العنوان الاستشراق هو البوابة الخلفية للاستعمار الثقافي والسياحي!
الكاتب عبد العزيز محمد الجبرين
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 1017
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-سبتمبر-1992
حوار مع د. علي النملة حول الاستشراق: الدوافع، الأهداف، والارتباط
بالسياسة والاستخبارات
د. علي النملة لـ«المجتمع»:
· ظاهرة الاستشراق ليست
جديدة علينا وإنما تعود إلى تاريخ المسلمين في الأندلس.
· دوافع الاستشراق بدأت
دينية ثم ظهرت بعد ذلك الدوافع السياسية والاستعمارية.
أكد الدكتور عليبن إبراهيم النملة لـ«المجتمع» أن من المسلم به الآن بين الباحثين كون أجيال
وجماعات من المستشرقين يعملون بتركيز في مجالات الاستخبارات ودراسة القرار السياسي
في الشرق الإسلامي. وهو حينما يؤكد ذلك لا ينطق من فراغ؛ لأنه باحث متخصص في شؤون
الاستشراق والتنصير، وهما أبرز اهتماماته البحثية كما قال ذلك.
وهو أستاذ
المكتبات والمعلومات المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. وقد
نال شهادة الدكتوراه في مصادر المعلومات وتجهيزاتها من جامعة كيس وسترن ريزيرف
بالولايات المتحدة الأمريكية.
ويعمل الدكتور
النملة حاليًا مديرًا عامًّا للمكتب التنفيذي للهيئة العامة لاستقبال التبرعات
للمجاهدين الأفغان.
ومن أهم الأبحاث
التي قدمها الدكتور علي النملة:
الاستشراق
وعلاقته بالاستعمار.
الاستشراق في
خدمة التنصير.
كنه الاستشراق:
مناقشة التعريف والنشأة والأهداف والدوافع.
الاستشراق مصدر
من مصادر المعلومات عن الإسلام والمسلمين.
ومن الكتب التي
تحت الطبع:
الاستشراق
والمستشرقون في الأدبيات العربية.
التنصير في
الأدبيات العربية.
ومن أجل ذلك كله
كان هذا الحوار الذي سيَحِسُّ عزيزنا القارئ أن ضيف المجلة يحمل ثراء معرفيًّا
بخصوص موضوعه.
للاطلاع على
السيرة الذاتية والأعمال العلمية للدكتور علي النملة، اضغط هنا (https://fac.ksu.edu.sa/alnemlah)
مفهوم الاستشراق: تجاوز البعد الجغرافي ليشمل غير المسلمين
المجتمع: كيف
نستطيع تحديد مفهوم الاستشراق، خاصة مع أن هناك من الشرقيين من كتب كتابات عدة ضمن
سياق الفكر الاستشراقي، بل وعد بعضهم نفسه من ضمنهم أمثال نجيب العقيقي في كتابه
«المستشرقون»؟
د. النملة:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد؛ فإن مفهوم الاستشراق
الدقيق غير محدد تمامًا، وبخاصة مع خروج مراكز العلم والثقافة من المجتمع الغربي
وانطلاقها إلى الشرق الجغرافي. فبعض المتابعين لا يزال ينظر إلى الوجهة الجغرافية
لهذا المفهوم، والمبرر لذلك هو انطلاق فكرة الاستشراق من أوروبا ثم أمريكا الآن.
وأحاول أن أحدد
مفهوم الاستشراق بأنه إسهام علماء ومفكرين غير مسلمين في العلوم الإسلامية بغض
النظر عن جغرافية هؤلاء العلماء؛ بحيث يشمل المفهوم الآسيويين بعامة والأفارقة
والعرب من غير المسلمين بخاصة، فكل عربي غير مسلم يتحدث عن الإسلام بالطريقة التي
يتحدث بها المستشرقون هو عندي مستشرق، ويدخل في هذا المفهوم نصارى العرب واليهود
العرب كذلك، وهذا التحديد مستقى من كتابات الأستاذ نجيب العقيقي -وهو ماروني عربي-
حيث عقد فصلًا في كتابه «المستشرقون» عن المستشرقين الموارنة، وأورد مجموعة من
العرب ممن عَدَّهُم من المستشرقين، وعليه فإني بهذا المفهوم لا آتي بجديد، بل أجد
مصطفى السباعي -غفر الله له- يدرج مجدي قدوري ضمن المستشرقين وهو من العراق، وعبد
الرحمن بدوي آل السمعاني من الموارنة ضمن موسوعته عن المستشرقين.
والنقص في هذا
المفهوم أنه يقف عاجزًا عن تصنيف بعض المستشرقين الذين تخصصوا في الجاهلية عند
العرب -إن وجدوا- فهؤلاء إن تخصصوا بالجاهلية عند العرب دون التعرض للإسلام من
قريب أو بعيد فإنه قد يصدق عليهم مفهوم المستعربين، وأشك في أي مستشرق يتخصص في
أحوال العرب ولا يتعرض للإسلام حتى إذا ركز دراساته على الجاهلية؛ إذ قد يَقْصِدُ
من وراء هذه الدراسات لمز الإسلام بشيء على اعتبار أنه قام بعد الجاهلية العربية
وغير العربية.
مواقف المسلمين من الاستشراق ودوافعه
المجتمع: كيف نستطيع تأصيل موقفنا من تلك الظاهرة ونظرتنا إليها من
خلال القرآن الكريم؟ وهل هي جديدة على الأمة الإسلامية، أي في العصر الحديث؟
د. علي: الحق أن موقفنا
نحن المسلمين من الاستشراق على 3 توجهات:
القبول المطلق:
مبعثه الانبهار بإسهامات المستشرقين ونضوب الثقة بالدين والعلماء المسلمين.
الرفض المطلق:
سببه الخوف على الإسلام من التفسيرات المادية وعدم توقع الإنصاف منهم لعداوتهم
المستمرة للمسلمين (كما في البوسنة والهرسك).
المواجهة
الإيجابية: قبول الصالح ونبذ الطالح، والتعامل مع الظاهرة الموجودة بإيجابية.
وهذه التوجهات
جميعها تستند على آيات من القرآن الكريم وأحاديث من السنة النبوية، مما يجعل
المعيار هنا غير واضح المعالم وخاضعًا للتأويلات. وسأصدر قريبًا -إن شاء الله-
مقالة علمية تعالج هذه المواقف مستندًا فيها على استقراء مجموعة من الإسهامات
العربية، وأبرزها مقالة للأستاذ عبد الرحمن اصطيف حول المواجهة الإيجابية، نشرها
في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ومجلة المستقبل العربي.
وليست ظاهرة
الاستشراق جديدة علينا، فهي تعود إلى تاريخ المسلمين في الأندلس وورود بعثات غربية
إلى الجامعات الإسلامية في الأندلس وفي الشرق مبعوثة من الكنائس والأديرة وبلاطات
النبلاء والأشراف الغرب.
المجتمع: في نظركم ما دوافع الاستشراق وبواعثه؟
د. علي: عندما انتشر
الإسلام أحست الكنيسة في أوروبا أن هذا القادم الجديد بدأ يهدد وجودها المحرف ومن
ثم يهدد مصالح رجال الدين النصارى. وعندما طرق الإسلام أبواب أوروبا عن طريق
الأندلس ثم عن طريق تركيا هب رجال الدين النصارى للدفاع عن وجودهم فكان أن وقفوا
ضد الإسلام موقفين بارزين: الأول: الموقف العسكري المتمثل في الحروب الصليبية التي
لا تزال مستمرة إلى اليوم، والثاني: الموقف الفكري العلمي الثقافي المتمثل في
دراسة علوم المسلمين قصدًا إلى «حماية» الغرب من الإسلام والحد من انتشاره. وهناك
الموقف الثالث «الدعوي» المتمثل في التنصير ولكنه لم يكن في قوة الموقفين الأولين.
وعليه فإن بواعث
الاستشراق ودوافعه بالدرجة الأولى دينية بحتة، ثم ظهرت بعد ذلك الدوافع السياسية
والاستعمارية والاقتصادية التجارية، ثم الدوافع العلمية النزيهة وهي موجودة ولا بد
من الاعتراف بها؛ لأنها أنتجت لنا مجموعة من المستشرقين الذين تحولوا عن الاستشراق
واعتنقوا الإسلام فلم يعودوا مستشرقين، ويخطئ في نظري من يقول عن عالم كان
مستشرقًا فأسلم: إنه المستشرق المسلم؛ إذ إن المفهومين لا يجتمعان، فإما أن يكون
الشخص العالم مستشرقًا، أو يكون مسلمًا.
أهداف الاستشراق ووسائله: من الاستيلاء على التراث إلى المراكز
الإعلامية
المجتمع: وما أهدافه التي يرنو إليها؟
د. علي: وتكاد الأهداف
تتفق مع البواعث والدوافع، فالقصد الأول من قيام الاستشراق هو الحد من انتشار
الإسلام في الغرب، و«حماية» الإنسان الغربي من الإسلام، ثم التعرف على بلاد
المسلمين وثقافتهم ومعتقداتهم وآدابهم وأساطيرهم تمهيدًا للتأثير على هذه البلاد.
ويؤيد هذه الأهداف أن الاستشراق قد انطلق من الكنائس والأديرة وأن طلائع
المستشرقين هم في معظمهم من الرهبان.
ثم تنبثق عن هذه
الأهداف الفرعية كالتنصير والاستعمار والأهداف السياسية والاقتصادية والتجارية، ثم
الأهداف العلمية التي قد تكون منطلقاتها أهدافًا غير علمية، ولكنها تتحول إلى
العلمية بعد التعرف الدقيق على الإسلام مما يؤدي إلى اعتناقه في النهاية.
المجتمع: ما الوسائل التي يعمل بها ومن خلالها؟
د. علي: المعروف أن
المستشرقين قد استولوا على كميات هائلة من تراث المسلمين وأخذوها معهم وحفظوها في
المكتبات الغربية والمتاحف، ثم عملوا على نشرها وإخراجها وتحقيقها أحيانًا. ومسألة
المخطوطات مسألة أخذت منحى عاطفيًّا بحيث ظهر من يقول: إن المستشرقين قد أحسنوا عندما
خطفوا المخطوطات من بين المسلمين؛ لأن المسلمين في تلك الفترة لم يكونوا على مستوى
حفظ هذه المخطوطات، فجاء هؤلاء لحفظها وفهرستها وتكشيفها ونحو ذلك.
وتعد هذه أهم
الوسائل التي عمل بها ومن خلالها المستشرقون على تحقيق أهدافهم، ثم تأتي وسائل
كلها تصطبغ بالصبغة العلمية كالدراسات عن الإسلام في كتب ومقالات، والمؤتمرات
والمحاضرات، وزيارة الجامعات العربية والعضوية في المجامع العلمية العربية، وقيام
جمعيات للمستشرقين، والاستناد على السياسة في الدعم المادي من خلال الدراسات التي
يقومون بها.
ومن الوسائل
أيضًا تخريج مجموعة من الدارسين العرب والمسلمين الذين يخشى من أنهم قد يصبحون
«تلاميذ» لهؤلاء المستشرقين مع أني وقفت على مجموعة طيبة من النماذج ممن تتلمذوا
على يد المستشرقين، ولكنهم كانوا خير من يتحدث عنهم ويكشف عن أفكارهم، وهم كثيرون
ولله الحمد.
ومن الوسائل
الحديثة: إقامة مؤسسات تعليمية في البلاد العربية والإسلامية تسعى إلى علمنة
التربية والتعليم، وإذا تحدثت عن الإسلام فبالمفهوم الاستشراقي الذي يعتقد أنه هو
المفهوم «المتنور» المتحرر المنطلق. وكذلك من الوسائل الحديثة قيام مراكز دراسات
استشراقية في الجامعات الغربية، ثم استغلال الإعلام لها في التعرف على أحوال
المسلمين وما يمر بهم من حوادث وأزمات، بحيث تفسر تفسيرًا استشراقيًّا.
الموضوعية
والسذاجة: غياب العدل وتشويه صورة الإسلام
المجتمع: في ظل
قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ
مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: 105) وقوله
تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ
يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ
أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ﴾ (البقرة: 109)... إلخ،
كيف تلمسون الموضوعية في الأعمال الاستشراقية؟
د. علي:
استئناسًا بهاتين الآيتين وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ
تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
(البقرة: 120) لا يتوقع المرء الموضوعية في دراسة غير مسلمين عن الإسلام،
وقد انطلق الاستشراق منذ البدء على إهانة الإسلام وأهله بدءًا بالقرآن الكريم ثم
بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وسيرته عليه السلام، ثم بصحابته عليهم رضوان
الله، ثم بالمعتقد وبالتاريخ والأدب والتراث، ولم يغفل المستشرقون مجالًا إلا
طرقوه بأفكارهم التي قصدوا من ورائها التشويه.
ونحن دائمًا
مطالبون بالعدل مع الجميع حتى مع أولئك الذين يلمزوننا ظاهرًا وباطنًا، ومن
الموضوعية عندنا أن نعترف بالموضوعية عند غيرنا إذا وجدت: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (آل عمران: 8). ولا أنكر أن هناك
بصيصًا من الموضوعية في بعض دراسات المستشرقين، ولكنها مع الأسف الشديد اتكأت على
دراسات سابقة لها فوقعت في الأخطاء المقصودة، وقامت أيضًا على انطباعات «شعبية» في
بعض المجتمعات المسلمة نظر إليها خطأ أنها من الإسلام بحجة أن هذا المجتمع المسلم
هو حجة على الإسلام، ولذا وقعت أخطاء شنيعة.
وكما أننا
مطالبون بالعدل حتى مع أعدائنا فنحن أيضًا مطالبون بالفطنة والكياسة والبعد عن
السذاجة التي قد تختلط أحيانًا مع حسن الظن، والفطنة والكياسة تقتضي الدراسة
العميقة والتحليلية لإسهامات المستشرقين للاستبانة عن مدى الموضوعية فيها.
المجتمع: هل استطاع المستشرقون من باب حماية العقلية الأوروبية رسم
صورة للمثقف العادي عن الإسلام تعطيه قناعة ضد القناعة بريادة الإسلام كحضارة
ومبدأ؟
د. علي: الحق أن
المستشرقين قد قطعوا في هذا المسار شوطًا طويلًا، وبنوا سياجًا من حديد أمام
المواطن الغربي صبغوه بمجموعة من الصور المزيفة عن الإسلام، واستغلوا ممارسات بعض
المسلمين ليجعلوها حجة على الإسلام وصوروا الإسلام بأنه دين الدماء والحروب أولًا،
ثم دين الإرهاب والقتل والخطف ثانيًا. وتآزر كل من الاستشراق والإعلام والسياسة في
رسم صورة قائمة عن الإسلام بحيث أصبح المواطن الأوروبي العادي حائرًا بين البحث عن
الحق وتصديق رجال القرار العلمي والإعلامي والسياسي في مجتمعه.
خدمة الأغراض الاستعمارية والتنصيرية وتهميش التراث
المجتمع: في ظل ظروف التمويل غير العادي للمؤسسات والمراكز
الاستشراقية، كيف ترون صلة تلك المؤسسات بدهاليز السياسة والاستخبارات؟
د. علي: من المسلم به
الآن أن جماعة من المستشرقين قد عملوا في مجالات السياسة والاستخبارات واستخدموا
في القيام بالدراسات التمهيدية لاتخاذ قرارات سياسية، واشتهرت المجتمعات الغربية
بالدراسة، والمستشرقون يقومون بهذا فيما يتعلق بالشرق عمومًا وفيما يتعلق بالإسلام
بخاصة.
وقد توظف بعض
المستشرقين كمستشارين «علميين» في وزارات الخارجية والحربية ووزارات الاستعمار
أيام الاستعمار العسكري، ولا تزال بعض مراكز الدراسات الاستشراقية أو دراسات الشرق
الأوسط أو الدراسات الإسلامية تقوم بدعم السياسة والاستخبارات من خلال المنح التي
تغدقها المؤسسات السياسية والاستخبارية على بعض المستشرقين ليقوموا بتقويم أي نشاط
في المجتمع المسلم.
المجتمع: إلى أي مدى ترون استثمار المنصرين للفكر الاستشراقي
ومراكزه ووسائله؟
د. علي: إذا سلمنا بأن
الاستشراق قد انطلق من الكنيسة فإنه من التابع لهذا أن نسلم بأن الاستشراق وليد
غير شرعي للتنصير، وكما أن الاستعمار والسياسة تستغلان الاستشراق كمركز معلومات،
فإن المؤسسات التنصيرية من باب أولى تستغل الاستشراق كمركز للمعلومات، وربما أستطيع
القول هنا: إن كل منصر مستشرق، وليس بالضرورة أن يكون كل مستشرق منصرًا.
المجتمع: الذين يؤكدون أن الاستشراق كمؤسسات موظف منذ إنشائه لخدمة
الأغراض الاستعمارية والتنصيرية دون الهدف العلمي المتجرد يضربون لذلك مثلًا
بماسينيون الذي كرس حياته لإبراز الحلاج الصوفي كرمز وقدوة إسلامي لأجل إضعاف
الروح الجهادية للشعب الجزائري آنذاك... كما قدم الباحث الدكتور عبد العظيم الديب
دراسة أكد من خلالها أن الكتب التي حققها المستشرقون تركز بواقع 60% على علم
الكلام والتصوف، فكيف ترون أنتم فكرة خدمة الاستشراق للتراث والفكر الإسلامي؟
د. علي: الحق
أن الذين يؤكدون على أن الاستشراق كمؤسسات موظف منذ إنشائه لخدمة الأغراض
الاستعمارية والتنصيرية دون الهدف العلمي المتجرد يضربون لذلك مثلًا بـ لوي
ماسينيون 1883 - 1962 ليس لأنه اشتغل بالتصوف... فحسب، ولكن لأنه عمل مباشرة
مستشارًا في وزارة المستعمرات الفرنسية، وأنه يعد الراعي الروحي للجمعيات
التنصيرية الفرنسية...
أما مسألة خدمة
التراث وأن 60% من المحقق المنشور في علم الكلام والتصوف، فهذا ناتج عن دراسة قام
بها الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب في بحث له بعنوان: المستشرقون والتراث...
وظهر بنتيجة 43% في التصوف وعلم الكلام لدى المنجد و12.5% في التصوف والأخلاق لدى
عبد الجبار عبد الرحمن. وعلى أي حال فالنسبة عالية، وهذا أمر مدرك إذا ما اتفقنا
سلفًا على أن خدمة التراث الإسلامي من قبل المستشرقين -على العموم- لم تكن من أجل
سواد عيون هذا التراث، ولا تزال هناك مجموعات هائلة من المخطوطات لم تخضع للتحقيق
أو النشر، والمسئولية هنا على المسلمين.
رصد الصحوة الإسلامية وخطط الاحتواء الغربية
المجتمع: وماذا عن اهتمامهم بالصحوة الإسلامية ورصدها ودراستها؟
د. علي: الصحوة
الإسلامية اليوم تمثل العودة الصادقة إلى الإسلام... وهذا يعني في النهاية خروج
النظام الإسلامي المتكامل على السطح... وكما هب النصارى عندما طرق الإسلام أبواب
أوروبا يهبون الآن هم واليهود والمتسمين بالعلمانيين للنظر في هذا القادم بقوة
ومدى تأثيره على النفوذ الغربي في الشرق والغرب؛ ومن أجل ذلك يجند الغرب بمؤسساته
السياسية والاستخبارية والأكاديمية مجموعة بارزة من المستشرقين لدراسات الصحوة
الإسلامية ومدى خطورتها على النظام الغربي. وقد صدرت في هذا الصدد مجموعة من
التقارير التي طورت وصارت كتبًا تباع وتترجم.
ويذكر الأستاذ
الدكتور أحمد عبد الحميد غراب أن عدد المهتمين بالمنطقة مع ظهور الصحوة قد زاد من
363 في عام 1969م إلى 670 في عام 1986م، وقفز عدد أعضاء رابطة دراسات الشرق الأوسط
في أمريكا فقط من 823 في عام 1977م إلى 1582 في عام 1986م ووصلت قائمة العناوين
للموضوعات المنشورة في الدوريات عن الشرق الأوسط في نشرة أوائل 1987م إلى «71000»
مادة.
ومن أشهر
الدراسات:
«الأصولية في
العالم العربي» لريتشارد دكمجيان، وهو مترجم للعربية.
وانظر مقالة:
الإسلام والكونجرس في مجلة المجتمع عدد 917 حول هيرمان أيلتس...
«المسلمون
المتعصبون وسياسة الولايات المتحدة» لدانيل بايبس. انظر مجلة المجتمع عدد 743.
«جماعة الإخوان
المسلمين» لريتشارد ميتشل.
وفي كتاب
الأستاذ أحمد عبد الحميد غراب «رؤية إسلامية للاستشراق» تحليل واف لهذه الكتب
والتقارير... وفيه عرض للتوصيات العجيبة في سبيل «احتواء» الصحوة الإسلامية يحسن
الرجوع إليها... ويكفي هنا ذكر بعض التوصيات فقط:
1.
إیجاد بدیل إسلامي قادر على الحياة ليحل محل
الأصولية.
2.
تنفيذ التركيبة المذهبية مع أقل قدر ممكن من
فساد النخبة.
3.
إجراء حوار مع الأصوليين عن طريق أعضاء البعثات
الدبلوماسية.
4.
غسيل مخ بعض الشباب الأصوليين بتقديم المنح لهم
والاستماع إليهم.
5.
تعليم أعضاء البعثات الدبلوماسية لغات البلاد
الموفدين إليها وثقافتها.
6.
الحذر من قمع الحركات الإسلامية رغبة في عدم
زيادة «تطرفها».
7.
الابتعاد عن التهديدات الحادة والكلمات
الطنانة.
8.
إعادة دراسة الخطط في إثارة الشقاق بين
الجماعات الإسلامية.
9.
عدم تقديم المساعدة للمتعصبين.
10.
عدم مشاركة المتعصبين في الحكومات.
11.
تفريغ طاقات الشباب المتقدة في الطقوس
التعبدية.
12.
تعميق الخلافات المذهبية والفرعية وتضخيمها في
أذهان الشباب.
13.
تشجيع الهجوم على السنة المحمدية والتشكيك فيها
وفي المصادر الإسلامية الأخرى.
14.
تفتيت الجماعات الإسلامية والجمعيات المختلفة
وبث التنازع بينها.
15.
مواجهة التزام الشباب بالتعاليم الإسلامية
بالنشاط الإعلامي والثقافي.
16.
استمرار المؤسسات التعليمية في مختلف مراحلها
في حصار الجماعات الإسلامية والتضييق عليها والتقليل من نشاطها.
ولعل نظرة إلى
ما حولنا على ضوء هذه المقترحات تنبئ عن سريانها في بعض المجتمعات الإسلامية وبين
الشباب بخاصة في مسالة النزاع والشقاق والتفتيت والاهتمام بالفرعيات على حساب
الأصول. ولعل القارئ الكريم والقارئة الكريمة على مستوى عال من التفكير في هذه
النقاط بحيث يغني التفكير عن مزيد من التعليق، ولعل التفكير يعود إلى إعادة
التفكير بما هو قائم الآن بين الجماعات والجمعيات والأفراد.
تقويم المنهجية العلمية والافتتان بـ «الجد والدأب»
المجتمع: تقويمكم للمنهجية والعلمية في أعمال المستشرقين خاصة مع
افتتان بعض رواد مفكري الجيل السابق بتلك الفكرة؟
د. علي: عندما خالطت
المستشرقين الألمان وغير الألمان العاملين في ألمانيا وجدت فيهم الجد والدأب
والصبر من البحث والتحليل والتحقيق، وهذا يثير الإعجاب وليس بالضرورة الاتفاق معهم
على الأهداف، ولكنهم على العموم رجالًا ونساء يعملون ويبحثون ويخدمون مهنتهم رغم
شعورهم بعدم قبولهم من العرب والمسلمين بعامة.
أما مسألة
المنهجية والعلمية فإنهم بعيدون عنها إذ كانوا يسعون إلى تحقيق الأهداف الدينية
والاستعمارية والسياسية، ويكفي هنا عبارة ذكرها الأستاذ عبد الرحمن بدوي عن واحد
من أشهر المستشرقين هو «لامانس» يقول: «وأبشع ما فعله... هو أنه كان يشير في
الهوامش إلى مراجع بصفحاتها، وقد راجعت معظم هذه الإشارات في الكتب التي أحال
إليها، فوجدت أنه إما أن يشير إلى مواضع غير موجودة إطلاقًا في هذه الكتب، أو يفهم
النص فهمًا ملتويًا خبيثًا، أو يستخرج إلزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخبث
النية، ولهذا ينبغي ألا يعتمد القارئ على إشاراته إلى مراجع، فإن معظمها تمويه
وكذب وتعسف في فهم النصوص. ولا أعرف باحثًا من بين المستشرقين المحدثين قد بلغ هذه
المرتبة من التضليل وفساد النية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل