العنوان أفغانستان.. استراتيجيات الدول المجاورة
الكاتب محمد ناصري
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 46
السبت 19-مايو-2001
وإذا كان البعض يوجه أصابع الاتهام نحو طالبان ويراها مسؤولة عما حل بالشعب الأفغاني، فإن للاستراتيجيات التي تتخذها الدول المجاورة تجاه هذا البلد نصيبًا وافرًا في جلب الدمار والتوجه بأفغانستان نحو مسار مجهول.
فإسلام أباد لا ترضى إلا أن تكون مقاليد الحكم في أفغانستان بأيدي طالبان، الجماعة التي تتبع إسلام أباد ومدارسها الدينية التي درست وتخرجت فيها، الأمر الذي تعتبره طهران تحديًا سافرًا لها. ومن هنا لم يتغير الموقف الإيراني تجاه طالبان طوال السنوات الأربع الماضية، وهي لا ترضى بوجود حكومة سنية معارضة في أفغانستان، ولذلك ترفض القبول بطالبان.
وتعتقد طالبان -على صعيد آخر- أن إيران كانت وراء الحروب المستمرة ضدها، حيث جمعت طهران المعارضة الشمالية بمن فيهم أحمد شاه مسعود والجنرال عبد الرشيد دوستم -حاكم الولايات الشمالية قبل إطاحة طالبان بحكومته عام ۱۹۹۷م- وإسماعيل خان -والي مقاطعة هيرات سابقًا- بالإضافة إلى بعض قوات ميدانية أخرى من الموجودين في إيران ودول آسيا الوسطى بمدينة مشهد الإيرانية في أكتوبر الماضي، وعلى إثر ذلك الاجتماع شنت المعارضة حربًا شرسة ضد طالبان في مقاطعة تخار في الشمال الشرقي قرب الحدود مع طاجيكستان، وتمكنت المعارضة من استرجاع جزء مما خسرته في صيف العام الماضي على يد طالبان، وتبدأ المشكلة من حيث كرست الدول المجاورة لأفغانستان استراتيجياتها المتضاربة في أعقاب انسحاب السوفييت من أفغانستان عام ۱۹۸۸م، على خلفية ضرورة إيجاد قوة مسيطرة على مقاليد الحكم في أفغانستان كل طرف يسعى لأن تكون موالية له ليضمن مصالحه. وقد وصل الأمر في الشهور الماضية درجة أن تداولت المحافل الدبلوماسية أنباء بخصوص احتمال تجزئة أفغانستان إلى شطرين؛ شطر كبير يشتمل على العاصمة كابل، وآخر مستقل تحت إدارة قوات المعارضة بقيادة شاه مسعود، وذلك بعد التيقن من استحالة اجتماع النقيضين. فقد حولت باكستان جارتها أفغانستان عمليًّا إلى حزام أمن لها، ومن هذا المنطلق لا ترضى بوجود حكومة موالية لها فحسب، وإنما تريد إقامة حكومة معاندة لطردالدول المنافسة.
التدخل الخارجي وتضارب المصالح هما العقبة الكؤود أمام أي تقدم في الشؤون الأفغانية الداخلية، وسبب في تأجيج الصراع في بلد ذي موقع استراتيجي مهم يشكل حلقة الوصل بين هذه الدول أو الفاصل بينها، كما فصل بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية فيما قبل الحرب العالمية الثانية. علاوة على أن أفغانستان تعد مصدر مخاوف لجيرانها، فهذا البلد يحمل غرائب تاريخية وجغرافية وثقافية متعددة. فعلى سبيل المثال عندما تسلم الملك عبد الرحمن خان (۱۸۸۸ - ۱۹۰۱م) السلطة، تحولت أفغانستان في غضون مدة قصيرة زمنيًّا إلى قوة عسكرية عملاقة، امتلكت مصانع لمختلف الأسلحة الحربية، ووضع يومئذأساس الجيش الأفغاني الذي انهار عن عمر يناهز أكثر من ثمانين عامًا. فالقاطنون في هذه المنطقة الجبلية ليسوا أشداء في البأس فحسب، وإنما ظلوا يمتلكون ميراث الثقافة الخراسانية العريقة. ومن هنا قرر الجيران تمزيق أفغانستان جغرافيًّا وسياسيًّا. وقد نفذت الخطة الأولى لتمزيقها وعندما اقتطع جزء كبير من شمال البلاد، كما قطع جزء من جنوبها بموجب معاهدة «جندمك»، وأرغمت أفغانستان يومئذ على التوقيع عليها. أما الدول التي بنت مصالحها على تكريسالحرب في أفغانستان، فلن تجني إلا الكره في قلوب الشعب الأفغاني تجاههم، الأمر الذي لن يخدم مصالح المنطقة على المدى البعيد.
محمد ناصري