العنوان ربيكا جارانج في البيت الأبيض
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006
مشاهدات 66
نشر في العدد 1689
نشر في الصفحة 15
السبت 18-فبراير-2006
أمر مريب وذو دلالة خطيرة تلك الصورة الكبيرة التي بثتها وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب) للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مع ربيكا جارانج، أرملة جون جارانج زعيم المتمردين في الجنوب السوداني منذ عام ١٩٧٠ م ثم أخيرًا نائبًا لرئيس السودان.
وقد صاحب الصورة - التي عكست أجواء ترحيب عالية من الرئيس بربيكا - ما يفيد بانعقاد اجتماع مغلق بين الرئيس والسيدة ربيكا تم خلاله بحث إقامة «علاقات دبلوماسية» مع جنوب السودان، وأن ربيكا لم تطلب «كسودانية» رفع العقوبات الأمريكية عن السودان، وإنما طلبت «كجنوبية» دعمًا أمريكيًا لإحداث نهضة عمرانية في الجنوب.
إذًا.. رغم توقيع اتفاق مشاكوس في كينيا في ٩ / ١ / ٢٠٠٥ م والذي وفر عوامل كثيرة وبيئة صالحة لوحدة السودان، وترك في نفس الوقت، الحرية للجنوبيين للاستفتاء على تقرير المصير بعد ست سنوات.. رغم توقيع هذا الاتفاق إلا أن الجنوبيين بزعامة ربيكا جارانج يسيرون في مشروعهم الانفصالي دون تردد، وبدعم منقطع النظير من الغرب، خاصة الولايات المتحدة ليبقى اتفاق مشاكوس وكل اتفاقات السلام «حبرًا على ورق»
المسألة تحتاج إلى وقفة تأمل في تاريخ الصراع وجغرافيته فتاريخ الصراع منذ نشأته قبل ستة وثلاثين عامًا عام (۱۹۷۰) - عندما حمل جارانج السلاح ضد الحكومة السودانية- يعطي خلاصة مفادها أن فصل جنوب السودان عن شماله، وشرقه عن غربه، وغربه عن وسطه هدف استعماري قديم وضع بذرته الاستعمار القديم - الإنجليزي - وهو يتسق مع الهدف الاستعماري الذي فرق الصومال إلى ثلاثة تكوينات.
و جارانج، نفسه هو مشروع «استعماري» مهم تم إعداده منذ كان تلميذًا في المدرسة الابتدائية الإنجليزية بالجنوب، مرورًا بدراسته الجامعية بجامعة «فرينيل كوليدج» بولاية أيوا الأمريكية، ثم حضوره دورة تدريبية عسكرية لمدة عامين بولاية جورجيا الأمريكية عام ١٩٧٤ م، ثم عودته مرة أخرى للولايات المتحدة لدراسة الدكتوراه في الاقتصاد التي حصل عليها عام ۱۹۸۱ م، وكان موضوعها قناة جونجلي في جنوب السودان.
وخلال تلك الفترة وبعدها ظل على صلة بالكيان الصهيوني. وكما هو معلوم فقد خاض جارانج - مدعومًا من قوى الاستعمار الحديث والصهاينة - حربًا امتدت أكثر من ثلاثين عامًا، راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون من البشر، وانهكت اقتصاد الحكومة السودانية أيما إنهاك وتحولت حدود السودان مع معظم دول الجوار «أوغندا، كينيا إريتريا إثيوبيا» إلى ساحات دعم وإسناد لقوات جارانج؛ أملًا في كسر شوكة السودان وإلحاق الهزيمة به، وتحقيق مشروع الانفصال، وقد أسهمت بعض القوى الوطنية المعارضة (اتحاد تحالف الشمال) يومًا ما في تلك الحرب الانفصالية؛ انتقامًا من نظام الإنقاذ لكن السودان صمد نعم تم إنهاكه ولكن مشروع الانفصال فشل، فكان الضغط لإدخال الحكومة السودانية في مفاوضات مشاكوس التي تمخضت عما تمخضت عنه.
واليوم، وبعد أن بدأ مشروع السياسية بين الشمال والجنوب يسير بنجاح معقول – وهو ما يؤهل الأجواء لقبول الجنوبيين البقاء ضمن سودان موحد - إلا أن أصحاب مشروع الانفصال في الغرب لم يرق لهم ذلك، فجاء السباق على الجنوب لدعمه سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا؛ من أجل إقامة دولة متكاملة الأركان وإقامة علاقات دبلوماسية غربية معها، بمعزل عن الحكومة المركزية في الخرطوم المحاصرة بالمقاطعة.
إن ما جرى مع تيمور الشرقية المسيحية في إندونيسيا يتم تطبيقه اليوم مع جنوب السودان.
وما كان الاستعمار القديم والحديث لينفق كل هذا الجهد والمشاريع والأموال والسلاح طوال أكثر من نصف القرن في الجنوب، ثم يسكت بعدما وجده في النهاية قد اختار السودان الموحد.
إن الغرب الاستعماري عازم على فصل جنوب السودان في إطار مخطط تفتيت السودان، وهو مخطط مصوب للعالم الإسلامي كله يبدأ بخلخلة الدولة ديموجرافيًا وجغرافيًا؛ ليجد الشعب الواحد نفسه مقسمًا إلى كنتونات أو فيدراليات أو دويلات. وذلك ما نشهده اليوم في العراق يسير على قدم وساق، وما يتم التحضير له بقوة فـي السودان. وفي «العلبة» الاستعمارية الجهنمية مزيد من مشاريع التقسيم.
إنه مشروع إعادة تقسيم العالم الإسلامي الذي تم تطبيقه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ثم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ويحاولون اليوم تكراره لتركيع العالم الإسلامي وإضعافه وإهدار ثرواته وطاقاته - بدرجة أكبر- في نزاعات وحروب لصالح الاستعمار والاستعمار وحده.