العنوان دموع طفلة
الكاتب منى العمدة
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 73
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 48
السبت 02-يونيو-2007
قصة قصيرة
عادت الطفلة من مدرستها وأسرعت إلى أمها تريد أن تزف إليها النبأ السعيد، انطلقت من فمها كلمات بغير ترتيب لشدة تعجلها.. لم تفهم الأم شيئًا أكثر من أن ابنتها في منتهى الحماس وغاية السرور. قالت الأم وهي تحتضن وجه الطفلة بكفيها: هدئي من روعك يا عبير وأخبريني ما الحكاية، سكتت الطفلة ويكاد الكلام يطل من عينيها، قالت: أنا مسرورة جدًا يا أمي، ودارت حول نفسها في انفعال، أمي.. لقد اختارتني المعلمة اليوم لأكون في فرقة النشيد، قالت الأم مشجعة: ما شاء الله عليك.. أحسنت المعلمة الاختيار؛ فأنت ذات صوت ندي جميل، قالت عبير: ستسمعينني أنشد يا أمي.. ستكون الأنشودة في مجلس الأمهات غدًا وسأنشد أمامك، وفخمت صوتها وهي تقول: وأمام كل الأمهات والمعلمات والطالبات.
عانقت الأم طفلتها مشجعة وقد أسعدها أن تجد طفلتها عبير ما تفخر به أخيرًا أمام أختها على الأقل، فهي طفلة لم تؤت حظًا وافرًا من الذكاء مثل شقيقتها الكبرى «أروى» وهي دائمًا تشفق على طفلتها من ملاحظات المعلمات: لماذا لست مثل أختك، ويسألنها دائمًا السؤال المزعج لماذا تختلف عبير عن أروى؟
في زيارتها الأخيرة للمدرسة سألتها إحدى المعلمات وعبير تمسك بيدها، سألتها ذلك السؤال النكد! كم تكرهه: لماذا عبير ليست في اجتهاد أروى؟ أحست الأم أن المعلمة عصرت قلبها بسؤالها الغبي، نظرت الأم إلى عبير، رأت في عينيها حزنًا وإشفاقًا، تظاهرت الأم بأنها لم تلحظ الأسئلة الإنكارية التي تطرحها عينا عبير ولا احتجاجها الصامت، وقالت للمعلمة في مرح مفتعل بناتي كالورود في الحديقة، لكل منهن لونها ونكهتها وشكلها، أفتر ثغر الطفلة عن ابتسامة، وأرسلت عيناها رسائل شكر بليغة لأمها على هذا الجواب الرائع الذي لم يتوقعه أحد، هكذا إذًا، فإن أمها تنظر إليها وإلى أختها بعين واحدة، شيء يبعث بعض الراحة في قلبها.
لكن أم أروى عاتبت المعلمة بحرارة بعد ذلك واشتدت في عتابها وهي تقول: ما ذنب عبير إذا رزقها الله تعالى بأخت أكثر منها ذكاء؟! ثم قالت في مرارة: أحاول بناء شخصية ابنتي بكل ما توافر لدي من أدوات وفي لحظة واحدة تهدمين ما أبني غير مبالية بما تفعله كلماتك في نفسيتها، لا تدرين ماذا تحطمين، أرجوك لا تنسي أنها إنسان مستقل قائم بذاته، بأي حق نكلفها أن تكون صورة عن أختها طبق الأصل؟! قضت الطفلة نهارها تردد أبيات الأنشودة في طرب:
«أمي يا لحنا أعشقَه» وكانت أمها تنبهها: أعشقه بضم القاف يا عبير. ألم تدرسي الفعل المضارع يا حلوتي؟ تضحك الطفلة وتمضي وهي لا تزال تردد الأبيات جذلى.
في المساء عاد أبوها من العمل فتلقته بالنبأ السعيد عند الباب، سر والدها كذلك، أسعده أن يراها اليوم في حال طالما تمناها، كان كثيرًا ما يأتي إلى البيت فيجدها منعزلة في ركن ما تجتر بعض ذكرياتها، فيسعى إليها في محاولات لإخراجها من عزلتها، فقد كفته اليوم مشقة المحاولة، بل كانت تطوف حوله وهي تحكي له كيف اختارتها المعلمة لتكون في فرقة النشيد وأن بعض زميلاتها حسدنها على هذا الشرف الذي نالته، حتى عريفة الفصل استاءت من اختيارها دونها، كل ذلك ووالدها يهز رأسه ويرفع حاجبيه تأييدًا وتحفيزًا، خيل إليها- وهي في غمرة الفرح- أن المدرسة بمن فيها تدور حولها.
أثناء العشاء، وهي لا تزال تتحدث عن مسراتها شهقت فجأة ووضعت كفها على خدها.. خيرًا إن شاء الله؟ تساءل الجميع، قالت: نسيت أن أخبركم، لقد طلبت مني المعلمة أن ألبس غدًا حذاء أبيض حتى تكون كل أعضاء الفرقة بأحذية ذات لون واحد، وأغرورقت عيناها وهي تكمل وليس لدي حذاء أبيض، نقلت نظرات الرجاء بين أبيها وأمها وهي تقول: أبي أرجوك، هل تشتري لي حذاء أبيض الليلة؟ لم يستطع والدها مواجهة نظرتها التي تجمع بين الخوف والرجاء، لم يستطع مواجهتها بالرفض، خاصة وأنها تساندها نظرات زوجته التي تلتمس ألا يخيب رجاء الطفلة، كم يكره أن يضطر للخروج من البيت بعد أن يعود إليه، كم أكد على أهل بيته أن يبلغوه باحتياجاتهم مبكرًا، لكن ماذا يفعل؟ إنها عبير، وهذا اليوم الوحيد الذي يراها فيه سعيدة، ولن يكون هو من يفسد فرحتها الليلة.
قال لها وهو يحاول إخفاء انزعاجه من هذا الطلب المتأخر: حبًا وكرامة. أسرعت إليه عبير ورمت نفسها في حضنه تشكره ومسحت الأم دمعتها وهي تقوم عن المائدة لتستعد هي الأخرى للخروج، ارتدت ثيابها وهي تنظر إلى أختها في اعتداد لديها الليلة ما تتيه به عليها، إن أبويها كليهما سيذهبان معها إلى السوق لتحقيق مطلب لها، مشت في السوق تسبق والديها إلى محل الأحذية، وهناك تبحث بعينيها عن حذاء أبيض، ذاك هو، ركضت وهي تطلب من البائع أن يحضره لها لكن فرحتها لم تتم، هو جميل ولكن لا يوجد حذاء مثله يناسب مقاسها، أتاها البائع بحذاء أبيض غيره بعد أن أفهمه والدها طلبه أحضر لها حذاء آخر أبيض وحجمه مناسب، أخذته من يد البائع على مضض وهي تقول: ولكنه ليس عليه وردة كالتي على الحذاء السابق قال الوالد: حسنًا، لسنا مضطرين للشراء من هذا المحل. سنرى محلًا آخر، أخذت الطفلة يد والدها وقبلتها، ومضوا إلى محل آخر ثم ثالث حتى وجدت حذاء أبيض جميلًا وعليه وردة أنيقة، أخذته في سعادة، قالت لها أمها: اشكري أباك يا عبير.
فقد خرج من البيت وهو متعب ليلبي رغبتك، قالت الطفلة: شكرًا، قال الوالد لزوجته: أي شكر أبلغ من هذه السعادة التي تطل من عينيها انظري إليها، ضمت الطفلة حذاءها الأبيض ومضت، وضعته تحت سريرها ونامت وهي تحلم في غد.
عندما تفقدت الأم بنياتها قبل نومها وجدت عبير تضم حذاءها وعلى وجهها آثار ابتسامة مشفقة، مسحت وجه الطفلة وداعبت شعرها وهي تقول: من لي ببعث روح جديدة في قلب هذه الطفلة، تتمنى لو وهبت من روحها ما يقوي روح ابنتها أو يعزز ثقتها بنفسها، شدت عليها غطاءها ومضت فهي الأخرى لديها ما تحلم به ستقف أروى مع الطالبات المتفوقات في المرحلة المتوسطة لتأخذ شهادتها وسوف تقف عبير مع أعضاء فرقة النشيد ترسل ألحانها العذبة، أطفأت النور وهي تترنم بأنشودة عبير:
أمي يا لحنًا أعشقه
ونشيدًا دومًا أنشده
استيقظت الأم مبكرًا، وساعدت ابنتيها على إعداد نفسيهما للخروج، وضحكت وهي تلفت نظر عبير إلى أنها لبست حذاءها ولم تلبس جوربيها وضحكت عبير وضحكت أروى، خرجت الفتاتان وعادت الأم لتستعد وتعد صغرى بناتها للخروج، فبعد ساعة تقريبًا يبدأ حفل المدرسة المنتظر جلست أم أروى في المكان المعد للأمهات، وبدأ الحفل بتلاوة آيات من كتاب الله ثم حيث عريفة الحفل الحاضرات أمسكت الأم قلبها ستخرج الآن عبير ضمن فرقة النشيد، يا رب هبها القوة.
قالت للمرأة بجانبها في فرح ابنتي ستكون مع الفرقة، قالت الأخرى: ما شاء الله أيهن ابنتك؟ نظرت وهي تكاد لا تصدق، خرجت الفتيات يلبسن كلهن الزي المدرسي وأحذية بيضاء، لكن عبير ليست معهن يا للهول تقول لصاحبتها لا أرى ابنتي لا بد أن مكروهًا قد وقع لها، تحاملت على نفسها وقامت تبحث وراء الكواليس: أين عبير؟ هل رأيت عبير؟ رأتها أخيرًا تجلس في زاوية وحدها وعلى خديها دمعتان كبيرتان، وما إن رأت أمها حتى ركضت إليها وألقت برأسها على حجرها وانخرطت بالبكاء هدأت الأم من روع طفلتها وهي تقول: حمدًا لله أنك بخير، كنت خائفة عليك، تبًا للنشيد وتبًا للحفل كله، قالت عبير وهي لا تزال تبكي حتى لتكاد تعجز عن التقاط أنفاسها: منعتني المعلمة المسؤولة عن الحفل من الخروج، سألتها عن السبب، فقالت: لا شيء، خمس فتيات يكفي للمشاركة في الأنشودة مسحت الأم دموع طفلتها، وأخذت تهون عليها ما استطاعت، ومشتا معًا وبداخلهما قلبان كسيران يتناهى إلى آذانهما صوت طالبة تلقي قصيدة وهي تقول:
أرأيت أسمي أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفسًا وعقولًا؟!