العنوان خطط «إسرائيل» للهيمنة على العالم العربي
الكاتب الأستاذ أحمد عبد القادر محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1156
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-يوليو-1995
خرائط جديدة للمنطقة تسعى لتمزيق العالم العربي وهيمنة «إسرائيل» عليه
مؤرخون وباحثون إسرائيليون يتخوفون من تلاشي «إسرائيل» وانتهائها قبل منتصف القرن القادم
يعتقد الكاتب وضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق عوزي ما حنايمي أن عملية التسوية السياسية في منطقة الشرق الأوسط لا تشكل ضمانًا كافيًا لبقاء «الدولة العبرية» في المستقبل دون أن تواجه تحديات خارجية تنذر بانتهائها، ويقول ما حنايمي الذي أصدر مؤخرًا كتابًا باللغة الإنجليزية بالاشتراك مع بسام أبو شريف -مستشار رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات- بعنوان: «مجرب بالنار»: إن فرص بقاء «إسرائيل» في القرن الـ ٢١ لا تزيد على ٥٠ في المائة.
يعكس هذا القول حجم القلق الذي ينتاب كبار المسئولين والباحثين الإسرائيليين إزاء المستقبل الذي يبدو بالنسبة لهم غامضًا بالرغم من كل ما يملكونه من ضمانات بحوزتهم مثل التعهدات الدولية بحمايتهم وتزويدهم بالأسلحة، وقدرتهم على فرض هيمنتهم، في مقابل الضعف الذي يعتري خصومهم في المنطقة.
غير أن هناك من بين السياسيين الإسرائيليين من يعتقد أن بإمكان «إسرائيل» ليس أن تضمن بقاءها فقط بل وتفرض نفوذها الواسع على المنطقة بحيث تلعب دورًا رئيسيًا على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ويقود هذا الاتجاه وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز الذي يوصف بأنه «العقل المدبر» للمفاوضات العربية –الإسرائيلية- ويقف وراء غالبية المعاهدات والاتفاقات التي أبرمتها تل أبيب مع الأطراف العربية.
ويقول بيريز الذي تسلم عدة مناصب هامة سابقًا من بينها منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وزعامة حزب العمل إن قدرة «إسرائيل» على إيجاد تشابك في علاقاتها مع العرب تشكل العنصر الأبرز في قيام تعاون إقليمي في المنطقة لا تُستثنى منه تل أبيب كما كان يحصل سابقًا، وبيريز هو صاحب مشروع السوق الشرق الأوسطية، وأول مسئول إسرائيلي يدعو إلى انضمام «إسرائيل» إلى الجامعة العربية، على أن يتم تغيير اسمها لاحقًا.
وإذا كانت الدلائل الراهنة تشير إلى أن الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون جادون في إعادة صياغة المنطقة العربية جغرافيًا وسياسيًا، عبر إعادة ترتيب البيت العربي فإن كاتبًا بارزًا مثل محمد حسنين هيكل يعتقد بحزم أن هناك خريطة سياسية واقتصادية ترسم من جديد للمنطقة العربية ويقول إنها «أهم وأخطر من خريطة سايكس بيكو القديمة» مشيرًا إلى أن «الخريطة القديمة» كانت عملية توزيع إرث الإمبراطورية العثمانية، غير أن الخريطة الجديدة تحاول أن تكشف شهادة ميلاد، وليس مجرد إرث لرجل مريض مات».
بدايات التغلغل الإسرائيلي
قد لا يبدو من السهولة بمكان رصد كافة الاختراقات التي أحدثها الإسرائيليون حتى الآن في الجبهة العربية «المتداعية» خاصة وأن الشق الأكبر منها لا يزال طي الكتمان، نظرًا لاعتبارات داخلية تتعلق بالأطراف العربية ذاتها، غير أنه حري القول إن تل أبيب نجحت في بعض الحالات بالدخول إلى قلب القرار العربي الداخلي ومارست لعبة «التوجيه والتأثير» دون أن يبدي الطرف المقابل أي شعور بعدم الارتياح.
ووفقًا لتقارير صحفية متطابقة فإن الإسرائيليين لعبوا دور الوسيط لعدة أطراف عربية مع واشنطن بهدف تحسين علاقات تلك الدول مع الولايات المتحدة، كما بذلوا جهودًا لتحسين صورة دول أخرى في الإعلام الغربي الذي يملكون تأثيرًا واضحًا عليه، غير أن ما هو أخطر من ذلك ما ورد عن أن المخابرات الإسرائيلية تقوم في الوقت الراهن بإعادة تنظيم مخابرات دولتين عربيتين على الأقل.
كما أن دولة عربية واحدة حتى الآن تطلب الحصول على خبرة عسكرية إسرائيلية.
وعلى الصعيد السياسي تمكن الإسرائيليون من الوصول إلى غالبية العواصم العربية سواء من خلال حضور اجتماعات لجان المفاوضات المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف، أو عبر زيارات هدفت إلى إقامة علاقات دبلوماسية أولية مثل مكاتب الارتباط مع المغرب وتونس.
وتقول بعض المصادر إن سلسلة من مشاريع التعاون الاقتصادية المشتركة قدمها الإسرائيليون لدول عربية، وأن مناقشة هذه المشاريع قطعت شوطًا متقدمًا، وينتظر لتنفيذها على الأرض استكمال عملية التسوية على باقي مسارات التفاوض العربية.
ولا يقتصر التغلغل الإسرائيلي على الدول العربية، بل امتد ليصل إلى غالبية دول العالم وخاصة في أفريقيا، وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية، وكشف أبا إيبان -وزير الخارجية الأسبق- عن أن عدد الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع «الدولة العبرية» ارتفع من ٤٠ دولة إلى ٩٠ دولة بعد أن وقعت «إسرائيل» اتفاق إعلان المبادئ مع منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر «أيلول» ۱۹۹۳م.
وتتركز عملية الاختراق الإسرائيلية على الصعيد الخارجي على ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الاقتصادي: إقامة مشاريع مشتركة في المجالات التجارية والزراعية والصناعية، وتزويد الدول الأخرى بالتكنولوجيا الإسرائيلية والأمريكية التي حصلت عليها تل أبيب من واشنطن بحكم علاقاتها الخاصة، وقد حصل ذلك مع دول آسيا الوسطى التي استقلت عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وكل من الهند والصين وبلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام ١٩٩٤م نحو ۲,۳ مليار دولار مقارنة مع ١.٨ مليار دولار خلال الفترة ذاتها من ۱۹۹۳م.
المحور العسكري والأمني: إنشاء شبكة معقدة من المشاريع المشتركة، إضافة إلى القيام بصيانة أسلحة ومعدات الدول الأخرى كما حصل لرومانيا وبلغاريا والهند وتشيلي، وتسعى الصناعات الجوية الإسرائيلية حاليًا لإقناع كل من الصين وروسيا للدخول مع «إسرائيل» في مشروع مشترك لإنتاج طائرة حربية كلًا على حدة، وقد ارتفعت مبيعات الأسلحة الإسرائيلية من ٥٥٠ مليون دولار عام ۱۹۷۸ إلى ١.٦ مليار دولار عام ۱۹۹۲م.
المحور السياسي والإعلامي: يتركز هذا المحور على محاولة تحسين علاقات بعض الدول مع الولايات المتحدة والإعلام الغربي، ويستغل في هذا الإطار اللوبي اليهودي صاحب النفوذ لتحقيق ذلك، كما أن الدول المناهضة لإسرائيل غالبًا ما تواجه بعقوبات صارمة من جانب الولايات المتحدة.
ملامح النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة
عند الحديث عن تصاعد الهيمنة الإسرائيلية إقليميًا وعالميًا، لا بد أن يربط ذلك بمدى النفوذ الذي يتمتع به اليهود في الولايات المتحدة رغم كونهم أقلية صغيرة وحسب الإحصاءات الحديثة فإن عدد اليهود الأمريكيين يبلغ ٥.٥ مليون نسمة يشكلون ۲.۱ في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ ٢٦٠ مليون نسمة.
وتشير الأرقام إلى أنه في عام ١٨٢٥ كان عدد أفراد الجالية اليهودية في أمريكا يبلغ ١٠ آلاف نسمة فقط، وقد ارتفع هذا العدد في العقود اللاحقة بسبب الهجرات اليهودية المتعاقبة إثر التطورات السياسية والاقتصادية في دول أوروبا الشرقية والغربية، وما قيل عن اضطهاد النازيين لهم خلال الحرب العالمية الثانية.
غير أن أبرز ما يميز الجالية اليهودية عن غيرها هو قوة نفوذها السياسي والاقتصادي في أهم مواقع القرار الأمريكي، وتقول صحيفة «معاريف» العبرية في تقرير لها من واشنطن إن «اليهود تحولوا في ظل إدارة الرئيس بيل كلينتون إلى قوة متنفذة في واشنطن»، مشيرة إلى أن «غالبية مستشاري الرئيس الأمريكي والمسئولين عن الشئون الخارجية والأمن هم من اليهود».
ويشير تقرير الصحيفة إلى أن هؤلاء المستشارين والموظفين اليهود يملئون ردهات البيت الأبيض ومكاتب وزراء الحكومة الأمريكية». ويقول: «إنهم يتخاطبون فيما بينهم باللغة العبرية حتى أثناء ساعات العمل، وأكثر من ذلك فهم يذهبون إلى كُنُس يهودية، ويبتهلون بالدعوات لجنود الجيش الإسرائيلي».
وكشف التقرير عن أن هناك «7 من أصل ۱۱ عضوًا في مجلس الأمن القومي الأمريكي يتبؤون أهم المناصب في المجلس هم من أصل يهودي، وقد وضعهم الرئيس الأمريكي في أكثر المواقع حساسية في هيئة الشؤون الأمنية والخارجية للولايات المتحدة» إضافة إلى ذلك فإن هناك اثنين من أصل خمسة من أبرز مستشاري كلينتون والذين يلتقي بهم يوميًا للتباحث حول فحوى التقرير اليومي الأكثر سرية والذي يتلقاه الرئيس من أجهزة الاستخبارات هم من اليهود.
وتملك الجالية اليهودية في الولايات المتحدة نحو ۲۰۰ منظمة صهيونية، وفي الكونجرس ارتفع عدد الأعضاء اليهود من عضوين في مجلس الشيوخ عام ١٩٦٣ إلى خمسة أعضاء في عام ۱۹۷۷ وإلى 8 أعضاء في مجلس الشيوخ، و۳۱ عضوًا في مجلس النواب عام ۱۹۹۲، وفي الوقت الراهن وصل عددهم إلى ١٠ أعضاء في مجلس الشيوخ و۳۳ عضوًا في مجلس النواب، ويشكل هؤلاء نسبة ٧.٥ في المائة من إجمالي أعضاء الكونجرس البالغ عددهم ٤٣٥ عضوًا.
رؤية إسرائيلية لـ «وطن عربي جديد»
لقد أدى النفوذ الإسرائيلي القوي لدى الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية إلى إقناع هذه الأطراف بالرؤية الإسرائيلية المتمثلة في إعادة صياغة المنطقة العربية عبر تفكيك أطرافها والسعي إلى إنشاء كيانات وتحالفات جديدة تحقق في النهاية النفوذ الإسرائيلي على المنطقة لعدة عقود قادمة.
وتشير دراسة أجراها باحث في شئون التاريخ إلى أن هناك «هندسة جديدة للمنطقة العربية في إطار النظام الشرق الأوسطي الجديد»، وقالت إن هناك «عدة سيناريوهات لتفكيك وإعادة تركيب» المنطقة العربية بما يتساوق مع متطلبات النظام الجديد».
وحددت الدراسة التي أعدها الباحث سيار الجميل المضامين الرئيسية لتلك السيناريوهات بالقول إنها تتضمن «بناء منظومات ومناطق للتعاون الاقتصادي العربي، وفصل بلدان المشرق عن بلدان المغرب العربي، وشمول مصر بالشرق، وشمول إسرائيل بالشرق الجديد، على أن «تعمل ضمن منظومة تعاون اقتصادي وأمني».
ومن الأفكار الأخرى المطروحة «فصل العراق عن المنظومة العربية، وعن منظومة الهلال الخطيب، ودمجه في منظومة أمنية إقليمية تشمل بلدان الخليج العربي، وربما إيران وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية والعمل على دمج بلدان المغرب العربي في فضاء عالم البحر المتوسط».
وأبرزت الدراسة سعي الأطراف التي تعمل على بناء النظام الشرق الأوسطي إلى «عزل وتهميش بلدان الأطراف والسودان والصومال واليمن وضمها إلى منظومات خاصة بأفريقيا والقرن الأفريقي، وتحويل فلسطين إلى معبر بين الوطن العربي وإسرائيل»
وقالت: إن المعالم الرئيسية للترتيبات الاقتصادية الجديدة التي تخطط لها إسرائيل ستكون على شكل «تجمعات اقتصادية جديدة ومشروعات ربط إقليمي في مجالات الطاقة والسياحة والزراعة والبنية التحتية ومشاريع المياه وقناة ما بين البحرين، وتحويل الجولان إلى منطقة صناعية، وإنشاء البنك الإقليمي للشرق الأوسط وتأسيس جامعة الشرق الأوسط».
وفي هذا الصدد يقول وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز في حديث له عقب انعقاد مؤتمر مدريد في نهاية أكتوبر «تشرين أول» ۱۹۹۱م: «إن المعادلة التي سوف تحكم الشرق الأوسط الجديد ستكون عناصرها كما يلي: النفط العربي + الأيدي العاملة المصرية + المياه التركية + العقول الإسرائيلية».
ويعتقد بعض المحللين السياسيين أن ما يجري التخطيط له وترتيبه في الشرق الأوسط من جانب الإسرائيليين والأمريكيين، سيجري التخطيط له وترتيبه أيضًا في الشمال الأفريقي «المغرب العربي ووادي النيل» كأبرز مجال حيوي إقليمي في القارة الأفريقية.
ويقول الدكتور جلال أحمد أمين –أستاذ علم الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في القاهرة- إن الإسرائيليين يطمحون إلى جعل القرن الحادي والعشرين «عصرهم الذهبي» ونقل عن كاتب إسرائيلي قوله عقب التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني - الإسرائيلي في واشنطن في سبتمبر «أيلول» ۱۹۹۳م: إذا كان القرن التاسع عشر هو في الأساس قرن بريطانيا، والقرن العشرون هو قرن الولايات المتحدة، فإن القرن الحادي والعشرين يمكن أن يكون هو قرن الشرق الأوسط وإسرائيل».
ويوضح الدكتور أمين أن القائمين على مشروع السوق الشرق أوسطية «سوف يختارون من الدول العربية ما يصلح وما لا يصلح لتحقيق المصالح الإسرائيلية، والمصالح الغربية المتضامنة معها»، مشيرًا إلى أنه قد تُستبعد منها بعض دول الخليج أو السودان إذا رؤي أن ذلك مفيد، فضلًا عن تمزيق أوصال الوطن العربي».
وكشف المحاضر الجامعي عن أن بعض الدول العربية بدأت بالفعل «بحذف اسم فلسطين من الخرائط الجغرافية لديها، وقد تم حذف العبارات الواردة في معظم كتب التاريخ في مصر عن المسجد الأقصى في موضوع صلاح الدين الأيوبي، وبدأت الموضوعات المتعلقة بالوطن العربي والعلاقات العربية تخضع للتغيير لتناسب التوجه الشرق الأوسطي الجديد، أملًا في أن يرسخ في أذهان التلاميذ بالتدريج أنهم ليسوا عربًا في الحقيقة بل شرق أوسطيين».
التطبيع.. مدخل إسرائيل إلى الهيمنة
يربط الإسرائيليون غالبًا بين إقامة علاقات مع أي دولة عربية وتطبيع هذه الدولة لعلاقاتها معهم، وقد تلقن المسئولون الإسرائيليون درسًا قاسيًا مما يسمونه بـ «السلام البارد» الذي أقيم عقب توقيع معاهدة كامب ديفيد عام ۱۹۷۹م، وتخطط تل أبيب لاعتبار التطبيع مدخلًا لإقامة ما يُشبه التحالف القائم على شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والتجارية وحتى العسكرية والأمنية.
غير أنه في الطرف العربي فإن الباحثين والمفكرين لا يفتئون يحذرون من مغبة «تطبيع» العلاقات بين الدول العربية والكيان العبري، على اعتبار أن هدف الإسرائيليين اللاحق هو «تحويل الصراع العربي -الإسرائيلي إلى صراع عربي- عربي داخل كل دولة، وبين الدول المجاورة».
إضافة إلى ذلك فإن استراتيجية الأمن الإسرائيلية لا تقوم فقط على التفوق العسكري -بما فيها الاحتكار النووي- على الدول العربية مجتمعة، ولكنها تقوم على قيام حالة اللا أمن العربي، أي على تمزيق المجتمعات العربية إلى مجموعات طائفية ومذهبية وإثنية متقاتلة على النحو الذي يجري في شمال العراق وجنوبه، وفي مصر، والسودان والجزائر».
ويقول الباحث اللبناني محمد السماك: «إن اشتراط إسرائيل للتطبيع كمدخل للتسوية السياسية يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين: الأول: هو تحويل العالم العربي إلى سوق استهلاكية للاقتصاد الإسرائيلي، والثاني: محاولة ضرب الشعوب العربية بأنظمتها».
وتشير الإحصاءات التي نشرت حديثًا إلى أن إسرائيل ستوفر نحو ملياري دولار من إنفاقها العسكري في حال إقامة سلام مع جيرانها العرب، حيث إن الإنفاق الأمني السنوي على كل فرد إسرائيلي يبلغ حاليًا ١٦٦٠ دولارًا، ومن المتوقع أن ينخفض إلى ۱۰۱۰ دولارات بعد إقامة السلام.
كما أن العجز في العملة الصعبة يقدر حاليًا بنحو ٦,٨ مليار دولار، وسينخفض لاحقًا إلى ٤.٥ مليار دولار، فيما سيرتفع العائد القومي والفردي الإسرائيلي بنسبة كبيرة، حيث سجل الاقتصاد الإسرائيلي عام ۱۹۹۳م، نسبة نمو بلغت 7 في المائة، وهي أعلى نسبة نمو سجلتها دولة شرق أوسطية أو أوروبية.
وعلى صعيد المقارنة بين الوطن العربي وإسرائيل، فإن مساحة البلاد العربية تبلغ ٦٢٧ ضعف مساحة الدولة العبرية، ويساوي عدد سكانه ۲۳۰ مليون نسمة ٤٦ ضعف عدد سكان إسرائيل، أما الناتج القومي العربي بما في ذلك عائدات النفط فتبلغ ٧,٤ ضعف الناتج الإسرائيلي، ومع ذلك فإن متوسط دخل الفرد الإسرائيلي يبلغ ٥.٦ ضعف متوسط دخل الفرد العربي، مما يشير إلى البنية الهشة لدى الجانب العربي، الأمر الذي سيتيح للإسرائيليين فرصة الهيمنة الاقتصادية.
وتعاني الدول العربية حاليًا من ديون متراكمة تبلغ ۲۲۲ مليار دولار حسب إحصاء عام ١٩٩٤م، وتقدر خدمة هذه الديون سنويًا بنحو ۱۷.۷ مليار دولار.
ويسود الاعتقاد بأن إنهاء المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل والشركات المتعاملة معها سيوفر للدولة العبرية سنويًا مبلغ مليار دولار على الأقل، وكان الإسرائيليون قالوا إن خسائرهم خلال العقود الأربعة الماضية بلغت نحو ٤٥ مليار بسبب هذه المقاطعة.
رؤيتان للمستقبل
يبدو المستقبل قاتمًا بالنسبة للباحث الإسرائيلي يسرائيل شاحاك المعروف بمعارضته المستمرة للحكومات التي تتولى الحكم في تل أبيب، ويقول شاحاك: «إن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي وتنامي التيار المتعصب فيها لن يتيحا المجال لعملية السلام لكي تحقق تقدمًا حقيقيًا»..
ويؤكد شاحاك أن منطقة الشرق الأوسط «ستظل في خطر دائم» وعزا ذلك إلى «تزايد النفوذ اليهودي المتعصب داخل «إسرائيل». وامتلاك الأخيرة مفاتيح القوة النووية، إضافة إلى عامل هام يتمثل في تأثير الدولة العبرية على معظم قرارات الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة».
ويقول شاحاك: إن إسرائيل «وتحت غطاء الدولة اليهودية تشكل خطرًا ليس فقط على دول منطقة الشرق الأوسط، بل على سكانها أيضًا، مشيرًا إلى أن «مواقف وسياسات إسرائيل تقوم على أساس العنصرية والاستبداد وكره الأجانب».
ويعتقد البروفيسور إدوارد سعيد -أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأمريكية- أن إسرائيل «لا تملك نخوة ولا كرامة ولا شهامة، وهي غير مستعدة للتضحية في سبيل ذلك من أجل الآخرين» ويقول سعيد إن وضع إسرائيل الحالي «سيستمر هكذا حتى يبلغ الصراع ذروته وصحوته من جديد».
أما الكاتب والمفكر أحمد صدقي الدجاني فيؤكد أن الصراع العربي الإسرائيلي سيأخذ أشكالًا جديدة وفقًا لسلوك القوى السياسية والاجتماعية لدى طرفي النزاع في المرحلة القادمة.
وقال: إن أساس الصراع الجديد «المقاطعة الشعبية العربية لمحاولات الهيمنة وفرض التطبيع مع إسرائيل، بحيث تشمل مقاطعة الأفراد الإسرائيليين والبضائع الإسرائيلية» مشيرًا إلى أن «التعاطف» مع الكفاح المسلح سيستمر على الصعيد الشعبي.
وشدد على أن قواعد الصراع ستكون محكومة بما في الاتفاقات المبرمة بين إسرائيل والأطراف العربية، وقال: إن تلك القواعد «تحرم كل أشكال القتال، وتفرض على الحكومات العربية منع النشاطات الشعبية المعادية لإسرائيل، وإنهاء المقاطعة الاقتصادية»، معربًا عن اعتقاده بأن ذلك سيؤدي إلى «اتساع دائرة العمل المنظم الخارج عن سيطرة الحكومات المباشرة ويبلور هذا العمل قواعد له تجنبه التصادم مع الحكومات»..