; لقاء المجتمع مع الأستاذ ياسين عمر الإمام رئيس هيئة مجلس الشعب القومي السوداني وحوار حول الأحداث السياسية في السودان | مجلة المجتمع

العنوان لقاء المجتمع مع الأستاذ ياسين عمر الإمام رئيس هيئة مجلس الشعب القومي السوداني وحوار حول الأحداث السياسية في السودان

الكاتب خالد إدريس

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1984

مشاهدات 66

نشر في العدد 670

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 08-مايو-1984

  • بعض البلاد الأخرى في حالة طوارئ مستمرة دون الإعلان.
  • فشل الاتحاد الاشتراكي في استيعاب مرحلة التحول نحو الإسلام.
  • لم تدخل أي قوات مصرية لأرض السودان.
  • لا أحبذ حالة الطوارئ لأن الإسلام ينتشر في الظروف العادية.
  • للطوارئ مبررات وهي سرعة البت في إزالة العوائق أمام مصلحة المواطنين.

لقد طرأت على الساحة السياسية بالسودان وفي الآونة الأخيرة أحداث تترى... ولما كانت قرارات الشريعة الإسلامية تمثل المحور الأساسي لذلك والتغير الذي ساهم في تنشيط الاتجاهات المؤيدة وغير المؤيدة لهذه الخطوات في آن واحد، فقد كان للمجتمع اللقاء التالي مع أحد أبرز العاملين في الحقل الإسلامي، وهو الأستاذ ياسين عمر الإمام، رئيس مجلس إدارة صحيفة الأيام اليومية سابقًا، ورئيس هيئة مجلس الشعب القومي السوداني، وذلك حول ما جرى على الساحة السودانية منذ إعلان أحكام الشريعة الإسلامية وحتى إعلان الأحكام العرفية.

  • المجتمع: ما مدى توجه الحكومة نحو تحقيق الإسلام في الجوانب المختلفة للدولة؟ وماذا تم من إنجاز في هذا المضمار؟

- نحن لا نهتم بتوجهات الدولة بقدر ما نهتم بما صنعته وقامت به، وبفضل الله سبحانه وتعالى قامت في السودان تشريعات إسلامية تعتبر بداية لتأسيس دولة مسلمة بالسودان، وقد أقر مجلس الشعب السوداني عدة قوانين إسلامية منها القانون الجنائي، والمدني، وقانون المعاملات، وأصول الأحكام والإثبات، كما بدأت التغيير في القوانين المالية بإقامة قانون الزكاة.

كما ظهر بصورة جلية وواضحة محاربة الموبقات، وهو أحد المظاهر الاجتماعية؛ حيث انخفضت معدلات الجريمة ومظاهر الفساد.

ونرجو بإذن الله أن يكون السودان منارة للإسلام في المنطقة الإفريقية والعربية.

  • المجتمع: يرى البعض عدم جدية الدولة في الاتجاه الكامل نحو الإسلام بدلالة عدم تغيير بعض المسئولين ذوي الماضي غير النظيف، إضافة إلى البطء في تنفيذ بعض الجوانب الأخرى؟

- لا أدري ماذا يقصد بعدم الجدية؟ ذلك أن في المؤسسات والتشريعات يسير العمل فيها بجدية، وقد تمت أسلمة البعض منها مما يدل على أن الإسلام ليس شعارًا سياسيًّا فقط، بل تبعه عمل وتطبيق.

ومن ناحية أخرى فإن إبادة الخمور بما يساوي من ملايين الجنيهات يعتبر دليلًا على الجدية، إضافة إلى تطبيق بعض الحدود وعلى أشخاص في مواقع المسئولية.

  • المجتمع: مما يؤخذ دليلًا على عدم الجدية: أولًا: احتفاظ الرئيس نميري بعدد ممن حوله والذين كان لهم ماض معروف. وثانيًا: ملاحظة وقف تنفيذ الحدود منذ بدايتها في الأيام الأولى، فما رأيك؟

- المعروف أن أي بلد لا بد أن يكون به أشخاص غير أمينين، وعندما أعلنت التشريعات الإسلامية حتمًا أن يكون هناك من لا يرغب بها. كما أن التباطؤ في تنفيذ هذه التشريعات موجود من قبل البعض الذي لم يقتنع بها.

ثم كم هو تاريخ السودان في هذه التشريعات؟ إن تنفيذ قانون واحد كقانون المرور مثلًا يحتاج إلى عدة سنين لكي يكتمل تطبيقه وتصح وتستقر تجربته، فكيف تتغير أوجه كثيرة ومتعددة عن شرائع ووسائل الدولة بأكملها في غضون ستة أشهر. إن تدريب العاملين لتطبيق حد السرقة قد أخذ عدة أشهر لكي يتم تدريبهم وتعليمهم... أما حد الخمر فقد تم تطبيقه في عدد كبير من الأشخاص، أما قانون الزنا فمن الصعب إثباته، والمسئولون لا يزالون يقومون بواجبهم في تقدم سير هذه التشريعات.

ومن أبرز ما حدث في بداية هذه الفترة ولم يكن له مثيل في التاريخ الحديث هو جمع كل السجناء والمجرمين في السجون بالسودان وإبلاغهم بأنهم حوكموا تحت ظل قانون غير إسلامي، ثم إطلاق سراح ١٣ ألف سجين لكي يبدءوا حياتهم من جديد، ومن عاد يحاكم بشرع الله.

ورغم ذلك فقد نقصت معدلات الجريمة إلى ما يقارب ٤٠٪ وهو رقم قياسي عالمي.

  • المجتمع: حول الأوضاع السياسية عامة فإن وكالات الأنباء تسوق أخبار الاضطرابات والتنمر وما إليه... فما هو حقيقة ما يجري في الساحة السودانية وتقييمك له؟

- أولًا: يجب أن نسأل أنفسنا من أين تأتي هذه الأخبار؟ ومن الذي جمعها وقيمها لأن الخبر يقيمه المصدر وموقفه من الجهة التي أخبر عنها. إن مثل هذه الأخبار تأتي من جهتين: إما الإعلام الغربي النصراني، أو الشرقي اليساري، ولكل منهما أسباب عداوته وهو البعث الحضاري الذي يقوده السودان في العالم الثالث، وهذا اختلاف فكري وليس عنصريًّا أو غيره ضد الحضارة الإسلامية في الظهور مرة أخرى بعد أن كان العالم الإسلامي عبارة عن بقرة حلوب يستفاد منها ويسهل قيادتها من الحضارة الأخرى... فالسودان اليوم قد بدأت خطواته نحو التخلص من ربقة الحضارة الغربية، مما ينبه الدول الأخرى ويحرضها... خاصة وأن ممارسة عملية للفكر الإسلامي قد بدأت في الظهور.

ومن جانب آخر فإن السودان يقود متغيرات اقتصادية وهي النظام اللاربوي، وقد نجح نجاحًا باهرًا جدًّا؛ إذ توجد أربع بنوك إسلامية «قطاع خاص» وبنكان إسلاميان سيتم افتتاحهما في الأيام القليلة المقبلة، وهناك أيضًا أربع بنوك إسلامية «قطاع عام»، وقد بقيت حتى الآن أربع بنوك حكومية لم يكتمل تغييرها الكامل إلى النظام اللاربوي وهي في طريقها لذلك الآن... وطبعًا هذا المعدل لا يوجد له مثيل بالعالم اليوم.

إن خطر هذا العمل على الاقتصاد الغربي كبير جدًّا؛ لأن كل رءوس الأموال الإسلامية والعربية والتي كانت متجهة نحو الغرب ستغير وجهتها للاستثمار في إطار الاقتصاد الإسلامي بعد أن ثبت نجاح عائده.

أما الاضطرابات في السودان فتوجد بكثير من الدول الأخرى اضطرابات مثل بريطانيا وألمانيا وأمريكا وفرنسا، حيث تقف خطوط مواصلات ومصانع ومؤسسات عن العمل، وهو أمر يسير طبيعيًّا ولكنه إذا حدث في السودان يعتبر فشلًا!

أما عن وقوع أحداث عنف في جنوب السودان فإن أعمال العنف تقع في قلب المدن حاليًا وفي إيطاليا وفي بلاد أخرى كثيرة مع مقدرة تلك البلاد وإمكانياتها في محاربة الجريمة مقارنة بالسودان، فلماذا تعتبر شاذة في السودان.. إضافة إلى أن أعمال العنف في جنوب السودان استمرت إلى قريب العشرين سنة قبل الوحدة الوطنية، فلماذا لم يهتم الحديث عنها إلا هذه الأيام؟! ثم إن تصوير أي خلافات أو اضطرابات بين قبائل داخل السودان بالصورة السياسية يعتبر أمرًا طبيعيًّا من قبل الأعداء.

فلسودان حدود ضخمة لعدة دول مجاورة تحكمها أنظمة معادية للإسلام... ووفق هذه المعطيات لماذا تستنكر وقوع أعمال عنف في السودان كل هذا الاستنكار! وفي اعتقادي أن لذلك سببًا وهو شن حملة عالمية إعلامية واقتصادية لكل الدول الكبرى في العالم بسبب التغيرات الإسلامية، وفي تقديري أن ما يحدث في السودان من أحداث أمر طبيعي بالنسبة لدولة في العالم الثالث واسعة الرقعة وضعيفة الإمكانيات ومتباينة القبائل.

  • المجتمع: بمناسبة الضغط الخارجي نلاحظ أن التقارب بين السودان وأمريكا لا زال قويًّا، مع اقتناعنا بعدم موافقتها للتشريعات الإسلامية إن كانت صحيحة مما يثير الظن بأن أمريكا مقتنعة بعدم جدية وصحة هذه الإجراءات، فما هو تحليلك لهذا الرأي؟

- يوجد لبعض الدول العربية علاقات قوية مع أمريكا أكثر عشرات المرات من علاقة السودان... أما عن إرسال طائرة الأواكس للسودان فإنها قد جاءت لعدة دول عربية أخرى. ثم إن أمريكا كدولة كبرى تحافظ على أمنها الدولي والإقليمي ولها صراع مع قوى أخرى، لذلك فإن مجيء الأواكس للسودان لا يعني تأييد أمريكا للشريعة الإسلامية، وإنما المحافظة على العلاقات مع السودان رقم واقعه الجاري، وذلك ضمن استراتيجيتها ومعادلاتها الأمنية والسياسية.

أما المساعدات التي تقدمها للسودان فلكي لا يقع في أيدي غيرها مثل روسيا... ولكنها لا ترغب فيما يجري بالسودان وتتوقع في أي لحظة قيام أي متغير معاكس لما يجري، وذلك بالضغط على الرئيس نميري أو بالضغط الاقتصادي كوقف أعمال شركة شغيرون للتنقيب بالسودان، والتي رفضت توفير حماية أمنية لها داخل السودان، وهو أمر يثير الشك... وقد حدثت نفس العملية من الفرنسيين في قناة جنقلي... ولذلك فإن أمريكا تتعامل وفق الاحتفاظ على مصالحها، ولكن يجب أن تعرف أن الإسلام هو رغبة الشعب السوداني المسلم، ويجب أن تتعامل معه وفق ذلك... كما أننا نرجو أن نكون إخوة داخل السودان مسلمين وغير مسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة: ٢٥٦). كما أن الشعب السوداني لن يرضى بأي ضغط ومحاولات ضد عقيدتنا، ولكن إذا كانت هناك محاولات لتغيير شرعنا ومسارنا فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي... وسيقبل الشعب السوداني الربط على بطنه بالحجر وتحمل الضغط دفاعًا عن عقيدته وفي سبيل دينه، ولا يمكن أن يثنيه عن ذلك ضغط اقتصادي أو عسكري.

ويجب أيضًا أن نتساءل: لماذا يعمل الإعلام الأمريكي ضد السودان ويذيع أخبارًا غير سليمة وتعتبر الشريعة الإسلامية أمرًا غير إنساني، فما الغرض من ذلك؟!

  • المجتمع: ولكن نجد أن تدريب القوات السودانية على أيدي الأمريكان لا تزال قائمة ومكثفة؟

- نعم، التدريب قائم... وقد كان الجيش السوداني من قبل يتدرب في روسيا... وهنا أيضًا يجب أن نعلم أن إعلان دولة إسلامية لا يعني انقطاعها عن العالم، بل يجب أن تكون هناك علاقة مع أمريكا أو روسيا أو بريطانيا أو غيرهم من الدول: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: ٨). إننا أصدقاء من لم يحارب ديننا أو يتعرض لأرضنا أو يمس سيادتنا، ونعامله بالمثل... بل ونتعامل معه اقتصاديًّا وعسكريًّا ضمن المواثيق والأعراف الدولية العادلة.

  • المجتمع: هل دخلت قوات مصرية للسودان؟

- لم تدخل قوات مصرية للسودان أبدًا... ولكن الذي دخل فقط هم خبراء فنيون عسكريون قدموا للسودان بعد ضرب إذاعة أم درمان... وذلك ضمن اتفاقية الدفاع المشترك؛ إذ يوجد اتفاقية عسكرية عربية واتفاقية عسكرية ثنائية مع مصر.

  • المجتمع: لماذا قانون الطوارئ الذي أعلنه الرئيس نميري مؤخرًا؟ وما هي الدوافع والأهداف؟

- المفروض أن تفهم دوافع وأهداف إعلان قانون الطوارئ من نفس الخطاب الذي أعلن فيه القانون وما أورده الرئيس نميري من أنها قرارات استثنائية لإجراءات سريعة؛ لأن القانون يمنحه بها سرعة البت... وقد اتبع هذا القرار إجراءات وتغييرات واسعة في المناصب السياسية والإدارية بالدولة، وكان بعض هذه التغييرات هامًّا جدًّا واستراتيجيًّا في سبيل التهيئة لسرعة تنفيذ القرارات الإسلامية وإبعاد الشخصيات غير المؤمنة بذلك والمعطلة للكثير من خلال مواقفها الهامة... وأعتقد أن هذه خطوة لا بأس بها إذا ما تبعها إصلاح، وقد صرح الرئيس نميري في خطابه عن وجود نوع من التواكل والتباطؤ في توفير قوت المواطنين، إضافة إلى التهريب والغلاء، مصطنعًا كان أو نتيجة التضخم العالمي، هذا إضافة إلى المؤامرات والدسائس التي تحاول بعض الدول بواسطة الإعلام أو بواسطة أفراد أن تحيكها ضد مصلحة البلاد.

ولذلك فإن قانون الطوارئ قد فرض لصالح حقوق المواطن العادي، وليس ضده ولا ضد الشريعة الإسلامية، كما لا يعني تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بالقوة، وإنما لتهيئة المناخ الملائم لها ومن أجل حث الأجهزة الإدارية والتنفيذية لاستيعاب هذه القوانين وتطبيقها بالوجهة الأصح، ولعل ذلك كسرًا للحجب والحواجز التي كانت تقف أمام التطبيق في مناطق السودان المختلفة بعد أن حدد الرئيس فشل التنظيم السياسي في استيعاب المرحلة، كما أشار إلى رغبته في الإسراع بالأمة السودانية نحو تطبيق أحكام شرع الله تطبيقًا حقيقيًّا وسليمًا، وحتى لا يقف أمامه الأعداء أو المترددون.

  • المجتمع: نتيجة للممارسات السابقة لقانون الطوارئ وما يمنحه من سلطات زائدة للسلطة، فقد تولد لدى الشعوب في مناطق العالم المختلفة استياء إزاء إعلانها وموقف ثابت ضدها... ألا ترى بأن الدوافع والأهداف التي ذكرتها يمكن تطبيقها دون إعلان حالة الطوارئ؟

- هنالك بلاد وضعها العادي هو حالة طوارئ دون إعلان الطوارئ؛ حيث تنعدم الحريات وحق انتقاد الحاكم وحق الإضراب، ومن تجرأ على ذلك في بعض البلاد العربية أو ضمن بلاد العالم الثالث لا يسمع له حس ثانية ولا يعرف مكانه... ومع ذلك لم يتحدث أحد عن هذه البلاد ولم ينتقدهم أحد، ولذلك فإن بعض الأنظمة تمثل حالة طوارئ دائمة.

أما في السودان فتوجد إضرابات ونقد، وأما حالة الطوارئ الأخيرة فهي حالة استثنائية... وطبيعي أن أي شيء استثنائي غير مقبول، وأن هناك تصورًا معينًا ضد الطوارئ نتيجة السلطة، ولكن الطوارئ الزائدة الممنوحة للأمن في السودان كما تم إعلانها تعطي الحق إذا استوجب الأمر، وليس بصورة عامة وشاملة، وأنا شخصيًّا لا أحبذ حالة الطوارئ لاعتقادي بأن الإسلام ينتشر دائمًا في الظروف العادية... ولكن الهجمة الإعلامية والاستعمارية والتسلل الذي يحدث داخل السودان الواسع يحتاج إلى سرعة البت... ويتوقع طبعًا استغلال بعض الأفراد لذلك، وقد حدثت بعض حالات الاستغلال من بعض الأفراد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل بعض عماله لجباية الزكاة؛ لأن تربية الإنسان وتزكيته لا يمكن أن تتم في خلال أشهر قليلة، ولكن بعد أن يأخذ حقه لفترة من الزمن. ولا أطالب بالاستمرار في هذه الحالة، ولكن أقول بأن هناك مبررات لذلك، وإلا كانت الخطوة خاطئة بغير مبررات.

  • المجتمع: وفي الختام نتقدم بوافر الشكر للأستاذ ياسين عمر الإمام لتفضله بالإجابة الصريحة لما يجري داخل السودان وحول حالة الطوارئ على وجه الخصوص.
الرابط المختصر :