العنوان معركة الفرقان .. عُسر لا يُعْلِب يُسرين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009
مشاهدات 61
نشر في العدد 1882
نشر في الصفحة 16
السبت 26-ديسمبر-2009
- أم عاهد: عشنا لحظات جعلتنا نستشعر كتاب الله كأنه يتنزل فينا الآن.. وكأننا نرى غزوة بدر رأي العين
- فارس (۱۷ عامًا) لم تكن تمر عشر دقائق حتى أسمع عن استشهاد واحد أو أكثر من معارفي
- لمياء (مصر): أذهلني ما رأيتُ على شاشات الفضائيات وشعرت بعجز جعلني أفقد شهيتي للطعام وللحياة كلها
عام مر على حرب الفرقان التي ارتقت فيها أرواح ۱۵۰۰ من أبناء غزة؛ فلم تزدها إلا صموداً وعزة وشموخاً تجاوز الحدود، وفاضت آثاره حتى شملت بني الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ؛ لتتحقق سُنّة الله التي لا تتبدل، وليعلم ذوو الألباب معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا۞ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: ٥-٦)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « ولن يغلب العسر يسرين». «المجتمع» قامت بجولة لرصد بعض آثار هذه السُنّة الكونية على أهل غزة أولا، ثم قمت على بعض المسلمين من دول شقيقة أخرى.
بداية، تقول «س. عاشور» (مديرة مدرسة) : «بدأت الحرب بعد أيام قليلة من خلافات عميقة بيني وبين أبناء زوجي على أثرها بهجر البيت والعزم على الطلاق وبالفعل كنت قد بدأت في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، وما أن سمعت أولى ضربات القصف حتى طار قلبي خوفا على أولئك الأيتام وتسارعت في مخيلتي صورهم ولهج لساني بتساؤلات خنقتها دموعي: أين منال؟ لعلها الآن لم تنته من أداء الامتحان، وعمر هل عاد من بيت جدته؟».
«وبرقت أمام عيني هواجس الطلاق إلا أنها لم تستطع أن توقف خطواتي نحو هاتفي الجوال لأتصل بجدهم وأسأله عن حالهم وحال والدهم، فعلمت أنه مهما استبدت بنا خلافاتنا فهناك ما يستحق أن يجعلنا نتعالى فوقها.. وبعد أيام من السؤال المتواصل عن أقارب زوجي شعر الأبناء بحبي لهم وعدت إلى بيتي، وقضينا جميعًا أيام الحرب في دعاء أن يثبت الله المجاهدين وينصرهم».
وتشاركها الدعاء للمجاهدين الجدة «أم عاهد» (٥٥ عامًا) التي جمعت جيرانها على قراءة القرآن وصلاة القيام حتى إذا اشتد القصف وبلغت القلوب الحناجر رددوا بصوت واحد: «اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض»، وتصف أم عاهد هذه اللحظات قائلة: «كنا وكأننا نرى غزوة بدر رأي العين فقد عشنا لحظات قرب من الله جعلتنا نستشعر كتاب الله وكأنه يتنزل فينا الآن»، وترد أم عاهد على من نصحوها بترك بيتها المهدد بالقصف قائلة: «لم يُبق لنا العدو شيئًا، فأبناؤنا قتلوا وبيوتنا دمرت ولم تبق لنا إلا كرامتنا، فلنمت في بيوتنا أعزاء كما عشنا فيها كرماء».
إيثار وتعاون
وإذا كانت أم عاهد قد استشعرت لذة القرب من الله في الدعاء للمجاهدين، فإن «سلوى» اختارت أن تؤثر الجرحى على أطفالها ؛ حيث قررت أن ترسل المولد الكهربائي الصغير الذي ادخرته لساعات الشدة إلى المستشفى القريب من بيتها لتقضي الليل في ظلام دامس لا ينيره إلا ضوء الصواريخ.. وتقول: «اتفقت مع جاراتي على أن نتعاون جميعا في توفير ما استطعنا من الطعام لأسرنا، فأم أحمد لديها بعض الطحين، وأم سامي مازالت تدخر القليل من الحبوب والأرز، وأنا أقوم بالطهي للجميع على ما تبقى لدي من الغاز».. وتضيف بابتسامة حزينة تبعتها دمعة سكينة: «رغم قسوة تلك الأيام إلا أننا عشنا لحظات قرب ومودة لم نكن نعلم أننا نمتلكها، وقد تعاهدنا على أن تستمر بيننا إذا كتب الله لنا الحياة حتى نهاية الحرب».
وإن كانت الأقدار قد أمهلت سلوى حتى تنعم بحب جاراتها، فإن فارس (۱۷ عامًا) أدرك هذه المشاعر التي يكنها لجيرانه وأصدقائه ورفاق دربه، لكن بعد أن فقد منهم العشرات ويقول: «في أول أيام الحرب كانت لا تمر عشر دقائق حتى أسمع عن استشهاد واحد أو أكثر من معارفي، فلم أستطع أن أتمالك نفسي، خرجت إلى الشارع ونظرت حولي فلم أجد إلا أشلاء ولحمًا محترقًا، وقطعًا من أعضاء آدمية متناثرة هنا وهناك هؤلاء الذين كانوا قبيل دقائق بكامل قوتهم، نظرت إليهم ولم أتذكر إلا محاسنهم ومآثرهم حينها تمنيت أن يعود بي الزمن كي أتلمس أقدامهم الطاهرة وأقبلها» ويضيف: «منذ ذلك اليوم أيقنت أن المحتل الجبان لا يريد فقط أن يبتلع المقاومة في غزة، لكنه أراد أن يستهدف كل ما هو فلسطيني ومسلم، فامتلأ قلبي بعشق الانتقام ممن فعل هذا بأبناء شعبنا، وانطلقت راكضا نحو إذاعة الأقصى لا أبالي بما قد ألاقي، فكل همي أن يصل صوتي للعالم».
درس في التوكل
وكما أن الحرب على غزة استهدفت كل ما هو مسلم ، فكذلك امتد عشق الانتقام من العدو ليشمل جميع المسلمين في بلادهم، فمن الشقيقة الكبرى والجارة الأقرب مصر يقول محمد حسن: «أقسمت أن أروع من روع نساءنا وأطفالنا في غزة، فاتفقت مع مجموعة من أصدقائي وأقاربي على أن نتصل بأرقام هواتف عشوائية تقع داخل الكيان الصهيوني لنهددهم، ونؤكد لهم أن جريمتهم لن تمر دون عقاب، ورغم تباين ردود أفعالهم بين من سبّنا ومن طلب منا الحوار إلا أنهم اتفقوا جميعا على أن هذه الأرض أرضهم، وأن المسلمين هم من قاموا باغتصابها منهم ، وأنهم متمسكون باستعادتها وعلينا إن كنا نريد أن نعيش معهم بسلام أن نوقف صواريخ القسام! فازداد يقيني بأن هذه الصواريخ هي اللغة التي يفهمونها ولن يفهموا غيرها».
أما «لمياء» فقد آثرت الاتصال بأهل غزة للاطمئنان عليهم، وتقول: «أذهلني ما رأيت على شاشات الفضائيات، فغص حلقي وتحجّر الدمع في عيني، وشعرت بعجز جعلني أفقد شهيتي للطعام بل للحياة كلها، ففكرت بالاتصال ببعض صديقاتي في غزة وعشت لحظات تتجاذبني أحاديث نفسي بين رغبتي في التواصل معهن، ورهبتي من سماع خبر استشهاد إحداهن.. وأخيراً قررتُ الاتصال وبدأتُ بصديقتي «رائدة مشتهى» زوجة الأسير القسامي «روحي» الذي يمضي الآن عامه الثاني والعشرين في سجون الاحتلال، بدأت أصابعي بضغط الأرقام بينما يحاول عقلي أن يتذكر مفردات تصلح للحديث، فهل أتماسك وأبث إليها كلمات الثبات وأنا أنعم بكل وسائل الراحة في بيتي وبين أحضان أسرتي أم أبكي بين يديها؟!».
وبدأتُ أسمع دقات الهاتف التي لم تكن أسرع من نبضات قلبي، وما لبثت «رائدة» أن أجابتني بصوت تخالطه ابتسامتها المعهودة قائلة: السلام عليكم كيف حالك؟ فأجبتها بدهشة: أنت من تسألين عن حالي؟! قالت: نحن بخير الحمد لله، فوجدت نفسي دون شعور أصرخ فيها بأعلى صوتي: إنني أعاني من حساسية شديدة أصابت جلدي بتقرحات، وقالت لي صديقتي الطبيبة: إنها حالة نفسية لا بد من علاجها بسرعة، وأنت تضحكين؟!
من شدة العجب راودتني لأجزاء من الثانية خاطرة أن الحرب ليست إلا كابوسا رأيته في منامي! إلا أن صوت «رائدة» قطع خاطرتي مجيبا: يا لمياء، ماذا سيفيدنا عندما تمرضين وتنفقين فلوسك على الدواء؟! والأفضل من هذا أن تدعوا لنا أو تبحثوا عن وسيلة للضغط على صنّاع القرار لوقف الحرب.. أم أنك بخيلة، ولا تريدين إعطاء فلوس للمجاهدين بحجة أنك مريضة وتحتاجين فلوسك لشراء الدواء؟!
وعلا صوت «رائدة» بضحكة لا يفارق رنينها أذني، ولعلي لا أبالغ إن قلت: إنها ضحكة أعادت لي الحياة بفضل الله، فكان درســاً لـي تعلمت منه أن من أخذ بالأسباب وتوكل على الله حق التوكل هو فقط من يستحق أن يلقي الله السكينة في قلبه، أما أنا وأمثالي فعلينا أن نتجرع مرارة ما اقترفته أيدينا.
سر الثبات
ومن «لمياء» بمصر إلى «بدرية» بالإمارات تختلف الأسماء وتتحد الآلام والآمال تقول بدرية: «منذ اللحظات الأولى الحرب ومع كل مشهد رأيته عقد عقلي الباطن مقارنة لا شعورية بين حالنا وحالهم، واستوقفني مشهد ذلك الشرطي الذي رفع أصبع السبابة ونطق الشهادة، فقلت: سبحان الله يُعرف الرجال عند الموت لا بكثرة التردد على المساجد والأعمال الخيرية».
وتضيف: «لم يكن صعبًا عليّ أن أكتشف سر ثباتهم، فهم ينظرون إلى ضرورات الحياة الملحة على أنها كماليات يمكنهم استبدالها بأي شيء آخر أو الاستغناء عنها إذا لزم الأمر، بينما نحن نضع الكماليات بل والرفاهية نصب أعيننا بعدما انغمسنا في ملذات الحياة وأسرفنا على أنفسنا من المباحات! فإنهم يختلقون الفرص ونحن نتحيّن الأعذار؛ لأن مقاييسنا دنيوية، والنتيجة هي الانحدار في حين أننا نسعى للرفعة ومن هنا أدركت طبيعة العلاقة العكسية بين الهمة والراحة، فكلما طلب الإنسان الراحة أو حتى توفرت له دون أن يطلبها اتجه مؤشر همته للأسفل بشكل مباشر، وأدركتُ أيضاً أنهم ما وصلوا لهذا الثبات الذي أشبه ما يكون بالمعجزات إلا بعد السير الطويل في طريق التربية ومجاهدة النفس على ذلك».
وبعد عدة أشهر من الحرب أتيحت لـ«بدرية » فرصة اللقاء بـ«أم مالك» وكيلة وزارة المرأة فسألتها: كيف تربون أبناءكم هذه التربية ؟ فأجابت «أم مالك» ببساطة رائعة: «نحن نرسل أطفالنا إلى المساجد، ونحرص على أن يألفوها منذ نعومة أظافرهم، فلا ننهرهم ولا تنزعج من لعبهم، كما أن بعض المساجد تخصص غرفا للأطفال».