرز وإيمانه بالبطل الذي يجب تتضح صــورتـه كما خلقها الله وفي غـــير عنت ولا مشقة رسم صورة لهذا كله، فإن لم تكن هي الحقيقة كلها أو الكاملة فهي على الأقل أوضح وأصدق وأدق صورة رسمت حتى اليوم وأولـــى الصور بأن يقتنع بها الفكر والضمير في غير غضاضة ولا التواء.
وميزة المؤلف هنا أنه علل الأحداث بطريقة يقرها الفكر المحقق وتؤزرها الموازنة بين الروايات والأخبار وفي ذات الوقت يستريح لها الوجــدان المؤمن الذي يحس أثر الإسلام في الناس حين تخالط بشاشته قلوبهم وما يفرضه من اليقظة الدائمة على نفوس الأفراد والجماعات وما يثيره من الحسـاسيـة المرهفة في الضـمـائر والوجدانات وذلك كله دون أن يغفل كوامن الطبع البشري ودوافع التكوين الإنساني وهذه الخصائــص حـسـب باحث في سيرة بطل من أبطال التاريخ والإسلام.
• ولا يتسع تقديم کتاب لاستعراض الأمثلة على تلك الخصائـص فالكتاب نفسه هو المثال فاكتفي إذن وفد المنهج الإسلامي في كتابة التاريخ بأن أقول أن »صادق عرجون« قد حقق هذا المنهج بدراسته لخالد وأنشأ بها نموذجًا محسوسًا للمنهج
الجديد.
الرابط المختصر :