العنوان محنة أهل السنة في لبنان
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1985
مشاهدات 87
نشر في العدد 706
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-فبراير-1985
- مأساة السنة في لبنان جزء من مأساتهم في العالم الإسلامي.
الحوادث التي شهدتها وتشهدها المناطق الإسلامية السُّنية في لبنان تدعونا للاعتقاد بأنه ثَمة مؤامرة مرسومة خططت لها أطراف متعددة، تشترك باتجاهها العدواني ضد الإسلام السُّني وإن كان هذا الاتجاه تتفاوت درجة عدوانيته بين طرف وآخر إلا أن المحصلة واحدة وهي الاتفاق الجماعي على تحجيم دور الإسلام السُّني وشل فاعليته، والمتتبع لأوضاع العالم الإسلامي يلاحظ وبوضوح أن معالم وخيوط المؤامرة تنتشر على امتداد رقعة العالم الإسلامي «وإن كانت درجات الوضوح تختلف من قطر إلى آخر حسب الأوضاع الخاصة بكل قُطر».
وسنحاول اليوم كشف بعض خيوط هذه المؤامرة من خلال ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يجري على الساحات الأخرى في العالم الإسلامي على أن نتابع كشف خيوط هذه المؤامرة على الساحات الأخرى مستقبلًا.
مسار المؤامرة في لبنان
لم يعرف تاريخ لبنان طائفة استطاعت ربط لبنان بالعالم العربي المسلم سوى الطائفة السنية ولم تكتفِ هذه الطائفة الكريمة بربط لبنان بأصوله التاريخية والجغرافية بل بذلت من الدم والجهد الكثير الكثير من أجل الحفاظ على هذه الرابطة طوال عشرات السنين، وكانت مناطق التجمع السُّني في لبنان مثل بيروت وطرابلس بمثابة القلاع الحصينة في وجه التيارات الانعزالية والطائفية.. التي حاولت قطع الروابط التاريخية للبنان مع أصوله العربية الإسلامية.. ومع أن هذه التيارات كانت تفشل دائمًا في تحقيق أهدافها إلا أنها لم تتنازل عنها واستمرت في التخطيط الكيدي بانتظار الفرصة المناسبة لتنفيذ مخططاتها.
ومع بداية السبعينيات بدأت موجات من الفلسطينيين تتدفق على لبنان نتيجة عدة عوامل أهمها سقوط الضفة الغربية بيد اليهود إثر حرب الأيام الستة عام 67 والأحداث الدامية التي جرت عام 1970م في الأردن والتي أدت إلى حدوث هذه الهجرة الفلسطينية إلى لبنان، وكانت هذه الهجرة إيذانا ببدء تنفيذ المخططات الرامية إلى ضرب الطائفة الإسلامية سيَّما وأن هذه الهجرة سببت قلقًا شديدًا للأوساط النصرانية التي لاحظت مدى التفاعل الإيجابي بين اللاجئين الفلسطينيين والمسلمين اللبنانيين الذين فتحوا قلوبهم قبل دورهم لإخوانهم الفلسطينيين، وكان القلق النصراني والباطني واليهودي.. ينطلق من عدة منطلقات نوجزها في التالي:
- تدفق هذا العدد من اللاجئين الفلسطينيين من شأنه أن يؤدي إلى ازدياد الرقعة العددية للمسلمين السُّنة في لبنان «نظرًا لأن الغالبية العُظمى من هؤلاء الفلسطينيين إن لم يكن جميعهم ينتمون للإسلام السُّني».
- التواجد الفدائي الفلسطيني على الأرض اللبنانية وبهذه الكثافة من شأنه أن يُذْكي الروح القتالية في نفوس المسلمين ويدفعهم إلى التحرك لتغيير الوضع اللبناني الذي تسيطر عليه طائفة النصرانية.
- الانطلاق نحو ممارسة الأعمال الفدائية ضد الكيان الصهيوني من شأنه أن يوقع ضررًا على ذلك الكيان وبالتالي سيؤثر حتمًا على المصالح الهامة والإستراتيجية للنصارى والطوائف الأخرى.
الخطوة الأولى في المؤامرة
لا نريد هنا استعراض الأحداث اللبنانية على مدى العشر سنوات الماضية فقد تعرَّضنا في المجتمع سابقًا لتلك الأحداث وبينَّا الرؤية في المجتمع سابقًا لتلك الأحداث وبينَّا الرؤية الإعلامية الإسلامية فيها، ويهمنا هنا أن نشير إلى أن التنفيذ الفعلي والقوِي للمخططات الرامية إلى ضرب الطائفة الإسلامية السُّنية بدأ مع المجازر التي أودت بحياة الآلاف من المسلمين السُّنة اللبنانيين والفلسطينيين وصولًا إلى الغزو الإسرائيلي عام 82 الذي دفع الفلسطينيين إلى التجمع في بيروت الغربية، معقل المسلمين السنة، حيث واجهت الطائفة الإسلامية السنية أقوى حصار شهده العالم العربي في تاريخه والذي استمر عدة أسابيع كانت فيه الصواريخ والقنابل الفراغية والنابالم و...... تسقط على بيروت حاملة الموت والدمار، و.... ومع ذلك كله كان أهل السنة اللبنانيين والفلسطينيين يسجلون أروع ملاحم الصمود الحقيقي والتصدِّي الحقيقي في الوقت الذي كانت فيه كل القوى الأخرى تقف متفرجة على ما يجري حول بيروت، وكانت المؤامرة التي اتفق عليها تقتضي إخراج المقاومة الفلسطينية وفصل التلاحم بين أهل السُّنة اللبنانيين والفلسطينيين، وبالفعل وجدت الطائفة الإسلامية السُّنية نفسها تقف وحيدة أمام العدو الصهيوني والباطني والنصراني و..... واستمرت المؤامرة في خطها المرسوم وتحت ستار تنفيذ ما أسموه بالخطة الأمنية وإعادة الاستقرار و... و.... ثم نزع السلاح من أهل السنة ولم ينزع من أية طائفة أخرى بينما الخطة الأمنية توجب نزع السلاح من كافة المليشيات فلماذا توقفت عند الطائفة الإسلامية السنية؟
الخطوة الثانية في المؤامرة
بعد أن تم تنفيذ الخطوة الأولى من المؤامرة بنجاح حيث تم تجريد الطائفة السُّنية في بيروت من سلاحها بدأ تنفيذ الخطوة الثانية من المؤامرة حيث تم احتلال بيروت الغربية من قِبَل المليشيات اللبنانية التي لعبت لعبتها تحت شعار التحالف الإسلامي تارة، وتحت شعار الحركة الوطنية تارة أخرى، ولم يكن هذا الشعار سوى فخ نصب بخبث ودهاء للإيقاع بالطائفة السُّنية وتحجيمها وشل فاعليتها، والغريب أنه رغم التباين العقائدي بين هذه المليشيات فقد تحالفت تحالفًا تكتيكيًّا فرضته المرحلة الثانية من المؤامرة «وكنا نحاول دائمًا الابتعاد عن أي مَنحى طائفي إلا أن الأوضاع التي يعيشها أهل السُّنة في لبنان لم تعد تسمح بالسكوت».
نقول إن الخطوة الثانية بدأت مع استقرار مليشيات حركة أمل والمليشيات الدرزية في بيروت الغربية معقل أهل السنة، حيث بدأت هذه المليشيات بممارسة شتى أنواع الضغط والإرهاب ضد أبناء السنة من سكان بيروت ومع أن أبناء السنة لم يعترضوا بادئ ذي بدء على تواجد مليشيات أمل والدروز بسبب سماحة التوجهات الإسلامية السنية، وعدم وجود خلفية تاريخية سيئة حول العلاقة السُّنية- الشيعية، إنما بعد الانتصار العسكري الذي حققته مليشيات أمل في الضاحية بدأت استعراض القوة في شوارع بيروت وسط التجمع السكاني السُّني، وكان هذا الاستعراض مثيرًا للاستفزاز نظرًا لتضمنه سلوكيات لا يمكن أن تعبِر إلا عن تسلط فئة على فئة وهيمنة طائفة على طائفة.. وهنا تكمن أهداف الخطوة الثانية من المؤامرة فقد تم تحقيق الهدف الرامي إلى حصر التجمع السكاني السُّني في بيروت ومحاصرته من قِبَل مليشيات حركة أمل والدروز، ولا يمكن أن ينسَى أهل بيروت تلك الهجمة الشرسة من جانب هذه المليشيات على ما تبقَّى من شباب بيروت الرافضين لإلقاء السلاح فقتلت وجرحت العديد منهم واستولت على مراكزهم واقتحمت حتى المساجد والمراكز الإسلامية السنية، ولم تكتفِ هذه المليشيات بما فعلت بأهل السنة في بيروت بل قامت بمحاصرة المخيمات ومنعت أي تواجد مسلح داخل هذه المخيمات.
إن تصرفات مليشيات أمل وغيرها تدفعنا إلى القول إنه كما هي مقدمات الانقسام الطائفي الإسلامي- المسيحي حيث التسلط المسيحِي والهيمنة المسيحية، بدأت مقومات الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة نتيجة التسلط الشيعي والهيمنة الشيعية التي بدأت ملامحها في بيروت والضاحية نتيجة تصرفات قادة حركة أمل ولا نقول عناصرها والتي تدفعنا إلى وضع أكثر من علامة استفهام عند أسماء هؤلاء القادة.
حتى الجيش اللبناني الذي منح صلاحية تطبيق الخطة الأمنية كان ينطلق من منطلقات طائفية، لم يكن لأهل السُّنة نصيب فيه، واللواء السادس الذي دخل بيروت لحفظ الأمن كان لواء شيعيًّا قبل أن يكون لواء لبنانيًّا، ويقول عاكف حيدر رئيس المكتب السياسي لحركة أمل «كان اللواء السادس ذا قيادة شيعية فقط، ولكن بعد حرب الجبل والضاحية انضم إلى اللواء نحوًا من 5000 عسكري شيعي لذلك أصبح لواء شيعيًّا»، وبذلك أصبحت الطائفة الإسلامية السُّنية تحت هيمنة مليشيات أمل الشيعية واللواء السادس الشيعي إضافة إلى وحدات عناصر المليشيات الدرزية فكيف يمكن تفسير هذا الوضع؟
تساؤلات مطروحة
إن الحديث عن محنة أهل السُّنة في لبنان يحتاج منَّا إلى صفحات وصفحات لكون هذه المحنة جزء من المؤامرة على المسلمين السُّنة في العالم، وما يحدث في بعض الأقطار الإسلامية يوضح لنا وبشكل قاطع هذه الحقيقة.
ويدفعنا الإيجاز الصحفي إلى أن نتوجه بالتساؤلات التالية لكل المهتمين بأوضاع السُّنة ولكل المهتمين بما يجري على الساحة اللبنانية وإلى عناصر أمل قبل قيادتها ففي هذه التساؤلات تكمن الحقيقة المؤسفة.
1- لماذا اعتمدت الخطة الأمنية في بيروت الغربية على اللواء السادس المكون من عناصر شيعية وقيادة شيعية؟
2- لماذا كانت أمل حركة شيعية فقط ولم تستوعب في تنظيمها عناصر سنية؟
3- لماذا تتركز أمل في بيروت الغربية والمليشيات الدرزية في إقليم الخروب السنِّي وتحاصَر طرابلس من المليشيات العلوية؟
4 - كيف حصلت أمل على هذه الكميات من الأسلحة وكيف حصلت المليشيات الدرزية على الأسلحة؟
5 - لماذا ينزع السلاح من أهل السُّنة فقط تحت شعار الخطة الأمنية؟
6- لماذا يفرض دخول قوات لبنانية ذات انتماء درزي وشيعي إلى منطقة صيدا ذات الأغلبية السُّنية؟
7 - لماذا ترفض أمل والمليشيات الدرزية عودة الفلسطينيين أو حتى وجود أي مسلح فلسطيني في المخيمات؟
8- كيف يمكن تفسير قول الشيخ عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري بأن بيروت لقاطنيها وهل يعني أن هناك إستراتيجية لتوطين الشيعة في بيروت على حساب السُّنة؟
9- لماذا لم يتوطن الشيعة القادمون من الجنوب في مناطق البقاع ذو الأغلبية الشيعية بدل بيروت؟
10- لماذا يتشكل الجيش اللبناني من ألوية شيعية ودرزية ونصرانية فقط؟
11- لماذا العنف والمتفجرات والإرهاب والسيارات المفخخة في بيروت وطرابلس فقط؟
12- لماذا لا يحصل هذا الذي يجري في بيروت الغربية في بيروت الشرقية والجبل والبقاع و....؟
13- لماذا تدفع لأمل حصة أهل السنة في المراكز الوظيفية القيادية بالاتفاق مع الكتائب؟
14- لماذا يعترض صائب سلام، وسليم الحص وغيرهم على توزيع المناصب واتهام أمل بالتواطؤ مع الكتائب؟
15- ماذا يعني قول عاكف حيدر رئيس المكتب السياسي لحركة أمل «إننا نتفهم تخوف المسيحيين على اعتبار أنهم قلة في منطقة محاطة بعالم عربي إسلامي، ونحن أيضًا خائفون؛ لأننا نحن في إطار هذه الأمة»؟
16- ألا يستفيد النصارى من ضرب السُّنة وحصارهم؟ ألا يستفيد اليهود؟ ألا يستفيد؟
17- ألا يحق لنا بعد هذا كله أن نقول:
إن حصار السُّنة أو المؤامرة على السُّنة في لبنان جزء من المؤامرة على المسلمين السُّنة في العالم؟