; بولندا من الثورة على الأيديولوجيات الشيوعية إلى احتمالات الموقف المصيري | مجلة المجتمع

العنوان بولندا من الثورة على الأيديولوجيات الشيوعية إلى احتمالات الموقف المصيري

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

مشاهدات 79

نشر في العدد508

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

جميع وسائل الإعلام في العالم الغربي مشغولة اليوم بأزمة بولندا الأخيرة التي يقودها العمال.

ودول الكتلتين الشرقية والغربية مشغولتان عل ما يبدو بوضع السيناريو المتعلق بمستقبل بولندا.. يتخلل ذلك كلام يتدرج من النصيحة والموعظة الحسنة إلى الشتيمة واللعن.

• -فالسوفيت ينصحون شعب بولندا تارة بالكف عن ثورته على النظام الشيوعي، ويتهمون عواصم غربية بإثارة الأوضاع وصب الزيت على النار لدفع الغليان الثوري إلى الأعلى، مما يؤدي بالتالي إلى سقوط النظام الشيوعي في وارسو.

•  -والولايات المتحدة في عهدها الانتقالى تطلق تحذيراتها للروس الشيوعيين على لسان كارتر وريغان، اللذين دأبا في الفترة الأخيرة على صنع زوبعة إعلامية حول المشكلة البولندية.. لتظهر الولايات المتحدة بمظهر المدافع عن حق البولنديين في تقرير المصير وسط أنباء كانت تشير إلى أن الروس قاموا بحشد «‎3٠‏» فرقة عسكرية من الجيش الروسي على الحدود البولندية، وإذا أردنا فهم حقيقة ما يحدث في بولندا لابد من العودة إلى الجذور.

‏جذور قديمة:

‏إننا لا نستطيع بشكل أن نفهم حقيقة ما يجري في بولندا «أسبابًا وأهدافًا» إلا إذا عدنا إلى جدول تاريخي يكشف لنا عن جذور المشكل البارز على السطح في الفترة الأخيرة.

-فالأرشيف الصحافي يذكر المراقب بأحداث دامية حدثت ف بولندا «بولونيا» عام «‎١٩٢٠»‏ أي منذ ستين سنة؛ حيث وقعت صدامات عنيفة بين البولنديين والبلاشفة الشيوعيين القادمين من روسيا.

‎‏ أما الذاكرة السياسية للمراقب فإنها لا بد آن تسعفه بحادثين حصلا في عقد السبعينات الماضي.

١-ففي‏ عام ‎«‎1970»‏ حدثت اضطرابات عنيفة أدت إلى صدامات مسلحة بين العمال ورجال الحكومة.. وكانت الشعارات العمالية المناهضة للسلطة آنذاك محصورة ضمن الموضوع الاقتصادي والحالة المالية لهم ولمواطني الدولة جميعًا، وقد سقط كثير من العمال قتلى ففي العام المذكور.

 

2-‏ وفي عام «١٩٧٦»، أي منذ أقل من خمس سنوات فقط؛ شهدت بولندا اضطرابات عمالية مماثلة؛ إلا أن مطالب أصحاب الاضطرابات كانت أكثر وضوحًا ودلالة.. حيث كشفت عن رغبة البولنديين بالتخلص من النظام

الاقتصادي السائد الذي أدى إلى قلة السلع المعروضة مع انخفاض الأجور.

3 -كانت الحكومة البولندية في كل مرة تبحث عن الترقيعات اللازمة للعمل على تلاشي الزوبعة العمالية.. إلى أن جاء صيف عام«0‎١٩٨»‏ وكان حارًا على رؤوس البولنديين، الذين تحركوا هذه المرة بشكل كاد أن يشل الحياة في جميع أنحاء الدولة، لكن الاضطرابات العمالية أخذت في هذه المرة شكلا يحمل أيديولوجية محددة.

 

‏أيديولوجية الاضطرابات الجديدة:

 

‏بالرجوع إلى الشعارات التي طرحها العمال البولنديون من خلال مطالبهم في اضطرابات عامي «‎١٩٧٠- 1976»‏ نجد أن تلك الاضطرابات لم تصل إلى مستوى متكامل من الفكر الثوري الذي حدد برنامجًا معينًا له.. ذلك أن المطالب كانت آنذاك محصورة في قضية أساسية واحدة هي قضية التحسين المعاشي.

 

‏لكن.. هل هناك تطور ما في اضطرابات عام «١٩٨٠»‏؟

نعم!

فلو رجعنا إلى الشعارات الصريحة الواضحة التي أطلقها رجال المعارضة العمالية في بولندا.. لوجدنا أن الحركة العمالية لم تقف عند حدود مطالب عام ١٩٧٦- ١٩٧٠‏ وإنما تعدتها، وكشفت عن حقيقة رغبتها الدفينة.

يقول أحد الشعارات: «الحرية لبولندا»

ماذا تعني هذه الكلمة.. هل تعني أن البولنديين وعلى رأسهم العمال يريدون شيئًا سياسيًّا: وهل يعني أن المطالب الاقتصادية المطروحة في السابق واللاحق كانت رصاصات توجه إلى الشكل الاقتصادي الذي ينتهجه النظام

الشيوعي الحاكم؟

قد يكون هذا واردًا.

ومع ذك فإننا لو تتبعنا المتظاهرين طيلة الصيف المنصرم. فلابد لنا أن

نتساءل:

- لماذا توجه البولنديون في إحدى المظاهرات التي ضمت عشرات الألوف من المتظاهرين والمضربين نحو مقبرة ضحايا الحرب «الروسية – البولندية» التي حدثت عام١٩٢٠؟.‏

- ولماذا توجهت بعض المظاهرات أيضًا لزيارة تمثال الملك البولندي «يوهان سويسكي» الذي انتصر عليه السوفيات في الحرب المذكورة،

وأخضعوا بولندا تحت حمايتهم وضموها داخل نفوذهم بعده؟.‏

إن وراء هذا السلوك دوافع كثيرة. هل أبرزها هو إعلان الشعب البولندي وعلى رأسه العمال المضربين عدائهم لشيئين؟

الأول: النظام الشيوعي الذي جعل بلادهم مستعمرة لنظام يسيطر عليه الاتحاد السوفياتي، فهم يريدون «الحرية لبولندا».‏

الثاني: الاتحاد السوفياتي، وهو الذي يقف من الشعب البولندي موقفًا عدائيًا منذ القديم. فهناك عداء تقليدي بين الروس الأرثوذوكس قديمًا. والشعب البولندي الكاثوليكي، وهذا الذي جعل أحد الكهنة الكاثوليك يلقي موعظة في كنيسة «جامعة سانت آنا» في وارسو، شبَّه فيها انتصار البولنديين على البلاشفة عام«١٩٢٠»‏ ‎بالنسبة لأوروبا بهزيمة الجيش العثماني أمام بوابات فيينا عام ‎١٦٨٣‏.

عناصر الأيديولوجية الجديدة:

 

‏لا بد أن نضيف ما سبق إلى شيئين جديدين قبل أن نعدد عناصر الأيديولوجية السياسية الجديدة التي يطمح البولنديون لتحقيقها:

الأول:

• كلمة رئيس اللجنة العمالية فاليسا.. الذي وجهها عبر التلفزيون في حوار مع نائب رئيس الوزراء في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس الماضي. فقد جاء فيها:

«إن الصعوبات الاقتصادية التي تشهدها بولندا جاءت نتيجة لعدم تمثيل كافة فئات المجتمع.. وبدرجة كافية في الهيئات المختلفة.. نحن قمنا بهذه الاضطرابات لتكون لدينا نقابة مستقلة.. وهذا حقنا».

الثاني:

-كلمة‏ زعيم لجنة الدفاع عن العمال المضربين «كوروت» والذي اعتقلته السلطات يوم 21/8/1980 في مقال له ضمن إحدى النشرات العمالية السرية.. فقد أشار إلى المظالم الاجتماعمية التي ينوء تحتها المجتمع البولندي، وفضح الممارسات التي تصدر عن الهيئات الرسمية للنقابات العمالية التي لم تعد تمثل إلا قياداتها فحسب. ويقول كوروت بعد هذه الاتهامات:

‏«إنني مقتنع بأن الشعب البولندي نفسه يمكنه حل هذه الأزمة، ويمكنه أن يجد الطريق إلى الديمقراطية»

ثم يقول:

«ولكن‏ المهمة الأولى للمعارضة تكمن في تحويل المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية، هنا تبدو عناصر الأيديولوجية الجديدة واضحة.. فبالنظر إلى مجموع ما تقدَّم نجد أن الشعب البولندي يقف على بركان انقلابي

يتناول جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك

كما يلي:

1- الانعتاق‏ من الهيمنة الروسية.. والخروج من المعسكر الشيوعي الذي يسيطر عليها لاتحاد السوفياتي.. وما أدل على ذلك من شعار الحرية لبولندا.. وزيارات المظاهرات لضحايا الحرب مع الروس، وتمثال الملك الذي حكم بولندا قبل أن تحكمها الشيوعية.

‎٢‏- النظام الديمقراطي.. حيث إننا نلاحظ في كلمة زعيم لجنة الدفاع عن العمال المضربين أن الديمقراطية كنظام هي هدف من أهداف التحرك العمالي، ولا سيما عندما يأتي ذكر هذا الهدف مع الإشارة إلى أنه من الواجب تحويل المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية.

‏3- البحث‏ عن انفراج حكومي.. ورغبة في شكل حكومي يكون أكثر تمثيلًا للشعب، وفصل النقابات المهنية والعمالية عن سلطة الحكومة، وهذا ما نلاحظه في كلمة رئيس اللجنة العمالية ضمن حواره مع رئيس الوزراء.

ماذا يعني ما تقدم من نقاط؟

إنه يعني بكل وضوح: ‎«سقوط الشيوعية»، وليس صدعًا في النظرية الشيوعية فحسب كما ذهبت الصحف الغربية في تحليلها، حيث إن كل واحد من هذه المطالب على حدة ينادي جهارًا بسقوط النظام الشيوعي والنظرية الماركسية التي أدت بالشعب البولندي إلى ما هو عليه؛ من فقر وبطالة وتخلف، على الرغم من أن الامكانات الطبيعية لبولندا تستوعب ضعف عدد السكان الموجودين وعددهم «35» ‎مليون بحسب آخر إحصائي رسمي للسكان هناك.

أضواء على المواقف الدولية:

إن تجربة الثورة على النظام الشيوعي.. وعلى الولاء السياسي للاتحاد السوفياتي حصلت مرارًا في بلدان المعسكر الشيوعي.

• فقد‏ حدث في الستينيات تململ وتحرك في مواجهة الاتحاد السوفياتي داخل كل من المجر وتشيكوسلوفاكيا، التي دخلتها القوات السوفياتية في صيف عام ١٩٦٨.‏

وقد حدثت اضطرابات داخل بولندا نفسها كما أشرنا سابقًا، إلا أنها لم تقوَ على تغيير النظام وشكل الحكم.

• ‎وخلال ذلك كله كان لدول المعسكر الغربي مواقف تميزت بالأشكال الإعلانية، التي لا يمكن وصفها بالجدية أبدًا، بحيث تمكن الاتحاد السوفياتي من قمع كل من التحرك داخل المجر وتشيكوسلوفاكيا، خلال سويعات قليلة عن طريق الغزو المكثف المتناسق بهدف الحفاظ على النظام الشيوعي، وبقاء تلك الدول داخل الهيمنة والنفوذ الروسيين.

لكن.. كيف يبدو الموقف الدولي الآن؟

وما هي الاحتمالات المرتقبة في المستقبل القريب لبولندا؟

 أولا: المعسكر الشرقي:

لقد أعلن السوفيات موقفهم مما يجري في بولندا بتصريح يحمل بعض الحساسية من احتمالات ردود الفعل الغربية، فأعلنوا في الصحيفة الرسمية «البرافدا» أن ما يحصل في بولندا إنما هو موضوع داخلي يتعلق بحكومة وارسو فقط.

ويبدو أن السوفيات كانوا في بدء الأزمة العمالية على ثقة كبيرة بأن حكومة وارسو قادرة على وقف الاضطرابات بوسائلها المختلفة.

لكن تطور الاضطرابات في الشهر الأخير، جعل الروس الشيوعيين يهددون شعب بولندا بشكل مباشر، فقد كتبت البرافدا مؤخرًا وهي تخاطب الشعب البولندي الثائر على النظام الشيوعي والتبعية للسوفيات بقولها:

«إن كل فرد يجب أن يدرك – وهو يتحمل المسؤولية الكاملة – الفرق بين المطالب العادلة، والمطالب التي تُهدِّد مصالح الدولة»‏.

 

-أرقام بولندية -

تبلغ مساحة بولندا «‎312700» كم مربع، ويسكنها ‎٣٤‏ مليون نسمة يتمتعون بطبيعة جميلة تحتوي فيما تحتويه على ‎«٢٥٦١»‏ بحيرة منتشرة في أنحاء بولندا، ومدينة وارسو هي عاصمة بولندا، وعاصمة الحلف الشيوعي المسمى بحلف وارسو، ويسكن في العاصمة مليون و400‏ألف نسمة، وهي المدينة الأولى في بولندا، وتشتهر بكثرة متاحفها الأثرية، حيث تحوي «‎355» متحفًا فقط.

يطلب في بولندا من الرجل والمرأة أن يعملا بحسب النظام الشيوعي المعمول به، و يُقدَّر المستوى العام للراتب الشهري حوالي «٢٠٠٠»‏

‏«أزلونة»‏ وكل مئة أزلونة أو «١٢٠»‏ أزلونة تساوي دولارًا واحدًا، أي أن الراتب الشهري للفرد يقل عن عشرين دولارًا، على الرغم من إمكانات بولندا الزراعية، وقد أجمعت الدراسات الاقتصادية لاقتصاد بولندا على أنه يخطو خطوات تراجعية واسعة في ظل النظام الشيوعي، ففي عام ‎١٩٧٤‏ أنتجت بولندا مثلًا «‎٢٣‏» مليون طن من الحبوب.

بينما انخفض الإنتاج عام ‎١٩٧٩‏ إلى « 5ر17‏» مليون طن، في الوقت الذي أشارت فيه آخر التقارير إلى أن » ٥ر١»‏ مليون هكتار من الأرض الزراعية أهمل هذا العام «١٩٨٠»، ويتوقع المراقبون الاقتصاديون أن يقل إنتاج الحبوب في بولندا إلى درجة يتوجب على الدولة أن تستورد حوالي «‎١٠‏» ملايين طن يصل مجموع أسعارها إلى حوالي 6ر3‏ مليار مارك ألماني غربي، أما بالنسبة للعجز التجاري، فبولندا أحد نماذج الدول الشيوعية، فقد كان العجز التجاري للدولة عام «‎١٩٧٠‏» محسوبًا بقيمة دولارين بالنسبة للفرد الواحد؛ بينما ارتفعت قيمة العجز التجاري في عام «‎١٩٧٦» لتصل إلى «‎١٧٥»‏ دولارًا للفرد الواحد، أما نسبة الاستيراد فقد زادت حوالي 5ر15‏ بالمائة سنويًّا. 

بينما لم يرتفع معدل الانتاج الوطني عن ٧ر‏9 بالمائة، أما القوة الشرائية للنقد في بولندا فقد انخفضت في العام الماضي بنسبة ‎٢٠‏بالمائة عن قيمته في العام الذي سبقه.

وهذه الاتهامات والتهديدات الموجهة للشعب البولندي، تشبه تلك التي كان الروس يطلقونها عام ١٩٦٨‏ ضد الزعيم التشيكي «روبتشيك» وزملائه، الذين لم تنفع معهم هذه التهديدات، فكان الغزو الروسي فيما بعد، وهنا يجسد المراقبون السياسيون في الأذهان صورة التصرف الروسي في حالة عدم العودة إلى الاستقرار النهائي في بولندا بقولهم:

«إن‏ مبدأ بريجينيف يبرر أي عمل عسكري من جانب أيٍّ من الدول الأعضاء في حلف «وارسو» في حال تعرض النظام الشيوعي للخطر. ومن هنا كانت حشود»30»‏ فرفة سوفياتية على الحدود مع بولندا، وموقف الاتحاد السوفياتي هذا هو الموقف الاستراتيجي لسائر مجموعة حلفائه دون شك.

ثانيًا: المعسكر الغربي:

يلاحظ المراقبون أنه على الرغم من التحذيرات الغربية الصادرة عن بعض المسؤولين الأوروبيين والأمريكان، فإن صورة الموقف الغربي عامة مما يحدث في بولندا، إنما هي صورة مائعة لم تتعد حتى الآن الموقف الإعلاني الدعائي فقط.

 وإذا تجاوزنا الولايات المتحدة التي عاشت أزمة بولندا وهي في حالة متوترة «سياسيًّا» على المستوى الداخلي بسبب الانتخابات ونتائجها، فإن «بون» عاصمة ألمانيا الغربية مثلت الدور الحقيقي للمعسكر الغربي، عندما أعلنت عن موقفها بإعلان ضخم عن قروض قدمتها لحكومة بولندا؛ تضمنت عدة مليارات من الماركات الألمانية، بهدف مساعدة الحكومة البولندية الشيوعية على تجاوز أزمتها الداخلية، وكان لهذه المعونات الضخمة أثر بالغ في تهدئة الاضطرابات قبل شهرين من الآن،

وهنا لا بد من وضع الملاحظتين التاليتين في الحسبان لدى تحليل مواقف القوى الدولية مما يحدث في بولندا:

‎١‏ -إن الدول الغربية، ومعها الاتحاد السوفياتي؛ ترى أنه من الواجب أن تحل مشكلة بولندا بالوسائل السلمية، وقد يفسر البعض ذلك بسبب الاسترخاء ‎في العلاقات السياسية بين الشرق والغرب.

‎٢‏- إن أي عمل انقلابي يُزيح الشيوعية من بولندا لابد وأن تحل بالمعادلة الدولية القائمة على التوازن، ولاسيما التوازن في وسط أوروبا، ومن شأن نجاح الحركة العمالية في القضاء على النظام الشيوعي، والتخلص من هيمنة السوفيات والتبعية لهم أن يخل بالتوازن المتفق عليه ضمن لعبة الوفاق بين الا تحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة الحليفة لكلا الطرفين، ومعلوم أن الطرف الرأسمالي والطرف الشيوعي حريصان كل الحرص على عدم الإخلال بالموازنة في الوقت الحاضر.

‏-بولندا على الخارطة السياسية

 شكلت بولندا في التاريخ مفترق طرق الإمبراطوريات الأوروبية، فكانت على مدار التاريخ منذ العصور الوسطى، وحتى ما قبل الحرب العالمية الثانية موقعًا جغرافيًّا دائم التأثر بالموازنة السياسية بين شطري أوروبا الشرقية والغربية، وقد وصفت بأنها الحبل الذي تأخذ به أطراف أوروبا المتنافسة في لعبة الجذب والإرخاء؛ حتى إنه عندما كانت تلك الأطراف تبدأ بممارسة لعبة شد الحبل، كان الحبل ينقطع في منطقة الوسط بسبب توازن تلك القوى، فتأخذ كل قوة ما حصلت عليه من بولندا الممزقة، ولهذا اختلفت بولندا – ككيان سياسي – مستقل من الخرطة السياسية لأوروبا مرات عدة، لتصبح قسمة بين روسيا القيصرية وإمبراطورية النمسا ومطامع الفرنسيين أو الألمان الذين عاشوا حقبة طويلة وهم يدعون حقهم في ملكية بولندا، ولا تزال طائفة من الألمان، وهم النازيون يدعون حق ألمانيا في ملكية مساحات شاسعة من بولندا.. ويغالي بعض هؤلاء مُدَّعيًا حق الألمان في ملكية جميع أجزاء بولندا، على أن بعض الدراسات الحديثة تُشير إلى أن رضا البولنديين بالشيوعية كان في أساسه خوفًا من الخطر الألماني. ‎

ومن هنا يستطيع المراقب أن يُفسِّر الأسباب التي دعت الألمان الغربيين لتقديم مليارات الماركات إلى حكومة بولندا الشيوعية، لتجاوز الأزمة على الرغم من التناقضات الشاسعة بين الألمان الغربيين وحكام بولندا الشيوعيين.

احتمالات المستقبل:

لابد وأن تكون القوى الدولية المتآمرة على العالم الآخر قد رسمت السيناريو المطلوب لحل المشكل البولندي وفق مجريات الأمور، أما الآراء المطروحة حتى الآن بهذا الصدد، وذلك بما يخص الموقف السوفياتي، فإنها تنحصر في ثلاثة احتمالات:

١-الطريقة ‏المجرية:

• ‎وذلك بأن يتدخل الاتحاد السوفيتي باسم الدفاع عن حلف وارسو لإعادة النظام في بولندا، مع سكوت دولي على ذلك التدخل.

•عملية مشابهة يقوم بها حلفاء الروس بدلًا منهم، مثل الألمان الشرقيين أو جيش تشيكوسلوفاكيا.

•حل المشكلة بعملية اقتصادية تغرق بولندا بالسلع على أمل أن يجني الحزب الشيوعي البولندي ثمار ذلك، وُيعزِّز أصحاب هذا الاحتمال رأيهم بالزيارة التي قام بها وزير المالية البولندي لموسكو مؤخرًا.

على أن هذه الاحتمالات كلها تبقى متأرجحة.. إلا أنه لا بد من القول إن الروس الشيوعيين دمويون بطباعهم ومسلكهم السياسي، وهم لا يتورعون عن القيام بأي عمل عسكري في اللحظة التي تتطلب منهم ذلك. ولعلنا نميل أخيرًا إلى أن الروس في الوقت الراهن سوف يقومون بكافة الوسائل الكفيلة لدعم الحكومة الشيوعية في بولندا، كما دعموا حفيظ الله أمين في باكستان.. ولن يتحرك الجند الروس.. ولن يتحرك أحد من حلفائهم إلا إذا وصلوا إلى مرحلة أيقنوا فيها بعجز الحكومة البولندية الحالية عن تجاوز الأوضاع الحالية..

‏عندها لا يبقى سوى احتمال الغزو المؤقت، لدعم الحكم الشيوعي.. وإخماد التمرد الشعبي.. ليثبت الروس للعالم أن جميع القوى الكبرى متآمرة حتى على شعوبها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل