; الحج والأمل في المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان الحج والأمل في المستقبل

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001

مشاهدات 72

نشر في العدد 1439

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 20-فبراير-2001

 فلسطين لن تضيع بإذن الله.. وملايين المسلمين يعتقدون ويرددون: لا إله إلا الله.. والله أكبر.

 العقل الموجه بالإسلام يرفض الخضوع والاستسلام إلا لله رب العالمين.

أخذني المشهد المليوني الموحد للحجاج إلى بعد آخر من أبعاد الحج، بل إلى أمل آخر راح يختلج في قلبي ويلوح أمام عيني. 

أمامنا أمة واحدة يجمعها الإسلام، ويقويها ويتقوى بها، فلا تملك إلا أن تسأل هل هو بعيد ذلك اليوم الموعود الذي ستنهض فيه الأمة، وتأخذ مكانها مرة أخرى تحت الشمس؟ إنه يوم حتمي مقدر، وضمن مستطاع الأمة مهما بدا على السطح من المثبطات الميئسات، ومهما طال الزمن وامتد الليل. فهذا المشهد العظيم الذي يجبهك والحجيج يطوف حول الكعبة أو يسعى بين الصفا والمروة أو يتوجه إلى منى وعرفة والمزدلفة أو يتدافع في رمي الجمرات مهما حاولت أن تبعده عنك لتفكر بعبادتك والدعاء وأنت تقوم بالمناسك لا بد من أن يجعلك تفكر به وتستعيده بعد أن تعود من الحج. بل إنني أراه الآن على غير ما مررت به في أثناء أيام الحج. فقد كان المشهد في الحج متقطعًا مجزأ وأنت في شغل عنه أو عن التأمل فيه طويلًا أو عن التفكير بالكتابة عن تلك التجربة أصلًا وأنت في معمعانها.

بل ما كنت أحسب أني سأكتب عنها أو أخرج منها بكل هذه الخطرات إلا بعد أن عدت من الحج ورحت أتحدث عن التجربة وأعيد بناء المشهد هنا وهناك. وأذكر أن إخواني في الحملة، أصروا عليَّ من بين إخوة آخرين ونحن في الخيمة في عرفة أن أقول شيئًا عن الحج أو عما ترك في نفسي من مشاعر وخطرات. وحاولت التمنع لأنني لم أشعر أن لدي في تلك اللحظات أي قدرة على التنظير أو الرغبة فيه. ولهذا عندما بدأت الكلام لم أستطع أن أتكلم أكثر من بضع دقائق. ولعل من استمعوا إليَّ تلك اللحظات حين يقرأون ما كتبت في هذه الخطرات سيقولون أين كان هذا؟ ومن أين جاء به؟

 كثيرًا ما يمر المرء بمشاهد لا يفكر فيها، لأنه يكون مشغولًا عنها بغيرها، ولكنه حين يحاول استذكارها قد يجدها مخزونة في ذاكرته فلا يصدق، حين يستعيدها بعد حين، وربما بعد سنوات، أن المشهد كان يحتوي على كل ذلك. وأذكر أن شيئاً مشابهاً حصل معي وأنا أيام الشباب في زنزانة انفرادية. ولم يكن عندي ما أضيع به الوقت الطويل غير استعادة ذكرياتي ولشد ما أدهشني جمال شجرة كنت أمر بها كل يوم دون أن يستلفتني جمالها، فقد كنت أمر بها مشغولًا بغيرها أراها ولا أراها، أما الآن في الزنزانة فقد استعدتها وأعدت رسمها فاكتشف أنها كانت جميلة ورائعة فرحت أسأل نفسي: لماذا أضعت كل ذلك؟

وهذا ما حدث معي بعد أن عدت من الحـج فهنالك مشاهد وعبر رأيتها بعد العودة من الحج وبعضها رأيته، أو فكرت فيه سريعًا، في حينه. ولم تصبح الكتابة ملحة وتتدافع الخطرات والأفكار وبعض المشاعر إلا بعد العودة من الحج وأنا أستعيد تلك اللحظات وأعيد رسم مشاهدها .

إنني وأنا أنظر إلى مئات الألوف من الحجاج ولا سيما في أثناء الانتقال من مكة إلى منى إلى عرفة إلى المزدلفة والعودة إلى منى ثم مكة، عشرات الألوف أو مئات الألوف في كل مرة ليزيد الرقم على المليونين ونصف المليون وفقًا للتقديرات الرسمية، لا أتمالك إلا أن أفكر في القدس وفلسطين. وقد رحت أفكر في ذلك بعد الحج أكثر فأكثر. فمن كان مهمومًا بالقدس والمسجد الأقصى والأرض المباركة من حوله- فلسطين وأبعد من فلسطين- كما يذهب بعض المفسرين لعبارة «وما حوله». هو الأشد حاجة إلى رؤية هذا الأمل الذي يخرج من هذه الملايين وهي في الحج. فلا بد من أن تشعر أن هذ الطاغوت الصهيوني ليس الأكبر ولا الأقوى ولا الأخلد. وأن فلسطين لن تضيع بإذن الله وملايين المسلمين يعتقدون ويرددون لا إله إلا الله، والله أكبر، ويعلنون براءتهم من الشرك. فكيف لا تذكرك الكعبة ومسجدها بالقبلة الأولى وبثالث الحرمين؟ وكيف لا تفكر بما يحف بالمسجد الأقصى من خطر الهدم وبالأرض المباركة حوله من خطر التهويد؟ وكيف لا يجتاحك الإيمان بتحقق وعد الله لا محالة؟ وكيف لا يجعلك مشهد ملايين الحجيج- الذي يعبر عن الأمة الإسلامية- تشعر بالقوة والعزة، وتمتلئ أملًا بأن الأمة حية، والإسلام قادم، وجيش محمد بدأ يعود؟

نتخلص من عقدة النقص

عندما تتأمل بالحديث الذي يصف كيف ينزل رب العالمين إلى السماء الأدنى- ولا نسأل كيف؟- لينظر إلى عباده في الحج فيباهي بهم الملائكة.

أفلا ينبغي لنا أن ننظر إلى هذه الملايين من عباد الله في الحج لنباهي بهم العالم ونخلص من عقد النقص التي تجتاح الكثيرين وهم يرون قوة أمريكا والصهيونية وتقدم الغرب فلا يرون في أمتهم غير السلبيات والمثالب وكل نقص؟ حتى اعتبرها البعض من سقط المتاع. 

وإذا كانت هذه الملايين من عباد الله في الحج يباهي بهم رب العالمين الملائكة، وهذه الملايين جزء معبر عن الأمة فكيف لا نصحح نظرتنا إلى الأمة فنرى إيجابياتها المهمة والأساسية والتي استحقت بها هذه المباهاة فلا نجعل ما تعانيه من سلبيات أو ضعف يطغى على الصورة؟ وأكثر هذا الضعف والسلبيات آت من التجزئة، ومن الخاصات والنخب، وليس من جماهير عباد الله، التي لو أتيح لها أن تطلق ما في صدورها في حياتها اليومية كما تفعل أيام الحج لانتقلت الأمة من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الهوان إلى العزة. فهؤلاء هم أنفسهم فلماذا يكونون في الحج غير ما يكونون عليه في بلادهم وحياتهم اليومية؟ في الحج يتحرر المسلم من كل قيد فيخرج ما في أعماقه بكل صدق، فيكون هذا المشهد الذي يباهي به رب العالمين الملائكة، ويحق لنا من ثم أن نباهي به العالمين.

وقبل مغادرة هذه النقطة يفرض المشهد ألا تُرى الأمة من خلاله موحدة فحسب ولا قوية عزيزة فحسب وإنما أيضًا أن تُرى أمة تحمل رسالة الرحمة للعالمين وتسعى لبناء عالم متعايش متعدد يسوده العدل في العلاقات الدولية فتعمر أسواقه تجارة عادلة لا تجارة حرة من كل قيم وقيد، ويكون عالمًا يقاتل الفقر ويكافح المرض ولا يعادي الطبيعة ولا يخرب البيئة، ولا يترك المفسدين الفاسدين يعيثون في الأرض فسادًا، ويكون عالمًا لا يجعل الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا، والمتقدمين تقنيًا يزدادون تقدمًا والمتخلفين تقنيًا يزدادون تخلفًا، والمستكبرين يزدادون علوًا في الأرض واستكبارًا والمستضعفين يزدادون مهانة واستضعافًا. 

أو بكلمة أخرى أن العالم بحاجة إلى عدل وسلام أو في الأقل أن يأخد من عدل الإسلام حتى يستوي ما يسوده من اعوجاج والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ (الحج: 65).

الحج والصحوة الإسلامية

لابد من أن يأخذك معه ذلك المشهد الذي يعبر من خلاله ملايين الحجيج زرافات ووحدانًا وكتلة موحدة وهم يتجهون إلى الله بقلوب صادقة واجفة ويرجون الدعاء بالدموع فتسأل: ما علاقة الإسلام بهؤلاء؟ وهؤلاء عينة ممثلة للأمة سواء أكانوا من فقرائها ومحروميها ممن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويعلم الله كيف وصلوا إلى هذا المكان وكم كابدوا وضحوا وقتروا على أنفسهم سنين عددًا حتى أمكنهم تغطية تكاليف الحج بأدنى أدنى حدودها؟ وبعضهم جاء من أقصى المعمورة وأكثرهم أتى من بعيد بعيد، أم كانوا من موسريها ممن هم من صغار الموسرين أو من متوسطي الحال أو أقل قليلًا أو كثيرًا.

وما إن تطرح هذا السؤال الذي خيض فيه طويلًا في العقدين الأخيرين. وقد طرحه عدد ممن بحثوا عن أسباب الصحوة الإسلامية التي أخذت تشدههم وتحيرهم. وقد ظنوا أن أمر الإسلام انتهى بانتهاء الدولة العثمانية أو مع سيادة فكرة التغريب بكل أشكاله العلمانية واليسارية واليمينية الليبرالية في المدارس والجامعات وأجهزة الإعلام والخطاب الرسمي والمعارض. وقد جاء انتشار الصحوة لدى المسلمين في البلدان التي رزحت أكثر من سبعين عامًا تحت حكم شيوعي سعى إلى استئصال الدين من الأنفس ولا سيما الدين الإسلامي، ليزيد من إلحاح السؤال حول علاقة الإسلام بالمسلمين أو علاقة المسلمين بالإسلام.

 على أن أصحاب السؤال طرحوه ليبحثوا عن أسباب عارضة في الحياة الاجتماعية أو السياسية يمكن معالجتها في نهاية المطاف كإرجاع الصحوة إلى الفقر والبطالة، أو إلى فشل مشاريع التنمية، أو إلى الهزائم العسكرية أمام العدو الصهيوني، أو إلى الاستبداد والدكتاتورية، أو إلى «سقوط» شعارات حركة التحرر الوطني والنضال ضد الاستعمار، أو إلى ضعف التربية الديمقراطية ونشر المنهجية العلمية والفلسفة العقلانية. ولكن إرجاع الصحوة لأي من هذه الأسباب العارضة أو لها جميعًا مجتمعة يجب أن يتبدد أمام مشهد الملايين وهي تؤدي مناسك الحج ولا سيما وهي تنفعل وتستغرق وتبكي وتغيب في دعائها إذ تؤدي تلك المناسك بأكثر مما يفعل أب قلق عند عودة ولده الغائب وبأكثر مما يرجو النجاة من هو على شفير الهاوية أو حافة الموت وبأشد مما تفرح أم حين يبرأ ولدها من مرض عضال، بل إن كل التشابيه تظل أدنى من أن تصل إلى ما يصله المشهد بالحجيج وهم يتجهون إلى الله. 

هنا لا تستطيع أن ترى علاقة المسلمين بالإسلام علاقة سطحية أو عابرة أو ردة فعل لوضع اجتماعي أو تأثير سياسي. إنها علاقة تدخل في تكوين المسلم نفسه في القلب والعقل والوعي والضمير وما يختزنه كل ذلك من إسلام. ومن ثم عندما ترى على السطح ما لا يعبر عن هذه الحقيقة، أو يطمسها أو يناقضها فابحث عن الأسباب العارضة وليس العكس. 

فالذين لا يرون أن الإسلام هو الأصل في وعي الأمة ومشاعرها وتكوينها لا يستطيعون أن يفسروا كيف يعود الإسلام تلقائياً وبكل تلك القوة حين ترفع الأسباب العارضة أو تتزعزع، أو حين يترك للمسلم أن يعبر بحرية عن وعيه وفكره وضميره.

وإذا كان هنالك من يشكك في هذه الحقيقة فليشهد المسلمين في الحج ليرى بأم عينه ما الأصل وما العارض في الأمة، وما علاقتهم بالإسلام.

لقد كنت كلما طاردتني الموضوعات التي يكتبها الكارهون لعلاقة الإسلام بالأمة أو علاقة الأمة بالإسلام أجد موضوعاتهم تتهافت أمام مشهد ملايين الحجيج فتتحرك في قلبي فرحة خفية، فأعود مسرعًا بقلبي وعقلي لأصبح جزءًا من هذا المشهد. هذا المشهد الذي كان يشدني إليه شدًا كلما بعدت عنه إلى هم من هموم المسلمين خارج هذا المكان وتلك اللحظات.

فيا لهذا التداول الذي راح ينتابني بين العبادة والتفكير بهموم الأمة، فقد كنت أعود إلى العبادة تلبية ودعاء وقراءة قرآن بعد كل انشداد لتلك الهموم علني آخذ قسطًا من التهذيب الروحي الذي أحس دومًا بالحاجة إليه. 

فهذا التناوب بين هذين العالمين المترابطين في نظر الإسلام: الإيمان والعمل، الإحسان والعدل، الدين والحياة يفرضهما الحج كما لمسته من تجربتي. فأنت لا تذهب إليه قيامًا بفرض يوجبه فحسب ولا ترجو أن يغفر لك لتعود منه كما ولدتك أمك فحسب وإنما تراه أيضاً، يشع على روحك ونفسك كما على وعيك وعقلك ثم يشدك إلى هموم الأمة. ثم تراه يدفعك لتخرج منه على أفضل ما كنت يوم دخلت إليه. ويعيد صياغة علاقتك بربك وعلاقتك بنفسك وبغيرك وعلاقتك بأمتك ولكن المسؤولية تبقى معلقة في رقبتك إن كنت ستنسى، ولا تعتبر بما حججت من أجله، وبما شعرت وفكرت وشاهدت فتعود سيرتك الأولى.

الحج والعبادة

- يقول الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (آل عمران: 97).

إن الغاية الأولى من كل الفروض العبادية هي العبادة، أولًا قبل كل شيء. أما شروط أداء العبادة كالوضوء قبل الصلاة أو الإحرام قبل العمرة والحج، أو أداء المناسك، أو إخراج الزكاة في أوقاتها وماشابه، فيدخل في الطاعات، ومن ثم ما ينبغي له أن يناقش من حيث الحكمة منه أو الفوائد أو إخضاعه للنظر العقلي. وأما الحديث عن المعاني التي تحملها الفروض العبادية مثلاً ما تحمله الصلاة من نهي عن الفحشاء والمنكر أو ما يتضمنه الوضوء والغسل من نظافة وتطهر أو ما تحمله الزكاة من معنى التكافل بين المسلمين أو مساعدة المحتاجين أو إعادة تدوير الأموال، أو ما يحمله الحج من معان ومنافع للناس فإن كل ذلك يأتي بعد التأكيد على أن العبادات مطلوبة لذاتها أساسًا باعتبارها عبادة، فلا تسوغ بما تحمله من نتائج لاحقة بها، وإنما يصار إلى إيراد تلك النتائج باعتبارها من مفرزات فروض العبادة وليست أساساً لها أو تسويغاً للقيام بها، وذلك قطعًا لمناقشة تناقش في تلك المنتجات أو المفرزات بالقول إن ثمة بدائل لها يمكن أن تفضي إلى الأغراض نفسها- غير العبادية- كأن يطرح، مثلًا، موضوع غسل اليدين بالصابون بدلًا من الوضوء بالماء باعتباره مؤديًا لغرض النظافة مثله، أو طرح موضوع الضريبة بدلًا من الزكاة.

ومن هنا كانت الفروض العبادية مقصودة، لذاتها أولًا وقبل كل شيء، فمن يريد أن يناقش نتائجها أو مؤثراتها أو مفرزاتها الإيجابية اللاحقة بمعنى طرح البدائل يجب أن يؤخذ فوراً لمناقشة وجود الله وعقيدة التوحيد ونزول القرآن ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأن العبادة والطاعات لا تكونان إلا بعد الحسم في المبادئ الأساسية، كما أن المنافع الناتجة لا تفهم إلا ضمن المنظومة بكليتها وليس فرعًا فرعًا وبمعزل عن الكل. أما بالنسبة إلى الذين يسلمون بتلك المبادئ وينتسبون إليها فعليهم أن يعالجوا ما ينجم عن أداء الفروض من منافع وخير وفوائد بعد أن يؤدوا العبادة أولًا وقبل كل شيء لذاتها ويؤدوا شروطها، كالوضوء أو الاستحمام للصلاة أو الإحرام والطواف والسعي وأداء المناسك الأخرى للحج باعتبارها فروضًا، وطاعات وسننًا، أولًا وقبل كل شيء، ثم بعد ذلك ندخل في المعاني والعبر وفي المنافع والخيرات والفوائد.

في معنى طاعة الله

يقول الله تعالى : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (آل عمران: 97)، وقال أيضًا: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ (الحج: 32).

 وبهذا يكون الحج فرضًا على من استطاع إليه سبيلًا، ولا يحق لمسلم أن يتنكر له، أو يكفر به، الأمر الذي يجعلنا ندرك موقع الحج في الإسلام وأي مكانة له، ومن ثم ندرك ما يحمله من أبعاد توجب بعد العبادة والطاعة، أن يتفكر بها مليًا لنفهم الحج فهمًا عميقًا .ويأتي تعظيم الشعائر ليكون من تقوى القلوب. وذلك عند القيام بالشعائر كما أمر بها في القرآن وجرت عليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا وسيرة. فالطاعة هنا تمثل النهج الصحيح، وبلا حاجة إلى «اجتهاد »بالعقل، أو مناقشة في الجزئيات. فمن دون نهج الطاعة الكاملة لا يمكن أن تقوم بالحج وتمارس عقيدة التوحيد وتستشعرها بكل كيانك.

 فقيام الناس بالشعائر كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممارسة وحديثًا لا يعني أنهم قد ألغوا إعمال عقولهم كما يتوهم بعض الجهلة السطحيين لأنهم يكونون قد أعملوا عقولهم كما يجب أن تعمل في هذا المقام، وما في هذا من انقياد أعمى، وإنما هو طاعة عن بصيرة نافذة، وإعمال عقل راجح. وقد يتوهم بعض المتغربين أن طاعة الأمة لله ورسوله تولد طبيعة خانعة مستسلمة في الفرد والأمة، ولا تعود العقل على طرح الأسئلة. لأن هذه الطاعة، وهي تعبر عن التسليم العقلي والروحي والقلبي والنفسي لله الخالق الأحد، والذي لا يشبهه شيء، والمتعالي على كل شيء، ولرسوله الموحى له من رب العالمين، تشكل «هذه الطاعة» شرطًا لإطلاق العقل محررًا من الهوى والمصالح والأنانية وحكم الغرائز. أي التحرر من كل ما يقيد العقل ويسيره باتجاهه. ومن ثم يشغب عليه فلا «يرى الأشياء كما هي أي على حقيقتها كما خلقها الله ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا (الفرقان: 3)، أي هي شرط حرية للعقل والإنسان. وإذا شئت هي شرط الشجاعة في التمرد على الظلم وعدم الانقياد لحكم الأقوياء والمصالح الأنانية أو المعتدية على مصالح غيرها .

رويدكم أيها «العقلانيون» وتعالوا نرَ إن كانت الشعوب الإسلامية التي تطيع الله ورسوله خانعة ومستسلمة ولا تعرف كيف تستعمل عقولها. 

والسؤال هل استطاع مستعمر أو طاغية جبار أن يدفعها إلى طاعته لأنها تعودت الطاعة أو كما تتصورون تعودت الخنوع والاستسلام؟ أم استحال عليه ذلك ولم يجد غير حكم القمع أو إعمال السيف في رقابها فارضًا عليها نظامًا قهريًا عسسيًا أو بوليسيًا؟ ثم بالرغم من ذلك ما كانت لتهدأ العاصفة في وجهه حتى تثور من جديد، والتاريخ والواقع يشهدان على هذا . 

تأمل حالك حين تؤمن بأن الله أكبر، أكبر من كل الطغاة والأقوياء والشهوات والمغريات، وأكبر من كل الصعوبات والمشاق، وكل ما نحسبه محالًا، وتأمل حالك حين تؤمن بألا إله إلا الله ولا تشرك به شيئًا، وأن الله ناصرك إن نصرته على الظلم وسياسة القوة، وعلى ميزان قوى في غير مصلحتك، وعلى ضعفك وقلة حيلتك، تأمل حين تطيع الله ورسوله وتجعل كلمة الله هي العليا في عقلك وقلبك ونفسك ومسلكك وحياتك، وعندئذ، أي إنسان ستكون؟ وأي شخصية هي شخصيتك؟ وأي عقل ستعمله؟ وأي حرية ستتمتع بها؟ ثم تأمل من جهة أخرى، حين تترك نفسك وعقلك نهباً لقانون القوة والمصالح الضيقة والأنانية والأهواء والخوف والإغراءات والمطامع والرهبة من الحرمان وقطع الأرزاق، والخضوع لمن يتحكمون بموازين القوى واسأل أي إنسان ستكون؟ وأي شخصية شخصيتك؟ وأي عقل ستعمله؟ فيدور بك حيث دار ذلك القانون منافقًا أو طاغية، أو مستسلمًا.

 أما إذا أدرته بنزاهة واستقامة، وأنت غير مؤمن وأنشب عالم الأقوياء مخالبه فيك أو راح يضيق عليك، وليس عندك من معين فوق هذا كله وأكبر من هذا كله فأنت الاستثناء وحذار أن يقودك عقلك إذا ضاق ويئس حتى الاختناق إلى الانتحار، إن امتنعت عن السقوط. 

ثم لابد من السؤال: أي من العقلين هنا وأي من الشخصين يحمل القابلية للاستسلام والخضوع والانحراف؟ الجواب سيكون حتمًا في اتجاه العقل الوضعي غير المؤمن بأن الله أكبر وبأن من ينصر الله ينصره. 

وإذا سألت أي من العقلين يحمل القابلية للتمرد ورفض الخضوع؟ فالجواب سيكون في مصلحة العقل الموجه بالإسلام والإنسان أو الشخص المسلم.

 وإذا حدث تقاطع في الواقع بين الشخصين هنا وهناك عند الخنوع والتخاذل فسيكون الإشكال بالنسبة إلى العقل المسلم ابتعادًا بهذا القدر أو ذاك عن عقيدة لا إلا الله محمد رسول الله، ابتعادًا عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

مشاهد من التاريخ والواقع

إنك لا تستطيع وأنت في الحج ولاسيما قبل أن يبدأ، إلا أن تتأمل بما صنعته الطاعة لله ورسوله بقوم كانوا في جاهلية، وأصبحوا أهل دعوة وحملة رسالة فغدوا أحرار العالم ومحرري عقوله ونفوسه ومستضعفيه وعليك أن تتساءل: كيف كان الحــج عبر التاريخ الإسلامي مع أمة حملت عقيدة الإسلام وراحت تحج كل عام وتعتمر بلا انقطاع وكان بـين يديها قرآن تتلوه كل يوم وتصدق كل كلمة فيه وعندها مخزون من المحفوظات عن السيرة الشريفة والحديث الصحيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع هـذا المخزون تاريخ الخلفاء الراشدين والمجاهدين والعلماء الذين استمسكوا بالدين وصبروا، والقادة العسكريين الأفذاذ الذين دحروا الأعداء عن أرض المسلمين أو أنزلوا الهزائم بجيوش المشركين والحكام الذين عدلوا وذادوا عن دار الإسلام.

وكيف يكون الحال إذا كان أفراد هذه الأمة أمروا بالحج وراح بعضهم يتلو بعضًا سنة بعد الأخرى عمرة وحجًا؟ أي كيف يكون الحال مع من يعيشون تجربة الحج ويتذوقون طعم الإيمان ويعيشون المناسك، ويستغرقون في التلبية والدعاء والصلاة وقيام الليل، ثم يتحسسون وحدة الأمة وقوتها وهم يطوفون ويسعون، وينفرون ويرجمون بل وهم يدخلون الزحمة فيدركون كيف تكون قوة الجموع وكم هم ضعفاء حين يكونون أفرادًا؟ 

وبعد ذلك هل نعجب لماذا يخشى من هذه الأمة حين تستفتى ويؤخذ رأيها، ويتاح لها أن تعبر عن نفسها؟ بينما أولئك الذين يؤمنون بأن الحق للقوة وأن القوة هي الحق، ويسلمون للشهوات والغرائز وأهواء النفس ويقبلون بلعبة البقاء للأقوى والأكثر مالًا في السوق كما في الفكر كما في كل مناحي الحياة وليس عندهم إيمان بالتوحيد وإيمان بأن الله أكبر وليس عندهم القرآن ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عندهم نماذج حكام من مثل الخلفاء الراشدين أو عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنهم- وليس عندهم تاريخ لعلماء أفذاذ لم يخضعوا لسلطان غير سلطان الدين والحق. كيف لا يجدون أنفسهم كريشة في مهب الرياح يأخذها الإعلام كل مأخذ ويوجهها حيث أراد وهي تشهد فساد السياسيين وتتقبل أصول اللعبة باعتبار هذا أفضل ما يكون أو هكذا هي الدنيا، تعالوا وجربوا حرية التعبير والحق في الانتخاب في بلاد أمة محمد. أما من لا يصدق فليتأمل في مشهد هذه الملايين في الحج، والتي هي عينة ممثلة للأمة ولا شك فسيدرك الفارق بين التعاطي مع الشعوب الإسلامية والشعوب الأخرى. ولينظر كيف يحج المسلمون وما يفعله الحج بهم وما يعكسه من خلالهم حتى يعرف كلمة السر»!

حقًا هنالك الكثير من الضغوط وموازين القوى من هيمنة الإعلام ونشر الأفكار الخاطئة، والقيم الهابطة، بما في ذلك تشجيع الرذيلة والانحراف، بكل أسلوب حتى يضل نفر من المسلمين. وثمة تركيز على الشباب، وهي لعمري أخطار يحق للمرء أن يقلق منها ويتصدى لها. ولكن عندما ترى عمق الإسلام فيما تتكشف عنه الملايين في الحج، وترى الباب المفتوح في الحج للتوبة والمغفرة والعفو ستجد أن الرذيلة والانحرافات الأخلاقية والمسلكية تشيد بنيانها على رمال، فأرض الإسلام غير مناسبة لها، بل قل إنها تقيم بنيانها على ألغام لا تعرف متى تنفجر من تحتها ليعود المنحرف إلى رشده، ويعود من ضل إلى الهدى.

لقد أدركت بصورة أعمق كل هذا الذي سمعته أو قرأت عنه أو كتبت حوله، وأنا أطوف وأسعى وأسمع وأرى وأحس. فياللحج وما يفعله إزالة الغشاوة عن العيون. وما يمكن أن يتكشف من حقائق ومعرفة.

أتذكر الآن أولئك الذين رفعوا شعار «تجفيف الينابيع» باعتباره الحل للقضاء علي الصحوة الإسلامية ووضع الأمة تحت أقدام أسياد ما فتئوا منذ أن بدأ الاستشراق يحاولون حل هذه المعضلة: معضلة إسلام الأمة.

وجاءت تجربة «تجفيف الينابيع» لتمس القرآن والسنة وأركان الإسلام، وإلا أين الينابيع التي يريدون تجفيفها؟ إنهم يعيدون المعركة ضد الإسلام من أولها يوم كان النقد أو التجريح يتجه إلى القرآن مباشرة، ويتجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة وجاء جواب الله سبحانه وتعالى حاسمًا:

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (الصف: 8).

وجاءت التجربة الواقعية تثبت ذلك وتؤكد هزيمتهم لا محالة فلو أمكن «تجفيف الينابيع» منذ ذلك اليوم والمسلمون بضع عشرات لما كان الحج، ولما كانت اليوم كل هذه الملايين في الحج، فلا تملك وأنت وسط هذه الجموع إذ تفكر بمن يريدون تجفيف الينابيع إلا أن تقول لهم «فاتكم الفوت، تأخرتم كثيرًا» فما أنتم فاعلون مع كل هذه الملايين؟ وما هذه إلا حفنة تتدافع من بعدها ملايين جديدة.. عشرات الملايين، مئات الملايين والأهم كيف ستصلون إلى الأعماق حيث ضرب الإسلام بجذوره؟ وهل ستمنعون الحج وهو ينبوع لا ينضب؟

لقد شدني وأنا أفكر بهذا تذكر مشاهد جحافل من حجاج الأتراك صادفتهم كثيرًا فقد كانوا في كل مكان. وما أورع إيمانهم وأداءهم للمناسك، فلا تملك إلا أن تسأل من الذي جفت ينابيعه: الإسلام أم مصطفى كمال؟

أحسب أن الذين حاولوا أن يمدوا يدهم للعبث بتلك الينابيع قد شعروا بلسع النار كمن يخرج الكستناء من بين الجمر بأصابع يده، إذ كيف يكون العمل في بلده حين تدفع هذه الينابيع كل عام عشرات الألوف الجديدة. فالإسلام ولود، وأمة الإسلام ولود، فما العمل ونساء الأمة يحججن عشرات الآلاف ومئات الآلاف كل عام؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل