العنوان المجتمع الثقافي (1902)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010
مشاهدات 59
نشر في العدد 1902
نشر في الصفحة 46
السبت 15-مايو-2010
أحسن ما كتبت: كتاب قديم جديد ( ٤ من ٤ )
موضوعات معاصرة
بعض الكتاب في تلك الفترة آثر أن يركن إلى نزعات قطرية أو شعوبية أو طائفية، وهو ما رفضه كتاب الكثرة الكاثرة، وكان دعاة الفرعونية قد أعلنوا عن أنفسهم من خلال بعض المقالات والأفكار، فتصدت لهم الأغلبية، ولعل مقالة أحمد حسن الزيات صاحب الرسالة التي أسسها في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، كانت حاسمة في هذا الاتجاه ..
• معظم موضوعات الكتاب تعالج قضايا معاصرة مع أنها كتبت قبل ثمانين عامًا أو يزيد.. وما زالت قابلة للحوار والمناقشة
• الصياغة كانت تحظى بحفاوة بالغة تعبر عن جدية واضحة في اختيار اللفظ والتركيب والمعنى وتسلسل الأفكار وإقناع القارئ من خلال الشواهد والبراهين
الفرعونية: فقد كتب الزيات تحت عنوان فرعونيون وعرب بدأه بداية مقنعة وشائقة، حيث قال: «عفا الله عن كتابنا الصحفيين ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ري، ويبعثوا حربًا من غير جند »!!
وبعد أن يدحض الدعوة إلى الفرعونية بالمنطق والعقل والتاريخ، يقرر: «لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلاً من كتاب المجد العربي، لأنها لا تجد مددًا لحيويتها ولا سندًا لقوتها ، ولا أساسًا لثقافتها إلا في رسالة العرب، أما أن يكون لأدبها طابعه ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة، ولا شأن ل «مينا» أو «يعرب» فيه؛ لأن الفنون ملاكها الخيال، والخيال غذاؤه الحس والحس موضوعه البيئة والبيئة عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كل قطر. فإذا لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة ويؤلف بين روحه وروح البيئة، فاته «اللون المحلي»، وهو شرط لصدق الأسلوب وسلامة الصورة، وقديما كان لون الأدب في الحجاز غيره في نجد، وفي العراق غيره في الشام وفي مصر غيره في الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة، ولا أن يلحق به أثر».
ولا شك أن الزيات كان واعيًا بقضية العروبة في مواجهة الشعوبية، وفاقها لأبعادها التي اتخذت من الأدب، أو بدأت به سلمًا لبث الفرقة والتمايز بين الشعوب العربية مؤكدًا أن الأمم تتفاضل بما قدمت للخليقة من خير، وتتفاوت الأعمال بما أجدت على الإنسان من نفع.
تقسيم المقسم وإذا كانت الأوطان على عهد عزام والزيات قد بدت متماسكة في إطار إقليمي إلى حد ما، فإنها اليوم تتعرض لغارات عاتية محملة بالعرقية والطائفية والمذهبية، تسهم في تقسيم المقسم، وتفتيت المفتت، ولعل البلاد العربية التي تنجو من هذه الغارات قليلة، أمام ما يجري في معظمها من تمزيق مدعوم بالآلة الدعائية الغربية، وأجهزة الأمن الأجنبية، والمساعدات العسكرية الظاهرة والخفية من جانب أصحاب المصالح في الدول الكبرى.
إن أوروبا على ما بينها من اختلافات لغوية وعرقية، وتاريخ دام وصراعات مدمرة استطاعت أن تتفق من خلال مصالحها على خطوط عامة، أرست بينها السلام والوئام ووصلت إلى ما يشبه الخلافة الإسلامية أو الإمبراطورية الأوروبية الموحدة؛ تعاونًا وتضامنًا وتفاهمًا، وترجمت ذلك إلى واقع حقيقي على الأرض استشعره الأوروبيون في الدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتتوق إليه الشعوب الواقفة على تخوم أوروبا تحلم بالانضمام إلى إمبراطوريتها الجديدة القوية، وهذا ما يجعل من فكرة التضامن العربي أو الوحدة العربية في زمننا أمرًا حيويًا، مع أن الدعوة إليه بدأت بعد سقوط الخلافة، ويجعل ما قاله عبد الرحمن عزام وأحمد حسن الزيات، مسألة قائمة تحتاج منا إلى الوعي والاستيعاب والتنفيذ.
معاصرة رغم قدمها
إن معظم الموضوعات المنشورة في هذا الكتاب، تعالج موضوعات معاصرة، مع أنها كتبت قبل ثمانين عاماً أو يزيد، وما زالت قابلة للحوار والمناقشة مثل الحديث عن رقي الأمم، وآفات المجتمع الأخلاقية كالنفاق وانحدار الأخلاق، ومشكلات المجتمع الإنسانية المزمنة مثل مستشفيات الأمراض العصبية ومعاناة المرضى في داخلها ...
وتبقى جوانب مهمة تكتسب أيضًاسمة معاصرة، مطروحة للنقاش والإقناع مثل قضية العلم والإيمان، وأن الأول يقود إلى الآخر، وقد كان العلامة محمد فريد وجدي صاحب باع طويل في إثبات أن العلم ليس حائلاً دون الإيمان، بل يؤدي إلى الاعتقاد بوجود الله، ويزرع اليقين في نفوس العلماء وأفئدتهم.
هناك تناول لقيم وقضايا متنوعة مثل: الإخاء والأخوة والتأملات الوجدانية في الطبيعة، والمخلوقات البشرية والصحة والسعادة، والصحراء، والحب في الحضارة العربية والتعاطف مع الفقراء.. إلخ.
بيد أن المجال الأدبي شعرًا ونثرًا، كان متنوعًا وحافلاً، فرأينا القصة الشعرية والوصف الشعري والتأملات الشعرية وغيرها من ألوان النظم الذي كان يمثل حركة التجديد الموارة في ذلك الزمان أما النثر الأدبي فقد تنوع بين القصة القصيرة والقصة التاريخية والخاطرة، والخطبة الخيالية والمحاضرة، وأدب الرحلة، فضلاً عن المقال الذي يغلب على معظم موضوعات الكتاب.
صياغة متميزة
ويلاحظ أن الصياغة بصفة عامة الموضوعات الكتاب فضلاً عن الشعر، كانت تحظى من الكتاب والشعراء بحفاوة بالغة تعبر عن جدية واضحة في اختيار اللفظ والتركيب والمعنى وتسلسل الأفكار وإقناع – القارئ من خلال الشواهد والبراهين إن الكتاب والشعراء على اختلاف مشاربهم كانوا حريصين على لغتهم، فلا تجد لفظًا خشنًا أو غريبًا أو تعقيدًا في معنى أو صياغة، ولكن اللغة قوية والبناء متين والرقي الأسلوبي هدف مشترك بين من ينتمون إلى «مدرسة البيان»، ومن يؤثرون «مدرسة المعاني».. الطرفان يحاولان الوصول إلى القارئ الأول: يقدم فكرته في إطار موسيقي جمالي يكاد يقترب من الشعر كما نرى عند الزيات والرافعي وطه حسين والبشري.. والآخر يهدف إلى بيان فكرته دون أن يسف في تعبيره أو صياغته، كما نشاهد في أساليب توفيق الحكيم وميخائيل نعيمة، وفكري أباظة وأحمد أمين...
ومن ثم لا تجد خطأ نحويًا، بل لا تجد خطأ مطبعيًا، مما يعطي صورة مضيئة المرحلة في تاريخ مصر اتسمت بالجدية والجودة والإخلاص بصفة عامة، في كتابة الأفكار والآراء والتصورات.
إن المقارنة مع ما ينشر اليوم في الصحف والمجلات وبعض الكتب تؤكد أن النتيجة الصالح ذلك الزمان البعيد، فقد كان اهتمام الناشرين أو المؤسسات الصحفية واضحًا في الحرص على سلامة اللغة نحوًا وصرفًا وتركيبًا، والإملاء.. وكان هناك مصححون محترفون في كل مؤسسة صحفية أو دار نشر وكانوا يتبادلون الأدوار في التصحيح بل إن بعض عمال المطابع في ذلك الزمان كانت فطرتهم تهديهم إلى تصحيح العبارات الخاطئة بطريقة تلقائية لكثرة ما تعودوا على الأساليب السليمة والكتابة الصحيحة وللأسف فإن بعض الصحف التي كانت مشهورة بدقة موضوعاتها لغويًا وتحريريًا، أصيبت اليوم بالخلل ذاته أعني كثرة الأخطاء المطبعية والأسلوبية .
أ. د. حلمي محمد القاعود
واحة الشعر
يا حماة القدس
شعر : أحمد محمد الصديق
أشعلوها غضبًا يقدح نارًا وامسحوا عن جبهة القدس الغبارا
وارفعوها فوق هامات العُلا في سماء المجد رمزًا ومنارا
واغسلوا الأرجاس عنها مثلما يغسل المكلوم يوم الثأر عارا
واذكروا الفاروق في عُهدته رافضًا في أرضها منهم قرارا
واسلكوا في فتحها مسْلَكَهُ غير من أذعن سلمًا .. واسْتَزارا
موطن الإسراء ها قَدْ سَنَحَتْ ساعة الصفر.. صدامًا .. ونفارا
زلزل الأرض بهم كي يعلموا أننا نأبي على الضيم اصطبارا
أيقظ الأمة من غفلتها لَيْلها قد طالَ فَاجْعَلْه نهارا
صمتها أطمع فينا كل من فرَضَ الحبس على الأحْرارِ دارا
أين أصحاب الكراسي التي تحكم الشعب صغارًا وكبارا ؟
هل تراهم سمعوا أو أبصروا صرخات الشعب تحتد أوارا؟
إن يكونوا قادة الشعب.. ألا فليقولوا قوله حقًا جهارا
وليُعدُّوا عُدَّة ترقى بهم للتحدي..أو يُفيتون القطارا
يا حماة القدس.. هبوا وانزعوا عن عدو الله وجها مُستعارا
واكشفوا الزيف الذي يخفي به في الميادين خواء وانكسارا
شمروا للأمر ثم انتفضوا وإذا اشتدت فخوضوها عمارا
واحذروا كل الألاعيب التي هم حواة.. أتقنوا فيها الحوارا
واصرفوا عن وجهكم من تاجروا بقضاياكم.. مرارًا ومرارا
كلما الإعصار قد زَعْزَعَهم هَتَفوا.. أو ركبوا الموج المثارا
صرخة الأقصى فلبوها معًا واشهدوا من ذلك الخَصْمِ انهيارا
سوف يهوي كل ما شيده فادحروا البقي جدارًا وحصارا
ولتكن معركة القدس لكم أول الغيث.. ظهورًا وانتصارا
واحصدوا من بعدها ما أنبَتَتْ زخة الغيث.. زهورًا وثمارا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل