; الطالبان في مأزق.. وشبح التقسيم يخيم على أفغانستان | مجلة المجتمع

العنوان الطالبان في مأزق.. وشبح التقسيم يخيم على أفغانستان

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996

مشاهدات 45

نشر في العدد 1225

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 12-نوفمبر-1996

* صراع المصالح يزداد اشتعالًا بين القوى الإقليمية والدولية على حساب الشعب الأفغاني

تبدو حركة الطالبان الأفغانية التي سيطرت على العاصمة كابل في 27 سبتمبر الماضي بعد انسحاب القوات الحكومية منها، تبدو أنها وقعت في الفخ الذي نصبه لها القائد أحمد شاه مسعود حيث تقهقرت قوات الطالبان إلى الوراء من شمال كابل بعد تكبدها خسائر فادحة، وبجانب هذا الفشل العسكري تعاني حكومة الطالبان من الجبهة السياسية عدم الاعتراف الدولي الرسمي لها، حتى باكستان التي تقف معها بقوة لم تعلن اعترافها الرسمي بحكومة الطالبان، كذلك فشلت الطالبان في ضم القوى السياسة الأخرى في صفها، مما يجعلها تواجه وحدها التحركات السياسية المناوئة لها في الشمال.

كل هذا يجعل الطالبان في مأزق خطير وينذر بانتشار المعارك في أكثر من جبهة ضد الطالبان قبل حلول الشتاء، كما يحمل في طياته شبح التقسيم المخيم على الأجواء الأفغانية بعد مواجهة الطالبان البشتون ضد خصومها الطاجيك والأوزبك والشيعة على طول سلسلة جبال الهندوكوش.

هزائم الطالبان... لماذا؟

في محاولة لفهم أسباب وأبعاد فشل الطالبان في الحسم العسكري ضد القوات الحكومية المنسحبة نحو الشمال بقيادة أحمد شاه مسعود وكذلك الحفاظ على مكاسبها العسكرية شمال كابل نجد أن الأسباب التالية لعبت دورًا أساسيًّا وهي:

السبب الأول: عدم إنشاء تحصينات عسكرية في المناطق التي وقعت تحت سيطرة الطالبان في شمال العاصمة، وكانت قيادة الطالبان العسكرية تظن أنه باستغلال نشوة النصر لدى مقاتليها تتمكن من القضاء الكامل على القوات الحكومية التي تعيش حالة الهزيمة النفسية.

ومن هذا المنطلق، تقدمت نحو أكثر من 100 كم نحو الشمال إلى أن توقفت أمام مدخل وادي بنجشير حيث عسكرت قوات مسعود، وكذلك توغلت نحو ممر سالنج الاستراتيجي دون مقاومة تذكر، وفي كل هذه المسيرة لم تعمل على إنشاء تحصينات عسكرية دفاعية وتصفية جيوب محتملة للقوات الحكومية، ونزع السلاح من الأهالي، مما جعلها تعيش في غابة من الأعداء شنوا هجماتهم على قوات الطالبان من كل جانب، مما أدى إلى وقوع خسائر فادحة في صفوف الطالبان حيث ذكرت مصادر محايدة أن قوات مسعود أسرت أكثر من 400 فرد من الطالبان وقتلت أكثر من 200 منهم.

العامل العرقي

السبب الثاني في هزيمة الطالبان شمال كابل هو العامل العرقي الذي لعب دورًا كبيرًا في إثارة الدوافع القتالية لدى مقاتلي مسعود، وأوجد تعاطفًا شعبيًّا في تلك المناطق مع القوات الحكومية ضد الطالبان ذات الأغلبية البشتونية، كما أن سياسات الطالبان المتشددة ضد المرأة وإغلاق مدارس البنات لعبت دورها في دفع المواطنين للاحتماء بمسعود.

- والسبب الثالث: عدم الفهم الصحيح لشخصية مسعود العسكرية والاستراتيجية، حيث ظنت الطالبان أن انسحاب مسعود من كابل كان هروبًا أمام زحف الطالبان العسكري، وأنه لا يستطيع الاستمرار في المقاومة، فمسعود يمتلك خبرة عسكرية ضخمة عمرها أكثر من عشرين سنة منذ قيادته لحرب العصابات ضد الرئيس داوود خان في 1975، مرورًا بمقاومته الشرسة ضد هجمات الجيش السوفيتي في بنجشير إلى اليوم.

وهكذا يبدو أن مسعود بانسحابه التكتيكي جر الطالبان وراءه حتى أوقعها في الفخ الي نصبه لها، وأثبت بذلك قدرته على المناورة العسكرية، وكسب ثقة أكبر لدى أبناء شعبه من الطاجيك.

والسبب الرابع: هو أن الطالبان كانت تفكر في أن الجنرال عبد الرشيد دوستم الذي يسيطر على سبع ولايات شمالية، لن يتحالف مع مسعود نظرًا لخلافتهما السابقة، وحاولت كسب تأييد دوستهم وعقد تحالف عسكري معه، غير أن حسابات الطالبان خرجت خاطئة، وفشلت جميع الجهود المبذولة في هذا الإتجاه، حتى تلك التي بذلتها باكستان لتحقيق مثل هذا التحالف.

وبالعكس، تحالف دوستم مع مسعود حيث وقعا بجانب حزب الوحدة الشيعي «خليلي»، يوم 10/ 10 الماضي في مدينة خنجان شمال ممر سالنج على تحالف عسكري وإنشاء جبهة الدفاع عن الوطن، يقضي بالدفاع المشترك عن الأراضي الأفغانية ضد التدخلات الخارجية في إشارة إلى تدخلات باكستان، وحل الأزمة الأفغانية عن طريق سياسي.

وعمليًّا قام دوستم قبل التوقيع على التحالف العسكري مع مسعود بمساعدة قوات مسعود لشن هجمات على قوات الطالبان في سالنج، كما التقى مع الرئيس رباني في نزار شريف.

وفي الجانب السياسي، نجد أن فشل الطالبان في كسب اعتراف دولي يعد هزيمة سياسية كبيرة، إذ وبعد مرور أكثر من 20 يومًا من السيطرة على كابل، لم تعترف دولة واحدة بحكومة الطالبان، حتى باكستان التي تدافع عنها في المجامع الدولية، وتسعى لطمأنة الدول المجاورة من تخفيف خطر الطالبان لم تعلن عن اعترافها الرسمي للطالبان، ويبدو أن الجميع كان ينتظر حسمًا عسكريًّا للطالبان على قوات مسعود، أما ولم يحدث هذا، فمن الصعب الاعتراف الرسمي بهذه الحكومة.

هذا وقد تسببت سياسات الطالبان المتشددة في فرض قوانين صارمة بالنسبة لعمل النساء، وتعليم المرأة، وغلق مدارسهن، تسببت في غضبة عالمية، كما واجه العالم إعدام الرئيس نجيب الله بتوجيه انتقادات شديدة للطالبان.

شبح الحرب العرقية

أدت سيطرة الطالبان ذات الأغلبية البشتونية على العاصمة كابل، إلى تقارب القوى في الشمال الأفغاني، رغم خلافاتها العميقة، حيث قام كل من مسعود ودوستم وخليلي زعيم حزب الوحدة الشيعي، بالتوقيع على تحالف عسكري في 10/ 10 في مدينة خنجان، ثم التقى الأطراف الثلاثة، ومعها القائد إسماعيل خان الذي يعيش في إيران حاليًا، والتقوا قرب ممر سالنج في 14/ 10 الماضي، لوضع استراتيجية جديدة لمواجهة الطالبان في كابل قبل حلول الشتاء، فمسعود الطاجيكي خاض معارك شديدة ضد دوستم الأوزبكي في كابل، وخارجها، وخاض كذلك معارك شرسة مع حزب الوحدة الشيعي، قرب كابل، وفي باميان، لكن اليوم يجلس حول مائدة واحدة للاتفاق على استراتيجية واحدة لمواجهة الطالبان ذات العرق البشتوني، وهذا بحد ذاته دليل واف لدفع أفغانستان نحو هاوية التقسيم على أساس عرقي.

وحاليًا يقف المحورالروسي الإيراني، مع بعض دول آسيا الوسطى والهند خلف التحالف الثلاثي القائم في الشمال، ويرجع هذا أساسًا لمخاوف كل من هذه الدول من قيام حكومة الطالبان في أفغانستان، فروسيا ودول آسيا الوسطى تخاف من انتشار الأصولية الإسلامية، كما تخاف روسيا من أن نجاح الطالبان في السيطرة على أفغانستان يفتح الطريق للمحور الأمريكي الباكستاني نحو أسواق آسيا الوسطى، ومنافسة روسيا على خيراتها من النفط والغاز، كما تخاف إيران بدورها من وجود حكومة سنية متشددة تقع كأداة ضغط عليها من قبل أمريكا. أما الخوف الهندي فمصدره أن باكستان تجد عمقًا استراتيجيًّا أمام الهند، وتتفرغ أكثر للمشكلة الكشميرية، وتدعم اقتصادها بغزو أسواق آسيا الوسطى.

وأما باكستان وأمريكا، التي يقال: إنهما وراء دعم الطالبان لأسباب سياسية واقتصادية، من الممكن جدًّا استمرارهما في دعم الطالبان في الحفاظ على مكاسبها العسكرية، وهذا الوضع كفيل أن يدفع البلد نحو معارك جديدة على طول سلسلة جبال الهندوكوش التي تفصل الجنوب البشتوني عن الشمال الطاجيكي والأوزبكي.

ومن المتوقع جدًّا أن يقوم القائد إسماعيل خان والي هيرات سابقًا، بالهجوم المشترك مع قوات دوستم على المناطق الغربية من أفغانستان؛ نظرًا لانشغال الطالبان في جبهة كابل، وهذا بالطبع يتطلب دعمًا إيرانيًّا، مما يجعل باكستان ودول أخرى تدعم الطالبان للتدخل أكثر في أمور أفغانستان.

وبهذا تقوم القوى الإقليمية والدولية بتصفية حساباتها في أرض أفغانستان ويدفع الشعب الأفغاني من دمائه وأبنائه الكثير لتحقيق مصالح الآخرين دون أن يجني من وراء ذلك إلا الدمار.

الرابط المختصر :