; معالم المنهج الإسلامي لجيل التمكين «۲» | مجلة المجتمع

العنوان معالم المنهج الإسلامي لجيل التمكين «۲»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

مشاهدات 81

نشر في العدد 1379

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 07-ديسمبر-1999

تراجع المسلمين عن دورهم الحضاري في الميادين المختلفة سبب صدمة مهولة للإنسان المؤمن اليوم، وجعل هناك انفصامًا كبيرًا بين النظرية والتطبيق، والتاريخ والواقع، والحقيقة والحال المعيش، كما كان مثار استغراب كثير من المفكرين غير المسلمين، يقول المفكر مارسيل بوازار: «إن هناك إجماعًا على الجهر بأنه لا يمكن اعتبار الإسلام مسئولًا عن جمود العالم الإسلامي الطويل، وانحطاطه الواضح، تعزى الأمراض الحاضرة على العكس من ذلك إلى المسلمين الذين أهملوا العيش وفق مبادئ دينهم، وإذا كانوا قد فقدوا الرخاء المادي الذي كانوا ينعمون به تاريخيًّا، فلأنهم بالتحديد أهملوا التقيد بمنهجهم الإسلامي، ولكشف النقاب الذي انسدل على العالم الإسلامي ينبغي أن نلح على الطابع العقلاني للتنزيل، وعلى الطاقة اللامحدودة الكامنة في السنة النبوية، فحين كان المسلمون يحيون حسب إرشادات الدين التي تحض على التفكير وتشجيع الروح النقدية أثبت الإسلام أنه حامل مشعل التقدم والرقي.

وإذا أردنا أن نذكر الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع الكبير، وهذا شيء يمليه علينا اهتمامنا بالدراسة لأحوال الأمة، لكي يعالجها المختص بما يناسبها من ألوان العلاج، كما يصنع الطبيب مع المريض يشخص المرض أولًا ليستطيع أن يقدم العلاج، وأول هذه الظواهر التي تبدو للمتأمل:

۱- الفكر السلبي، وشيوع الهامشية في تناول الأشياء؛ وذلك سبب في مجال الثقافة الإسلامية ظهور الفكر الإرجائي الذي يقول: إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلًا فيه.

٢- الفكر الانسحابي من الحياة الذي يكره في الدنيا، ويقول: إن السعادة في الدارين هي إهمال الدنيا واحتقارها والانصراف عنها، وتذكر الآخرة وحدها والعمل من أجلها بالتبتل والانقطاع للعبادة، وما أدى إليه هذا الفكر من التواكل والتسليم الذي يسبب السلبية وإهمال الأخذ بالأسباب، والإسلام ما جاء إلا لعمارة الدنيا وقيادة الإنسان فيها بريادة تعمر الأرض وتطهرها من الرجس والظلم والبغي والخنوع.. إلخ.

٣- التركيز على فقه الشعائر التعبدية والتأثر بالفقه المسيحي، والإسلام منهج شامل للحياة يحيط بها من كل جوانبها؛ فهو اقتصاد واجتماع وعدالة وقانون وثقافة وبحث وتكنولوجيا، وهو بهذا الفقه الشعائري قد تحول الإسلام في حس الناس إلى تقاليد تفقد الروح الدافعة التي تجعل الإسلام واقعًا معيشًا حيًّا نشيطًا عاملًا في جميع المجالات كما أنزله الله.

٤- التخلي وعدم التمسك بأخلاق الإسلام في الحياة، وتناسي آدابه في الواقع المعيش؛ مما تسبب في تفريغ الإسلام من محتواه التربوي والقيمي.

5- التخلي عن واجب الدعوة عمومًا وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخلي عن واجب الجهاد والاستعداد للدفاع عن الأمة ضد الطامعين والمعتدين.

٦- ضعف عزيمة الكفاح والصبر على أعباء الرقي، وهي صعبة إلا على من وفقه الله من أصحاب الهمم العالية، وفتور الهمم كذلك عن وضع المناهج والأساليب الموصلة إلى الغايات الكبار والالتفات إلى الملهيات والشهوات.

٧- إهمال التراث الفكري للأمة الإسلامية؛ مع أنه يمثل بالنسبة للمسلمين حلقة من أهم الحلقات في حياتهم الفكرية والاجتماعية والحضارية، حيث تجعلهم ثابتي الجذور على طريق النهضات.

٨- تقبل التهم وضعف الشخصية الناقدة الفاحصة التي تعرف الغث من السمين، والجيد من الرديء، ولهذا ففي كثير من الأحيان يستغفل المسلمون عن دينهم ومنهجهم.

٩- فقدان الأمة دورها الرسالي في القيادة للسببين السابقين، فأصيبت بالتيه الثقافي والحضاري والذاتي، وسحبت نحو التبعية الفكرية، وانصاعت للغزو الثقافي.

۱۰- التصدي للداعين إلى الإسلام وتشويههم ووصفهم بأقذع النعوت تنفيرًا منهم وتحذيرًا، وكبت الحريات، وتجاوز القانون والاعتداء على الحقوق الأساسية للإنسان المسلم، ورفع شعارات خادعة لإلهاء الأمة عن أمراضها وزيادة عنتها وضياعها، وحثها على ازدراء عاداتها وتقاليدها كحجاب المرأة وتعدد الزوجات وقضية الطلاق... إلخ.

كل ذلك وغيره الكثير -مما لا يسعه المقام- تسبب في الكثير أيضًا من الأمراض، وساهم في العديد من الأوضاع النكدة التي يعيشها جيل اليوم من المسلمين.

كما أن هناك بعض الأسباب الخارجية تسببت أيضًا في ضعف المسلمين وخذلانهم، وبلغت تلك الأسباب إلى حد وصفها بالمؤامرة التي لا تنتهي أو تنفد أو تفتر في وقت من الأوقات، وكان فعلًا لها الدور الأكبر في التأثير على واقع المسلمين والعالم الإسلامي، وهذا واقع وحقيقة، رغم أن بعض الناس ممن يهتمون بأمر المسلمين يركزون جهودهم على المعوقات الذاتية بحيث يجعلها هي السبب الرئيس في عجز الأمة عن النهوض، وينفي ما يطلق عليه لفظ «المؤامرة»، وهذا منهم وهم وعدم عمق في الحالة الإسلامية، وكيفية رصد الحوادث، وقد أصبح ذلك اليوم شيئًا مكشوفًا لا يحتاج إلى كبير جهد في بيان خطره بعد أن صرح به أعداء الأمة بشكل واضح لا لبس فيه، ونحن نذكر بعض تلك الأسباب التي منها:

١- الاعتداء على ديار الإسلام ومحاولة كبت المسلمين خاصة في الوطن العربي والإسلامي، وكانت وظيفة هذه الحملات المعادية اكتساح العالم العربي والإسلامي بالعنف والقوة العسكرية والاستيلاء على منابع الثروات كالنفط والمطاط والقطن والحرير والمياه والحبوب وكثير من الخامات الاستراتيجية.

٢- العمل على تجزئة العالم العربي والإسلامي بالقوة إلى جزئيات صغيرة وكيانات هلامية غير قادرة على الدفاع عن نفسها، وجعل تلك التجزئة أمرًا واقعًا، وتقديم الدعم الدبلوماسي لشيوعه، والاعتراف به، وتشجيع الانقلابات في العالم العربي، وبذر المذاهب الهدامة التي ربما تتولاها الحكومات وتتعهد بتنفيذها بالحديد والنار.

٣- محاربة اللغة العربية والإسلام، وتكوين نخبة فكرية وسياسية مستعدة للسير في ذلك إلى ما لا نهاية، طمعًا، كمثال فقط- أصدر الحاكم العسكري الفرنسي في الجزائر قانونًا يعتبر أي مواطن جزائري يخاطب السلطات بغير اللغة الفرنسية مرتكبًا للخيانة العظمى.

٤- الالتحاق الاقتصادي بحيث تم ربط اقتصاد الأمة الإسلامية بمقومات الاقتصاد الغربي حتى يتم التحكم في مصائر الأمة وأقواتها وعملاتها الأساسية.

5- تأسيس الكيان الصهيوني في وسط الأمة الإسلامية ودعمه، حتى تظل الأمة في توتر مستمر، يلهيها عن التنمية والنهضة.

هذا بعض من كل.. ولنا لقاء آخر إن شاء الله.

الرابط المختصر :