العنوان خطبة الوداع .. دستور حياة (١).. حرمة النفس الإنسانية
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2010
مشاهدات 75
نشر في العدد 1923
نشر في الصفحة 52
السبت 16-أكتوبر-2010
خطبة حفظت للإنسان إنسانيته واعترفت بحقه في الحياة والأمن والحب
والعدل
الكاتب البريطاني «هربرت ولز»: أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل
العادل الكريم كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ
خطبة حجة الوداع.. خطبة جامعة تصلح أن تدرس لكل الأجيال، نستلهم منها
الفكر ونخرج منها بالعبر ونتخذها دستورا في الحياة، فلقد خلدت حروف كلماتها وحفظت
سطورها على مر الزمان وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وحق لها أن تخلد
وتحفظ، فقد خرجت إلى الوجود على لسان خير الخلق إيمانًا، وأطهرهم قلبًا، وأصدقهم
قولًا: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ (النجم:٣).
فلا عجب إذا أن تحفظ وتتناقلها الألسنة على مر العصور، وتجمعها بطون
كتب السيرة المحفوظة بأمر الله تعالى لتتحقق معجزة الحفظ لهذا الدين الخالد وتظهر
مزاياه العظيمة مهما حاول المغرضون أن يبيدوا معالمه، أو يطمسوا نوره، فهو سبحانه
وتعالى القائل في كتابه: ﴿... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ﴾ (۳) (التوبة)، فهي إذا حروف النور التي ينير الله بها للبشرية طريق
الهداية ويهديها من خلال العمل بها لخير سبيل في الدنيا والآخرة.
ومن تتبع كلمات هذه الخطبة العظيمة وجدها تمثل خير دستور لحفظ الحقوق
وأحسن دليل لرعايتها وأفضل سبيل لأدائها، وذلك لو كان للبشرية نصيب من اتباعه بجد
وأخذ تعاليمه بقوة واستيعاب دروسه بفهم.
وقد بهرت كلماتها بعض المنصفين من غير المسلمين، وذلك لمحتواها
ومضمونها العظيم مما دفع الكاتب البريطاني «هربرت جورج ولز» أن يقول عنها: «إن أول
فقرة فيها تجرف أمامها كل ما بين المسلمين من نهب وسلب ومن ثارات ودماء، وتجعل
الفقرة الأخيرة منها الزنجي المؤمن عدلا للخليفة .. إنها أسست في العالم تقاليد
عظيمة للتعامل العادل الكريم وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم، كما أنها إنسانية
السمة ممكنة التنفيذ، وإنها خلقت جماعة إنسانية يقلل ما فيها مما يغمر الدنيا من
قسوة وظلم، عما في أي جماعة أخرى سبقتها..» (هربرت جورج ولز: معالم تاريخ
الإنسانية، ٣ / ٦٤٠، ٦٤١).
حروف خالدات.. وكلمات بينات
وقد حج النبي لله صلى الله في العام العاشر من الهجرة الشريفة، فخرج إلى
مكة حاجا في موكب مهيب عظيم، يضم تحت لوائه أشرف الناس وخيرهم من الصحابة رضوان
الله عليهم وأحبهم إلى الله، خرج في مائة ألف أو يزيدون، وهم جميعاً تبع له ،
ولسان الحال يوحي بالاتباع والاقتداء له، ويُشعر بالانقياد والامتثال لأوامره..
خرج من حرم المدينة المنورة مأرز الإيمان ومأوى العقيدة حيث حرم مكة الذي ينبض
بحياة التوحيد وينبلج عن نور الهداية، وقد أزيلت معالم الشرك من حول الكعبة بعد ما
انزاحت عن القلوب.
خرج نبينا ﷺ إلى أطهر البقاع وأزكاها وأحبها إلى الله، يصحبه في
مسيرته أطهر الحجاج قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وسبحان الله! لكأن بين تلك القلوب
المؤمنة الطاهرة وبين أرض مكة المكرمة تشابها عجيبًا.. فكلاهما طاهر، وكلاهما
مكرّم، وكلاهما حرام، وهذا ما بينه النبي ﷺ في خطبته الجامعة إذ قال: «إن الله قد
حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا».
خطب النبي ﷺ في الناس في خير أيام الله .. يوم عرفة .. وأكد ما قاله
بعرفة وأعاده على مسامعهم في خطبة يوم النحر، فكانت بحق خطبة الكمال والتمام، خطبة
حفظت للإنسان إنسانيته واعترفت بحقه في حياة الأمن والحب والعدل والحياة.
حرمة النفس الإنسانية
وقد وضع النبي ﷺ في خطبته تلك دستور الحياة الإنسانية الكريمة، فبين
أن للإنسان حقه في العيش الكريم والحياة الآمنة المستقرة وأعلن ذلك في تلك الحجة
المباركة، وبلغه على رؤوس الحجاج مع حضور جند الله من الملائكة الكرام يشهدون
المباهاة من الله بحجيجه، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وألقى خطبة البلاغ من غير
تقصير منه يشهد على ذلك رب الأرض والسماء الكبير المتعال «اللهم فاشهد»، ودعا
الشاهد منهم ومن سمع أن يبلغ الغائب ليتم البلاغ.
ووضع نبينا ﷺ بنود هذا الدستور العظيم ووثيقة الحقوق الإنسانية قبل أن
تدعو إليها منظمات حقوق الإنسان الحديثة وهيئاتها المختلفة، ليكون للإسلام الفضل
والسبق في كل ما هو جميل في دنيا الناس على مر العصور والأزمان فالنفس الإنسانية
نفس مكرمة عند الله تعالى؛ إذ وهبها الحياة وسخر لها الكون بما فيه، وأرسل لها
رسله لتتحقق الهداية المرجوّة ورزقه ورعاه وكفاه وآواه قال تعالى: ﴿۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ
مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:٧٠)، نعم فلقد كرمه بغض النظر عن كفره أو شركه أو شذوذ
الاعتقاد إن وجد، أو الميل عن الحق إن حدث، كرمه تفضلا منه، وترك له حرية الاعتقاد
بعد أن هداه النجدين وبين له طريق الخير والشر، وقال في كتابه الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، فالإنسان كرم لأنه أولاً إنسان والإنسانية وصف لكل من
يحمل بين جوانحه نفسا تحترم حق غيرها في الحياة الكريمة، وتنأى به عن الإثم
والعدوان فإذا ما اختفت هذه الصفة الجميلة، وزالت تلك القيمة العظيمة صار الناس كالوحوش
في ضراوتهم أو أشد، وزال استحقاقهم الكرامة من الله تعالى لهم؛ لذا فقد حث الله
تعالى عباده على أن يحيوا تلك القيم العظيمة في عالمهم الإنساني، فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ﴾ (المائدة:٢)، وبين أن الناس كلهم لآدم تربطهم علاقة الإنسانية التي
تدعوهم إلى التعارف والتعايش بلا غين ولا ظلم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:١٣)، كما نهانا أن يكون اختلاف الدين سببًا أو عاملًا من
عوامل حمل الناس على ظلم بعضهم بعضا أو سفك دمائهم بغير حق، فقال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتقسطُوا
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:٨)، فلا عدوان إلا على المعتدين، وهو مع ذلك عدوان عادل
غير ظالم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ
وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ (النحل:١٢٦)، فما دام الميزان بين الناس قائما بالقسط فلا مجال
للظلم، وما دام العدل بينهم يضبطهم فقد أمنوا الوقوع في التطفيف والإثم.
وتخيل لو أن الحبيب ﷺ كان يعيش بيننا الآن ويرى ما يحدث من قتل للنفوس
جماعات وفرادى، وإزهاق للأرواح بحق وبغير حق في هذا العالم الذي يموج بفتن كقطع
الليل المظلم الشبيه بغابة الوحوش حيث يأكل القوي الضعيف ويطغى عليه، وقد غاب عنه
الكثير من قيم الإنسانية العالية حيث الكيل بمكيالين رغم ما يربط الناس من عهود
ومواثيق قد كتبت على سطور الورق وحفظت تحت مسميات لامعة، لكنها أبعد ما تكون من
التطبيق العادل الذي لا يفرق بين قاهر ومقهور أو غالب ومغلوب، ولا يُنصف المظلوم
من ظالمه أو يُعاد له ما سلب من الحقوق التي غاب معظمها من قاموس الحياة وتبدل،
وقد قال لنا ﷺ محذرًا :«لزوال الدنيا جميعا؛ أهون على الله من دم يسفك بغير
حق»(صححه الألباني).
أين حقوق الإنسان في واقعنا المعاصر؟
إن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس، حفظها من كل ما يقتل فيها
روح الحياة أو روح الإنسانية، لذا قتلها حرم بغير حق، قديماً وحديثاً،
فحرم وأد البنات وقتل الأولاد إذ كان شائعا في الجاهلية، لكننا للأسف عدنا من جديد
لوأد من نوع آخر وقتل بطريق مختلفة، ففي كل حين تطالعنا الصحف والأخبار بذلك،
فالإجهاض بات منتشرًا لا غضاضة فيه، بل ويطالب البعض به بالطرق القانونية التي لا
تدين مرتكبيه، مما جعل الحياة مهددة حتى داخل أرحام الأمهات.
ودعونا نتساءل:
هل تُحفظ النفوس من القتل بموجب حقوق الإنسان والحروب تستعر بفعل
الفاعلين ليل نهار لا ترحم صبياً ولا رضيعاً، ولا تبقي رجلا ولا تذر امرأة إلا وقد
شم رائحة الموت أو تذوقه؟!
وهل تحفظ النفوس من القتل وقد صار الفرد لا يأمن على نفسه وقد أعمل
الطغاة المحتلون والمتطفلون الطامعون سيوفهم وسلطوها على رقاب العباد وسددوا
خناجرهم في صدور من يحتج عليهم بحجة حماية الإنسان وحقوق الإنسان؟!
وهل تحفظ النفوس وقد باتت تجارة السلاح رائجة رابحة؛ إذ تربطها
المصالح وتحكمها الأهواء تتبادل بين الأقوياء بلا قانون أو ضابط، وبدلا من أن توفر
الأمن للناس صارت من أسباب الخوف والفزع؟!
وهل تحفظ النفوس إذا سلط عليها الظلم فوئد فيها الطموح، وأحاط بها
الجهل فعاشت ميتة وما نعمت بحياة؟!
وهل تحفظ النفوس إذا خيم عليها الفقر فاتخذ أصحابها من أرصفة الشوارع
مأوى ومن محل القاذورات مبيتا؟!
وهل تحفظ النفوس إذا ما حل الفقر بساحتها فمدت يدها لغيرها استجداء
وذلا، لا يجد أصحابها ما يقيم أودهم ويسد حاجاتهم الأساسية من مطعم وملبس ومسكن؟!
وهل تحفظ النفوس إذا ما كثرت السجون والمعتقلات مع غياب العدل، وأخذ الناس بالشبهة
حتى يصير البريء مذنبا حتى تثبت براءته، فيوأد حيا وتوأد معه إنسانيته تحت وطأة
التعذيب وهوان النفس وذل الأسر وثقل القيد؟!
وهل تحفظ النفوس إذا ما غيبت الحقوق وضيعت تحت شعارات براقة فتبدلت
الأدوار وعمّ الفساد في البر والبحر؟!
ألا إن حفظ النفس إنما يتحقق بكل ما يحييها من أسباب الحياة الكريمة
لكل إنسان على ظهر الأرض، و ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَاد في الأَرْضِ
فَكَأَنما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنما أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا﴾ (المائدة:٣٢).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل