; الافتتاحية: الدور الأمريكي في أحداث تركيا | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: الدور الأمريكي في أحداث تركيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

شنّت وسائل الإعلام الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص خلال الأسابيع الماضية حملة من التحريض البشع ضد رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان وحزب الرفاه، وقد نشطت هذه الحملة خلال الزيارة التي قام بها د. عبد الله جول الوزير الأول بالخارجية التركية -مؤخرًا- إلى واشنطن بهدف الالتقاء ببعض القوى السياسية ومراكز صناعة الرأي للتعريف بالبرنامج السياسي لحكومة نجم الدين أربكان وتطمين الولايات المتحدة على علاقاتها القوية مع تركيا، خاصة بعد التوترات التي صاحبت جولة أربكان في بعض الدول العربية والإسلامية كإيران وليبيا، والتي تحاول واشنطن عزلها بسبب سياساتها المعادية لأمريكا وبدعوى إنها دول تدعم الإرهاب الدولي!!.

ولعل المقالة التي كتبها «ليللي ويموث» بصحيفة الواشنطن بوست، وحملت عنوانًا مثيرًا للفزع «تركيا وشبح الحرب الأهلية»، تعكس حجم التحريض الذي تفتعله العناصر الصهيونية على أعمدة أهم الصحف الأمريكية، لقد طالب «ويموث» إدارة الرئيس بيل كلينتون التصرف بحِكمة والعمل على تهدئة مخاوف الأتراك العلمانيين الذين اتهموا واشنطن بأنها كانت وراء تجرئة الإسلاميين وتعزيز مكانتهم بالسُلطة، وذلك عبر إشاراتها التي أوحت بعدم ممانعتها لمجيء الرفاه للحُكم، وحذرت المقالة من أن حزب الرفاه لا يجمع في عضويته إلا عناصر إسلامية متطرفة وغير ديمقراطية وتختزن العداء للغرب و«إسرائيل»، وأن على واشنطن التخلي وبسرعة عن فكرة «التعايش» مع الإسلاميين في تركيا، وأن من الأفضل لها توجيه رسالة قوية وواضحة بأن الولايات المتحدة سوف تقف فقط مع أولئك الذين يقاتلون من أجل ديمقراطية تركيا العلمانية حتى وإن كان هؤلاء هم جنرالات العسكر!!.

أما صحيفة «وول ستريت جورنال» ذات النفوذ والانتشار الواسع في أوساط النخب السياسية والمالية بالولايات المتحدة فقد تناولت في مقال لها بالتحليل نهج الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان، ودعت إلى توخي الحذر حيث إن الرجل يخفي توجهًا سياسيًا إسلاميًا، وإن الغرب قد يحتاج إلى تغيير جذري في توجهه فيما يختص بالحليف التركي، ونقلت الصحيفة عن أحد الدبلوماسيين قوله: «إن أربكان أصولي وقومي متطرف، وإننا إذا أردنا أن تتجه تركيا نحو الغرب فإنه ليس بالشخص المناسب».

إضافة لما سبق؛ فإن هناك العشرات من المقالات الصحفية والبحثية التي ظلت تعزف كلها على نغمة الخوف على مستقبل العلمانية وارتباطات تركيا بالدول الغربية، و تحذر من توجهات أربكان الإسلامية المعادية للغرب و«إسرائيل» والمتعاطفة مع الأصولية «الإرهابية» المتطرفة!! ولعل الورقة التي كتبها «ألن ماكوفسكي» في العدد الأخير من فصلية الشرق الأوسط تعكس بوضوح ما ترمي إليه الحملة الشرسة على تركيا الإسلامية، حيث نشرت هذه الفصلية المعروفة بكتاباتها التحريضية ضد الإسلاميين والحركة الإسلامية هذا المقال الذي يرسم معالم إستراتيجية للتعامل مع الظاهرة الإسلامية في تركيا وزعيمها نجم الدين أربكان، ويعتبر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى WINEP الذي يعمل فيه "ألن ماكوفسكي" أحد أهم مراكز اللوبي الصهيوني في العاصمة الأمريكية، ويتمتع بالكثير من النفوذ داخل الأوساط السياسية والأكاديمية بالولايات المتحدة، وقد حاول ماكوفسكي في مقاله تصویر أربکان و حزبه بأنهما يشكلان -على المدى البعيد- تهديدًا خطيرًا للغرب والمصالح الأمريكية الاستراتيجية، ويقترح ضرورة إتباع واشنطن السياسة هادئة لإضعاف أربكان وعزل حزبه سياسيًا، ومن ثم التمكين للعلمانية عن طريق إفشال الجهود والمخططات الإصلاحية التي يقوم بها إسلاميو حزب الرفاه، ويرى ماكوفسكي بأن الفرصة أمام الغرب مازالت قائمة؛ حيث إن مقاليد الأمور في الشؤون الخارجية وجهة رسم السياسات لا تزال بأيدي القيادات العلمانية بالجيش.. ويقترح ماكوفسكي على واشنطن لتنفيذ ذلك اتباع سياسة أطلق عليها اسم DUAL - TRAK POLICY  وتقوم على دعم ومؤازرة العناصر الموالية لأمريكا داخل تركيا، فيما يتم ترويض أربكان وجماعته، والتأكد من أن الإسلاميين لن يتمردوا أو يتخطوا حدود الحركة المسموح بها، وهذه السياسة التي يقترحها ماكوفسكي تتكون من سبع محاور للتحرك، وهي كالتالي: 

أولًا: مناصرة القوى الحليفة لأمريكا في الجيش والسُلطة، وضرورة المحافظة على ارتباط تركيا وسياستها في مجال التسليح بالولايات المتحدة.

ثانيًا: دعم العلمانية والتأكيد على أن استمرارية «علمانية الدولة» هي شرط أساسي لرضا واشنطن عن الحكم في أنقرة. 

ثالثًا: المحافظة على وجود فجوة في علاقات واشنطن بأربكان، وذلك بتجنب دعوته لزيارة أمريكا والاقتصار على توجيه الدعوات للعناصر العلمانية في الدولة.

رابعًا: التصدي والرد بقوة على خطابات أربكان المعادية للغرب، وعدم التسامح مع أي تصريحات ينتقد فيها سياسات واشنطن تجاه منطقة الشرق الأوسط.

خامسًا: التأكيد الدائم على أهمية تركيا ومكانتها الاستراتيجية في منظومة المصالح الأمريكية - الغربية، وتفويت فرص أربكان لسحب تركيا بعيدًا عن أوروبا والولايات المتحدة. 

سادسًا: تطوير سياسة واضحة تجاه تركيا والالتزام بتطبيقها بدقة، وعدم ترك المجال للتكهنات بتلاشي دور تركيا الإستراتيجي، والعمل على سد منافذ والتفاتات تركيا «الإسلامية» إلى الشرق.

وينهي ما كوفسكي مقالته بالقول: «لعل عهد أربكان يكون حافزًا لواشنطن لمراجعة سياستها التي أهملت فيها بالسابق تركيا، ودافعًا لها لاتخاذ سياسة أكثر تماسكًا وحرصًا تجاه الأتراك العلمانيين، تلك السياسة التي افتقدتها واشنطن منذ انتهاء الحرب الباردة». 

لا شك أن مثل هذه الأفكار والاقتراحات التي تبلها العناصر الصهيونية المدسوسة والمتنفذة في مراكز صناعة القرار -كمعهد واشنطن- تجد لها قبولًا وترحيبًا لدى القوى اليهودية بالكونجرس والبيت الأبيض، وفي مواقع اتخاذ القرار في كل من مجلس الأمن القومي ووزارتي الدفاع والخارجية. 

ومن هنا فإننا نتوقع في ظل اشتداد سعار حملة التحريض والتشويه ضد «الإسلامية» في تركيا أن تسعى واشنطن لافتعال الخلافات مع أربكان وحكومته، وتوتير الساحة السياسية والأمنية داخل تركيا لدفع الجيش للتحرك أو حتى الانقلاب إذا تطلبت حسابات واشنطن ذلك، ولكن هذا السيناريو سيظل يحمل لهم الكثير من المخاطر والمخاوف.

لا شك أن هناك تحديات كثيرة تنتظر الرفاه لاستفزازه وخلق مناخات مواتية لنزع الشرعية عنه لتسهيل ضربه، وتعطيل فرص المشروع الإسلامي بالنجاح داخل تركيا، حيث إن القضية التي تقلق الغرب هي إمكانية قيام تجربة إسلامية ناجحة يمكن أن تكون نموذجًا للآخرين من دول الشرق الأوسط، ولذلك فإن جهود الغرب -وخاصة أمريكا- ستظل تنصب في اتجاه إفشال أي محاولات إسلامية للنجاح على مستوى الدولة، بهدف صد الجماهير عن التعلق بالظاهرة الإسلامية والعودة للارتماء في أحضان الغرب العلماني، لقد راهنت أمريكا في البداية على أن «إسلامية» الرفاه لن تطيق العيش مع العلمانية «الطريق المستقيم» لتانسو تشيللر، وإن القطيعة والفشل سيكون نصيبهما في نهاية المشوار، ولكن مع زيادة التماسك داخل التحالف وتعزيز مكانته، بدأ القلق ينتاب الدوائر الغربية خشية فوز الرفاه، إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه الآن من التطور والتحسن - بالأغلبية في الانتخابات عام ٢٠٠٠م. 

من ناحية أخرى؛ فإن «إسرائيل» لا تقف متفرجًا على ما يحدث في تركيا، بل تراقبه بدقة، ولعلها هي التي قامت بتحريك دوائر نفوذها الإعلامي والسياسي بالغرب للتحريض ضد الوجه الإسلامي لتركيا، حيث ترى «إسرائيل» بأن صعود «الإسلامية» سياسيًا بشكل خطرًا حقيقيًا على وجودها، و تطلعاتها في الهيمنة والعلو على دول وشعوب المنطقة العربية والإسلامية، ولكن مهما بلغ كيد هؤلاء ومكرهم فإن مكر الله سوف يفسد كافة مخططاتهم ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾(سورة الأنفال: 30)، ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ﴾(سورة المجادلة: 21).

 

الرابط المختصر :