; حرب الإرهاب وحتمية الخسارة | مجلة المجتمع

العنوان حرب الإرهاب وحتمية الخسارة

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1494

نشر في الصفحة 26

السبت 30-مارس-2002

 إخفاق تل أبيب في الساحة الفلسطينية. ومقدمات إخفاق واشنطن في الساحة العالمية

ليس صحيحًا أن سياسة واشنطن قد ازدادت انحيازًا إلى جانب الكيان الصهيوني بعد التفجيرات الأخيرة في 11 سبتمبر، والتي وقعت بعد أكثر من ثمانية شهور من تسلم بوش السلطة، فمن بداية حكم الإدارة الجمهورية الحالية بدأ مثلث العلاقات الصهيونية - الأمريكية - العربية يسجل أشد درجات الانحياز الأمريكي للجانب الصهيوني، في اشد فترات عدوانه على الشعب الفلسطيني.

كانت هذه السياسة الأمريكية المنحازة - من قبل التفجيرات - مفاجئة نسبيًا لبعض من أثار الآمال تجاه الرئيس الأمريكي، وهي الآمال التي استندت إلى التذكير تارة بموقف سابق لبوش الأب في قضية تمويل المستعمرات اليهودية على الأرض الفلسطينية المغتصبة، وتارة أخرى بدور أصوات الأمريكيين من ذوي الأصل العربي والإسلامي في نجاح بوش في انتخابات الرئاسة، وتارة ثالثة بالدور اليهودي الفاضح في ولاية فلوريدا لتمكين خصمه ال جور من تسلم المنصب، وتارة رابعة في انخفاض نسبة اليهود في مواقع صناعة القرار السياسي داخل الحكومة التي شكلها، وتارة خامسة بالعلاقات الوثيقة لبوش بصناعة النفط الخام وبالتالي توقع تقديره العقلاني لأهمية العلاقات الأمريكية - العربية.. وهكذا. ولكن تساقطت هذه الآمال سريعًا.. دون أن يسقط معها استمرار أسلوب كريه من بعض الأنظمة قائم على «استجداء» سياسة أمريكية معتدلة، ولو بمقدار ضئيل يحفظ ماء الوجه وإن لم يحفظ حدًا أدنى من الكرامة في التعامل مع الدم الفلسطيني المراق.

إن تفسير هذا الالتحام غير المسبوق بين سياسة بوش وسياسة شارون يتطلب نظرة أعمق في عناصر أخرى تميزت بها السياسات الأمريكية قبل تفجيرات نيويورك وواشنطن وبعدها، وأبرزها الاعتماد على التفوق العسكري الأمريكي لفرض الهيمنة العالمية بغض النظر عن مواقف الخصوم والأصدقاء على السواء، وفي مختلف الميادين دون استثناء، كما ظهر في مؤتمر المناخ الدولي، وفي اتفاقية تشكيل محكمة جزائية دولية، وفي معاهدة حظر انتشار الألغام الأرضية ضد الأفراد، وفي مشروع شبكة الدرعالصاروخي.. كأمثلة رئيسة فقط.

ورغم سائر ما قيل بشأن تلك التفجيرات وما يتردد داخل الولايات المتحدة ولا ينشر على نطاق واسع بشأن وجود جهات أمريكية مدبرة أو مشاركة فيها، يبقى أن السياسة الأمريكية وظفتها في اتجاه يتطابق بصورة كاملة مع ما كانت قد بدأت به وسيلة إضافية بالغة الفعالية بقدر ما تعنيه التفجيرات نفسها، لتحقيق هدف الهيمنة مع استخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة أو عبر التهديد باستخدامها، مع تصعيد ذلك يومًا بعد يوم كما يتبين من أخر ما كشف النقاب عنه -ويبدو أن تسريبه كان مقصودًا - بشأن وثيقة الدفاع الأمريكية لتحويل مبدأ استخدام السلاح النووي من سلاح رادع إلى وسيلة يمكن استخدامها حتى ضد دول لا تملك هذا السلاح، أو تملكه ولا تستخدمه ضد الولايات المتحدة.

 إن تعامل الرئيس الأمريكي وطاقم صناعة القرار معه، ولا سيما في وزارة الدفاع والمجلس القومي لشؤون الأمن، مع ما أعلن تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب»، وتحول على الفور إلى حرب لإرهاب دول العالم وبسط الهيمنة، يكشف عن «نمط تفكير عسكري» ينطلق من اعتماد القوة وحدها لفرض الإرادة السياسية وما يعنيه ذلك على مختلف الأصعدة الاقتصادية والمالية وسواها، وذلك بغض النظر عن أي مصالح متبادلة أو مواثيق دولية من المفروض أن تحكم العلاقات البشرية.

منطق القوة العسكرية هذا، وليس منطق المصالح أو اعتبارات الأمن والسلام أو سوى ذلك مما يتردد على شكل «خطاب دبلوماسي» أحيانًا، هو ما يفسر التلاقي بين سياستي واشنطن وتل أبيب، رغم سائر العوامل التي كانت تعلق الآمال عليها أو يتردد ذكرها لتبرير مثل تلك الأوهام تحت عنوان «امال». هذا أيضا ما يستدعي القول إن إخفاق شارون الذريع - حتى الآن - في تحقيق أهداف الته العسكرية في فلسطين، ينبئ بإخفاق واشنطن في المستقبل المنظور في أن تحقق أهداف بسط الهيمنة المطلقة عالميًا بلغة القوة.

نقاط التشابه والاختلاف

ما تطبقه حكومة شارون من أساليب وتستخدمه من وسائل في نطاق الرقعة الجغرافية الفلسطينية مع آثاره على المنطقة العربية والإسلامية حولها، هو صورة مصغرة عما تطبقه الإدارة الأمريكية في نطاق الرقعة الجغرافية المستهدفة بدعوى «الحرب ضد الإرهاب» مع أثاره الخطيرة على المستوى العالمي. ويلفت النظر إلى مدى التطابق القائم بين الطرفين على طريق الإخفاق أيضًا:

- بدأ التصدع في التحالف الدولي حتى وصل إلى الحلفاء التقليديين في أوروبا عمومًا فيما أعلن تحت عنوان «محور الشر».. كما بدأ التصدع في تحالف شارون الحزبي وبدأت الحسابات الحزبية تطرح علنًا لما بعد حقبة شارون القصيرة..

- بدأت أصوات النقد ترتفع وتشتد تجاه كل منهما في وسائل الإعلام الموالية له في الأصل، وبدأت تظهر نواة معارضة أوسع نطاقًا على مستوى الرأي العام، ويسري هذا في الوقت الحاضر على الدول الغربية بالنسبة إلى أمريكا وإن وصل جزئيًا إلى داخل الولايات المتحدة، مثلما يسري على عودة ظهور المعارضين من الأصل الحزب الليكود واتجاهاته داخل الكيان الصهيوني وتحرك مراكز القوى داخل الليكود نفسه، فضلًا عما تشير إليه عمليات استطلاع الرأي من تدهور الثقة بأسلوب شارون تدهورًا كبيرًا...

- غلب أسلوب التخبط بشكل ملحوظ في طرح «الأهداف الرسمية» للحرب، فاجتمع ذلك إلى أسلوب التسرع إلى درجة التهور.. وهو ما كان نتيجة مباشرة لعدم تحقيق تلك الأهداف الرسمية، فكما عجز شارون عن تخفيض نسبة «المقاومة» الفلسطينية للاحتلال والاغتصاب فضلًا عن القضاء عليها قضاء مبرمًا كما أعلن، كذلك فقد أخفقت الحملة الأمريكية في تحقيق الهدف الذي أعطي مكان الصدارة في بداية الحرب وهو «رأس بن لادن»، وكما تحول شارون إلى ضرب «السلطة» التي من المفروض أنها سبيله للوصول إلى من يمارسون العمليات الاستشهادية، كذلك تحولت الإدارة الأمريكية إلى طرح أهداف عشوائية متتابعة تثير القلق عند حلفائه بدلًا من الالتحام معه، وهو ما يسري على أخر إعلان صادر بشأن تحويل القوة النووية الضارية من سلاح رادع إلى سلاح هجومي.

ويمكن تعداد المزيد من نقاط التشابه التي تشهد على أن الطريق واحد، وبالتالي فالإخفاق المحتم هنا محتم هناك، ولا ينفي ذلك وجود فروق موضوعية، ولكنها تقتصر في ا الدرجة الأولى على الاختلافات النابعة عن تباين «مساحة» تحرك كل من الطرفين، وتباين «حجم القوة» التي يعتمد عليها كل منهما. والعنصر الأهم المترتب على هذه الفروق هو:

- إخفاق شارون في حربه الإرهابية ضد الفلسطينيين محليًا والمنطقة إقليميًا لا ينبني عليه ضرر كبير بالنسبة إلى حلفائه وأنصاره في الداخل أو الخارج، ليس من زاوية وجود من يخلفه في منصبه بهدف مماثل وأسلوب مغاير وإنما من زاوية عدم وجود أوضاع إقليمية من الجانب العربي والإسلامي، يمكن أن ترتب على هذا الإخفاق تحقيق «نصر» أو «نجاح» أو ميزات سياسية ما خارج نطاق ما يريده حلفاء شارون وأنصاره... 

- أما إخفاق بوش في فرض الهيمنة الأمريكية على الدول الصديقة وعالميًا، فينبني عليه الإضرار الشديد بحلفاته وأنصاره دوليًا، بمن فيهم من ينتقدون سياساته علنًا، لشدة تشابك العلاقات بين بلدانهم والولايات المتحدة الأمريكية على مختلف الأصعدة.

ويترتب على ذلك أن إخفاق الحرب الإرهابية الجارية تحت عنوان «الحرب ضد الإرهاب» مع توسيع نطاقها يومًا بعد يوم، وهو ما يؤكده خطاب بوش بمناسبة مرور ستة شهور على تفجيرات واشنطن ونيويورك يمكن أن يتأخر، ويمكن أن يساهم في تأخيره جزئيًا «الحلفاء» الذين ينتقدون هذه الحرب ويخشون من عواقبها، بينما بدأت معالم إخفاق حرب شارون الإرهابية ضد الفلسطينيين بالظهور، ولا بد أن تنهار سريعًا.

 ولكن إخفاق شارون «الشديد» لا يترتب عليه تغيير «فوري» في مجرى أحداث القضية الفلسطينية وتطوراتها لغياب الإدارة السياسية في الدول العربية والإسلامية، أما إخفاق حرب بوش الإرهابية لفرض الهيمنة العالمية، فيراد «عالميًا» أن يتأخر، ويراد أن يكون جزئيًا لا شاملًا، للحد من عواقبه الجسيمة على الساحة الدولية، جنبًا إلى جنب مع العمل على استثمار الفوائد المترتبة عليه ولا سيما في مجال الحيلولة دون استقرار هيمنة أمريكية انفرادية في العالم.

الصورة والنتائج وأساليب التعامل مع التطورات مختلفة، ولكن الثابت في جميع الأحوال هو حتمية إخفاق الحرب الإرهابية على المستويين، الإقليمي في قلب المنطقة الإسلامية والدولي أيضًا، مع عدم إغفال تركيز رأس الحربة هنا أيضًا إلى المنطقة الإسلامية بالذات.

 

 الكارثة

«كاتاستروف» أو «الكارثة» كانت أكثر الكلمات التي طرقت مسامع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في الأيام الأخيرة. 

فحين توجه تشيني إلى الشرق الأوسط، سمع من الزعماء العرب نفس ما قاله رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، قال عن الهجوم الأمريكي المرتقب على العراق إنه «يؤدي إلى كارثة». فماذا في رأس تشيني بعد أن زار بريطانيا والكيان الصهيوني وتسع دول عربية وقضى بعض الوقت في أنقرة؟ وما انطباعاته التي عاد بها إلى واشنطن؟

 لا يمكن بدون تركيا: أحد أسباب الصعوبات التي لاقاها تشيني في تسويق الاستراتيجية «المعارضة لصدام» هو الوضع الحالي في فلسطين المحتلة. فإدارة بوش التي فهمت في اللحظة الأخيرة أن جولة تشيني الخاصة بالعراق ستمنى بالفشل فأرسلت الجنرال المتقاعد انطوني زيني إلى المنطقة على عجل، بقيت صامتة حيال تصعيد التوتر من قبل حكومة شارون مما أدى إلى سخط العرب والمسلمين، إذ لم يكن بوسعهم أن يؤمنوا بالموافقة على أن «صدام هو أكبر تهديد» في الوقت الذي ارتفع فيه عدد القتلى من الفلسطينيين إلى العشرات كل يوم. ومع ذلك فإن المراقبين في واشنطن يروجون لمقولة إن بعض الزعماء العرب يتحدث للرأي العام بشيء ويهمس في أذن تیشني بشيء آخر. يقول ريتشارد بيرل المستشار في البنتاجون وأحد أشد الصقور في موضوع الإطاحة بصدام «إن الرسالة التي يوجهها الزعماء العرب خلال الأحاديث الخاصة مختلفة أرى أن الدول العربية وكذلك تركيا بانت تفهم بصورة أحسن أن ذهاب صدام سيكون خيرًا للمنطقة». ولدى سؤال بيرل فيما إذا لم يدعم العرب ذلك يجيب: «إن عملية عسكرية ضد العراق من غير الدعم اللوجستي الفعال من دول الخليج وتركيا أمر صعب بالنسبة للولايات المتحدة لكنه ليس مستحيلًا». ويضيف: «لو أن تشيني ذهب إلى دولة واحدة كي يبحث الاستراتيجية الخاصة بالعراق لكانت هذه الدولة هي تركيا». فالكثيرون يرون أن الولايات المتحدة لن تستطيع تحقيق العملية ضد العراق من غير تركيا. يقول هنري باركي الأستاذ بجامعة لاهاي «لا يمكن ذلك بدون تركيا، بالإضافة إلى أن قاعدة إنجرليك لا تكفي، ويتطلب الأمر وضع القواعد الأخرى تحت تصرف الولايات المتحدة. أما فيل جوردون من معهد بروكينجز فيرى - إن عملية الإطاحة بصدام يجب أن تبدأ بحشد عسكري كبير، ويشترط في ذلك دعم فعال مندولتين إحداهما تركيا.

أما باتريك كلاوزون نائب رئيس معهد واشنطن فيشير إلى ضرورة أن تحظى إدارة الرئيس بوش بدعم أنقرة ويضيف: «وإذا كانت تركيا تريد أن تكون لها الكلمة في التطورات الجارية في جنوبها فيجب الا تبقى خارج العملية المزمع القيام بها ضد العراق.»

انتظروا هجومًا في أكتوبر

في هذه الأثناء أكدت مصادر موثوقة في واشنطن أن تشيني نقل إلى العواصم التي زارها رسالة مفادها أن واشنطن لن تبقى متفرجة حيال ما أسماه بإنتاج العراق لأسلحة الدمار الشامل في رأي بيرل أن سبيل تحويل التصميم إلى أفعال هو العملية العسكرية، لأن صدام حتى لو بادر بقبول دخول المفتشين إلى بلاده، فلن يخرجوا من التفتيش بأي نتيجة.

 وتختلف إجابات المحللين الأمريكيين الثلاثة عن سؤال: هل يستطيع صدام قطع الطريق على هجوم الولايات المتحدة على بلاده؟ لكنهم يرون أنه يصعب على صدام السماح بتفتيش حقيقي، إلا إذا فهم أن الولايات المتحدة جادة فيما تقول، وتعاون في هذا المجال بصورة حقيقية مع الأمم المتحدة، وعندئذ فإن شروط العملية العسكرية لا تتحقق.

الرابط المختصر :