العنوان الاختلاف في الرأي من منظور إسلامي 3 من 3
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008
مشاهدات 88
نشر في العدد 1783
نشر في الصفحة 52
السبت 05-يناير-2008
- الشارع الحكيم فتح باب التيسير للعباد فلا يليق بمسلم أن ينسب مخالفاً له إلى كفر أو فسق أو بدعة .
- كثيرا ما كان علماء السلف يفعلون المفضول ويتركون الفاضل مراعاة للائتلاف وبعدا عن الخلاف.
- لولا تفاوت مراتب الطاعات لما تباينت درجات المؤمنين في الجنة فطاقات الناس مختلفة وكل ميسر لما خلق له.
الحديث عن الاختلاف حديث متشعب؛ ممتد الأطراف متعدد الجوانب، قل من يعرف آدابه ويلتزم بها، وما أكثر ما فوتت علينا خلافاتنا حول مندوب أو مباح أمراً مفروضاً أو واجباً.
لقد أتقنا فن الاختلاف، وافتقدنا آدابه والالتزام بأخلاقياته، فكان أن سقطنا فريسة التآكل الداخلي والتنازع الذي أورثنا هذه الحياة الفاشلة، أو أدى إلى ذهاب الريح، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال:11).
ضوابط الاختلاف
هناك جملة من الضوابط يحسن اتباعها أثناء الاختلاف، حتى لا نقع في براثن الاختلاف المذموم منها :
١- الدراسة المنهجية: فإذا كان البارئ جلت قدرته قد يسر القرآن للذكر، وهيأ لنا سبل الاطلاع الواسع على السنة من خلال كتبها الكثيرة المتوفرة، فإن الأخذ عن تلك المصادر بمبادرات فردية فيه الكثير من المحاذير، فلابد من الاستعداد السابق ثم التزود لذلك بأدواته التي فصلها أهل الاختصاص؛ من معرفة ضوابط الاستنباط وقواعده، وإتقان اللغة العربية وأساليبها، ومعرفة علوم القرآن والسنة والناسخ والمنسوخ والعام والخاص، والمطلق والمقيد من النصوص.
فإن أي قول يصدر عن المسلم من غير إحاطة ومعرفة بتلك الوسائل إنما هو قول في الدين بالتشهي والخرص والتخمين، من غير نور ولا هدى ولا علم، ومن يفعل ذلك فقد ركب مركباً صعباً وأودى بنفسه والعياذ بالله، قال رسول الله r: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار». (أخرجه الترمذي (2950)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8085)، وأحمد (2069). وهذا النوع من المعرفة لا يمكن تحصيله من خلال قراءة كتاب أو اثنين، بل لا بد من دراسة منهجية متقنة، تضع في يد الدارس مفاتيح تلك العلوم التي تهيئ له سبل الولوج إلى ساحة الفكر والعلوم الإسلامية، وحتى تؤني تلك الدراسة أكلها لابد أن تعتمد على البحث المستقصي الذي يقوده الأستاذ المتقن والموجه المجيد والناقد البصير، في ظل من تقوى الله وابتغاء الأجر منه.
٢- التنبيه إلى أن هذه الشريعة أنزلت لتسعد الناس وتحقق لهم مصالحهم بما ينسجم وقدراتهم العقلية التي أنعم الله بها عليهم، ولم تتضمن الشريعة أمراً لا يطيق الناس إتيانه أبداً ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ (الحج: ۷۸). وقد يسر سبحانه على عباده حتى يعملوا بهذا الدين في ظل المحبة لا القسر والإكراه، ويقول جلت قدرته في ذلك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥) ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ﴾ (النساء :٢٨) لعلمه بضعفكم، ويقول: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء:28)
وكل الأحكام الشرعية حوت مصلحة العباد وحرصت على تحقيق النفع لهم، ولا شيء فيها يعود لله تعالى نفعه، لأنه تعالى هو الغني الحميد ولذلك فإنه لابد من فهم جزئيات الشريعة في ضوء تلك الكليات ونحوها، ومن لم يُحط بقواعد الشريعة ويفهم مقاصدها فلن يستطيع أن يرد الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات.
وقد اتفقت كلمة علماء الأمة على أن أحكام الشريعة معللة بمصالح العباد ولأجلها شرعت سواء منها ما هدانا الله لمعرفته بالنص عليه أو بالإيماء إليه، وما لم نهتد إليه فلحكمة يعلمها الله جل شأنه، ولذلك فإن كثيراً من الأحكام الاجتهادية تتغير بتغير الأزمنة، وقد تختلف باختلاف الأشخاص وطاقاتهم وقدراتهم وظروفهم.
وما دام الشارع الحكيم قد فتح باب اليسر للعباد، وجعل مصلحة الناس معتبرة، فلا يليق بأحد أن ينسب مخالفاً له في أمر من الأمور إلى كفر أو فسق أو بدعة، بل عليه أن يلتمس لمخالفه من الأعذار ما يجعل حبل الود موصولاً بينهما .
3- من أهم الواجبات أن يدرك الجميع أن أخوة الإسلام ووحدة صفوف المسلمين المخلصين والحفاظ عليها ونبذ كل ما يسيء إليها أو يضعف من عراها من أهم الفرائض وأخطرها، وعبادة من أهم العبادات وقربة من أفضل القربات لأننا يتلك الأخوة نقوى على التصدي لكل العقبات التي تعيق استئناف الحياة الإسلامية على الصورة التي ترضي الله ورسوله ويكفي أن رسول الله r نفرنا من الفرقة بأن أهدر دم المفرق للجماعة ولذلك فإن التفريط بالأخوة الإسلامية أو المساس بها لمجرد اختلاف في الرأي أمر لا يجوز لمسلم أن يفعله: ولا سيما في هذه الظروف التي: تداعت فيها علينا الأمم .
إن الأخوة في الله ووحدة القلوب بين المسلمين تحتل المراتب الأولى للواجبات بل هي في مقدمتها لأنها شقيقة التوحيد وقرينته كما أن هناك مراتب للمنهيات يقع النيل من الأخوة في مقدمتها كذلك ولذلك فإن علماء السلف كثيراً ما كانوا يفعلون المفضول، ويتركون الفاضل مراعاة للائتلاف وخروجاً من الخلاف وقد يتركون المندوب في نظرهم، ويفعلون الجائز تحقيقاً لذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة جهراً، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلي خلف بعض.
ولا يعني حرصنا على الأخوة الإسلامية ووحدة صف المسلمين التساهل في قضايا العقيدة الأساسية التي لا تحتمل التأويل لأن الحرص على مجابهة أعداء الأمة لن يدفعنا إلى أن نضع أيدينا بأيدي الذين ليس لهم نصيب من الإسلام إلا الأسماء بحجة الحرص على الأخوة فالقضايا الخلافية التي لا يجوز أن تفرقنا هي تلك التي اعترف بها كرام العلماء من أئمة السلف، وتعاملوا معها من خلال آداب فاضلة، وكان لديهم من الأدلة ما يجيز أكثر من وجه.
4- من الأمور المعروفة أن البارئ سبحانه قد شرع للناس تأدية العبادات في كثير من الأمور على درجات تتنوع بين الأفضل والاختيار والجواز، وإن كانت كلها تلتقي في زاوية القبول عند الله تعالى، لكنها تتفاوت في المراتب فكثير من الفرائض والواجبات صور متعددة تدخل ضمن هذه الدرجات الثلاث، فيمكن أن تؤدى العبادة على أفضل صورها الشرعية فتقبل مع ثواب الفضل، كمن يصلي أول الوقت مع الجماعة ويؤدي سائر السنن المطلوبة للصلاة، وهناك الاختيار وهو تأدية العمل نفسه دون مرتبة الأفضل، كمن يصلي في الوقت ولكن ليس في أوله بل في وقت الاختيار منه ثم مرتبة الجواز وهي التي إن قبل العبد لنفسه بأقل منها أدرج في عداد المقصرين، وفي الأثر: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فمن انتظر من جميع الناس على اختلاف ظروفهم وأوضاعهم تحقيق الصورة المثلى للإسلام فقد أراد أمراً ليس من السهل إدراكه ولولا تفاوت مراتب العبادات والطاعات لما تباينت درجات المؤمنين في الجنة، فطاقات الناس مختلفة، وقدراتهم متباينة، وكل ميسر لما خُلق له .
5- معرفة أسباب اختلاف الفقهاء من السلف رضوان الله عليهم، وهذا مما يساعد على التقليل من أسباب الاختلاف في الوقت الحاضر، ويبعث على التحلي بآدابه، وفهم تلك الأسباب ومدى موضوعيتها ليكون ذلك من بواعث التمسك به أدب الاختلاف فإنهم حين اختلفوا، إنما اختلفوا الأسباب موضوعية، وكانوا جميعاً مجتهدين، وكان كل واحد منهم في طلب الحق كناشد ضالة لا فرق لديه بين أن تظهر تلك الضالة على يديه أو على يدي سواد.
٦- معرفة الأخطار الهائلة والتحديات الخطيرة والخطط الماكرة التي يعدها أعداء الإسلام للقضاء على الطليعة المؤمنة التي تحمل لواء هذه الدعوة وهو من الأمور المفيدة في حمل المسلمين على التمسك بآداب الاختلاف، وليس في حساب الأعداء أبداً أن تفلت هذه الطليعة من بدها إن استطاعت فئة دون أخرى، فالمهم هو القضاء على العاملين للإسلام على اختلاف مذاهبهم وتباين وجهات نظرهم، وهذا يجعل إثارة أي اختلاف بين المسلمين أو تنمية أسبابه أو تجاوز آدابه خيانة عظمى لأهداف الأمة وجريمة كبرى في حقها لا يمكن تبريرها أو الاعتذار عنها بحال.
7- وقبل هذا وبعده، لا مناص من التزام تقوى الله في السر والعلن وابتغاء رضاه في حالتي الوفاق والخلاف مع الحرص على فقه دين الله والتجرد عن الهوى والبعد عن نزغات الشيطان، ومعرفة سبل إبليس والحذر من شراكه، وحسب الأمة ما لقيت وعانت وقد آن الأوان لتثوب إلى رشدها وتستنير بكتاب ربها، وتعض على سنة نبيها بالنواجذ ولعل الله يكتب إنقاذ الأمة على أيدي هذا الجيل من أبنائه البررة إذا صدقوا النية مع الله واتخذوا من السبل ما هو كفيل بقيادة الركب نحو شاطئ الأمان، بعد أن طال ليل التيه والضلال.