; الدور التركي في ترتيب العلاقات العربية الإسرائيلية | مجلة المجتمع

العنوان الدور التركي في ترتيب العلاقات العربية الإسرائيلية

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994

مشاهدات 74

نشر في العدد 1109

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-يوليو-1994

تانسو تشيللر تؤكد علمانية عرفات ورغبته في اتخاذ تركيا كنموذج للدولة الفلسطينية

في إطار البحث لها عن موقع حيوي وهام في الشرق الأوسط تبذل تركيا حاليا جهودًا حثيثة لتثبيت مكانتها السياسية على المستوى الإقليمي من خلال دعمها لعملية السلام العربية - الإسرائيلية وذلك لضمان بقاء أهميتها لدى الدول الغربية، مما قد يسهل لها عملية دخول النادي الأوروبي الذي تسعى إليه، ولذلك لا تترك أنقرة آية فرصة تسنح لها دون الطرق على حديد الشرق الأوسط الساخن وضرورة تشكيله من جديد في إطار السلام والاستقرار - على حد قول المسئولين الأتراك  وهو ما يعني الاستسلام للأمر الواقع الحالي والاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني المغتصب لأراضي فلسطين واستبعاد الإسلام من جدول أعمال الشرق الأوسط والعالم أجمع.

ففي شهر يوليو «تموز» الحالي التقت تانسو تشيللر - رئيسة الوزراء التركية - بكل من ياسر عرفات المنتخب من قبل المجلس الوطني الفلسطيني - كرئيس لفلسطين - والذي لم يعترف بصفته هذه الكيان الصهيوني الذي وقع معه اتفاقية غزة أريحا، وإسحاق رابين - رئيس وزراء الكيان الغاصب، وشعيون بيريز - وزير خارجيته - وذلك يوم 7 يوليو «تموز» في باريس، كما التقت في إسطنبول بالدكتور عاطف صدقي - رئيس الوزراء المصري - الذي كان يقوم بزيارة رسمة لمدة خمسة أيام بدأت يوم ١٦ يوليو.

هدف التحرك التركي

وتم خلال اللقاءات المنفردة الاتفاق على ضرورة قيام تركيا بدور نشط في العملية السلمية سواء من خلال المشاركة بجنود أتراك في قوة السلام وهو ما طالب به عرفات  والصهاينة أو من خلال المشاركة في عملية إعادة البناء في غزة - أريحا، وإن كانت تشيللر قد أكدت في مباحثاتها مع جميع الأطراف على ضرورة ضمان الدور السياسي لتركيا بجانب الدور الاقتصادي وهو ما سيتم بلورته خلال زيارتها المتوقعة لكل من مصر والأردن والكيان الصهيوني وغزة وأريحا خلال الخريف المقبل.

وأكدت تانسو تشيللر في تصريحاتها التي أدلت بها عقب عودتها من باريس حيث كانت تشارك في حفل جائزة السلام التي منحتها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة أن كلا الجانبين الفلسطيني «والصهيوني» طالبا بضرورة إشراك جنود أتراك في قوة السلام الدولية التي سترابط في المنطقة لما لذلك من أهمية للطرفين.

وقالت تشيللر في التصريحات الصحفية التي نشرتها جريدة صباح التركية يوم 8 يوليو «تموز»: »إن قيام عرفات بطلب ذلك من تركيا يعتبر أمرًا مهمًا جدًا لأن عرفات والمحيطين به أناس علمانيون، ولهذا السبب يمكن أن نتعاون أكثر في القريب العاجل وحدث كهذا يزيد الخصوصية التركية لتكون نموذجًا لدول المنطقة» انتهى كلام تشيللر الحرفي وهو يعني ببساطة شديدة أن التحرك التركي يستهدف تطبيق النموذج العلماني في فلسطين وتصديره إلى كافة دول المنطقة، لأنه باستبعاد العامل الديني من عناصر الصراع العربي والإسلامي - الصهيوني خاصة من الجانب الإسلامي سيكون ضمان الاستقرار واستمرار حالة الإذلال التي بدأت تعصف بالعالم الإسلامي بعد إلغاء مصطفى كمال للخلافة العثمانية عام ١٩٢٤م، وتبني تركيا فيما بعد العلمانية التي أثبتت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في مارس الماضي فشل الأحزاب التي ترفعها كشعار علني أمثال الأحزاب اليسارية التركية.

وبالطبع سيكون الكيان الصهيوني هو الفائز الأول حيث سيستريح «ولو مؤقتًا» بسبب الصراع المحتمل اندلاعه في دول المنطقة بين العلمانية والإسلام وشددت تشيللر في تصريحاتها على أن تركيا منطقة هامة ويمكنها أن تكون همزة الوصل وكوبري الاتصال في العلاقات بين الشرق الأوسط وأوروبا وهذه فرصة جيدة ليست لتركيا فقط، بل للعالم أجمع.

وقالت تشيللر أن رجال الأعمال الأتراك سيقومون بعمل استثمارات هامة في غزة وأريحا خاصة وأن عرفات قد وعد بإعطاء الشركات التركية الأولوية في المشروعات التي ستنفذ هناك.

ومن الجدير بالذكر أن المجتمع، كانت قد أشارت في أعداد سابقة إلى تلك الاتفاقيات.

من ناحية أخرى وجه ياسر عرفات الدعوة لتانسو تشيللر لكي تقوم بزيارة منطقة الحكم الذاتي غزة - أريحا، وقبلت رئيسة الوزراء الدعوة على أن يتم تحديدها فيما بعد، وعلمت المجتمع أنها ستتم في الخريف المقبل أثناء زيارتها لمصر والأردن والكيان الصهيوني.

وأكدت مصادر «المجتمع» أن رجال الأعمال الأتراك من اليهود سيتولون مهمة إقامة المشروعات التي ستوكل لتركيا في غزة.

أريحا، ويقوم جاك كيمجي رجل الأعمال التركي اليهودي المعروف حاليًا باتصالات مع باقي رجال الأعمال لإقامة شركة جديدة تستخدم كقناع لأعمالهم في المنطقة.

أما مباحثات تشيللر مع رابين وبيريز فدارت أيضًا حول الأطر نفسها وإن كان رئيس الوزراء الصهيوني قد أبدى قلقه من احتمال تأثر القوة التركية المزمع إشراكها في قوة السلام الدولية بمنظمة حماس الإسلامية، لذلك طالب بأن يخضع أفرادها لفحص أمني دقيق لضمان عدم تحول مشاعرهم خاصة وأن القوة التركية التي كانت قد شاركت في قوة السلام بكوريا كانت وراء انتشار الإسلام هناك، كما تعاطفت القوة التركية في الصومال مع السكان المحليين بسبب الرابطة الإسلامية.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن الأجهزة الأمنية التركية تقوم حاليًا بتقييم الموقف قبل إبداء رأيها في الموضوع خاصة وأن إرسال قوة تركية للأراضي الفلسطينية ليست عملية سهلة حيث من الممكن أن تكون لها تأثيراتها الوجدانية والدينية على تلك القوة لما في فلسطين من مقدسات يحترمها كل مسلم.

رابين يوافق على الطلب الفلسطيني بإشراك قوة تركية في قوة السلم بشرط الفحص الأمني الدقيق لأفرادها

التعاون التركي المصري لمواجهة الإسلاميين في المنطقة

أما زيارة الدكتور عاطف صدقي والتي بدأت يوم ١٦ يوليو «تموز»، فقد تناولت أيضًا تطورات القضية الفلسطينية رغم أن الشكل العام للزيارة يأتي في إطار التعاون الثنائي والميدان الاقتصادي، إلا أن السيدة تشيللر شددت في كلمتها على أن تركيا ومصر من عناصر التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط.

 وتناولت المباحثات الثنائية الدور المصري التركي المشترك لمواجهة ما أسماه الطرفان بظاهرة الإرهاب والأصولية الإسلامية حيث تطابقت وجهتا نظر أنقرة والقاهرة، وهو ما تم الاتفاق عليه أيضًا في إطار اجتماعات منتدى البحر المتوسط الذي عقد في الإسكندرية خلال الشهر الحالي وشارك فيه حكمت تشتين وزير الخارجية التركي.

 وكان الدكتور عاطف صدقي قد أدلى بتصريحات عقب وصوله إلى مطار إسطنبول ظهر يوم ١٦ يوليو «تموز»، قال فيها: أن مصر تولي أهمية كبري لتنمية وتطوير علاقاتها مع تركيا في المرحلة القادمة لتتمكن الدولتان من القيام بدورهما في خدمة استقرار المنطقة خاصة وأن تركيا تحتل مكانة هامة تؤهلها للقيام بدور فعال في خدمة السلام.

وهو الأمر الذي أيدته تانسو تشيللر في ردها على كلمة الدكتور عاطف صدقي وقالت أن هذه الزيارة فرصة هامة لتطوير العلاقات بين البلدين وهو الأمر الذي سينعكس إيجابيًا على كل دول المنطقة حيث تمثل مصر وتركيا أهم عناصر التوازن في الشرق الأوسط.

مؤتمر الأمن والتعاون الشرق أوسطي

كما ناقش الطرفان أيضًا فكرة البنية الإقليمية التي تسعى تركيا لإقامتها لتزَعُّم دول المنطقة والمعروفة باسم مؤتمر الأمن والتعاون الشرق أوسطي، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن مولدها خلال زيارة تشيللر للمنطقة في الخريف المقبل خاصة بعدما تقرر لقاء الملك الأردني برئيس وزراء الكيان الصهيوني يوم ٢٥ يوليو تموز الجاري في واشنطن للتوصل إلى سلام نهائي بين الطرفين سيساهم بدون شك في الضغط على سوريا لتوقيع الصفقة وبالتالي يسقط المبرر المصري بتأجيل إقامة تلك البنية حيث كانت القاهرة تصر على إشراك دمشق في أي تكتل إقليمي جديد في المنطقة لضمان عدم حدوث أي استقطابات إقليمية.

خاصة وأن أنقرة تقوم حاليًا بدور هام لضم بغداد إلى ذلك التكتل حيث أبلغ اردال إينونو - الرئيس الشرقي للحزب الاجتماعي الشعبي الديمقراطي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي والذي كان قد زار الكيان الصهيوني مؤخرًا، وهو ما أشارت إليه المجتمع، آنذاك - المسئولين في بغداد بنتائج زيارته لتل أبيب وضرورة أن تقوم بغداد بخطوة تجاه الكيان الصهيوني بشكل علني ليساهم ذلك التطور في رفع الحظر الدولي المفروض على النظام العراقي من ناحية وعلى تطبيع الموقف مع الكيان الصهيوني في المنطقة من ناحية أخرى لضمان عودة الاستقرار بها خاصة وأن العلاقات العراقية - الصهيونية السرية، عندما تخرج إلى العلن سيؤدي ذلك إلى تشجيع كافة الأطراف على الانخراط العلني في العملية السلمية.

وكان إينونو ومعه وفد لجنة العلاقات الخارجية الذي ضم نوابًا عن أحزاب الطريق القويم والوطن الأم والرفاه - نائب لكل حزب قد قام بزيارة بغداد يوم ۱۸ يوليو «تموز» لإجراء مشاورات مع بغداد حول الحظر، في الوقت الذي سيقوم فيه إينونو بصفة شخصية بدور وساطة لتطبيع العلاقات العراقية الإسرائيلية.

دور المؤسسات المشبوهة في ترسيخ الاستسلام

على صعيد آخر عقد في العاصمة أنقرة مؤتمر هام على مدى يومين في النصف الثاني  من الشهر الحالي15- 16/7 لدعم عملية السلام وشارك فيه عشرات من الدبلوماسيين والصحفيين والمفكرين العرب والصهاينة والأتراك والأمريكيين، وذلك من مصر والأردن وتركيا والولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومنهم الكاتب والمخرج الفلسطيني داود قطب والمتحدث الرسمي السابق في عهدي عبد الناصر والسادات السفير تحسين بشير ومن الصهاينة عوزي بازمان وإسرائيل سيجال من الصحفيين الصهاينة المعروفين والسفير الأمريكي السابق في الكيان الصهيوني صمويل لويس والذي عمل سفيرًا في تل أبيب ٨ سنوات، ويعتبر من مهندسي عملية كامب ديفيد، كما شارك أيضًا العديد من السفراء العرب في أنقرة في تلك الاجتماعات التي استهدفت دعم تشجيع العملية السلمية من خلال المؤسسات غير الرسمية مثل «وقف الأمل التركي» و«مركز ابن خلدون» بالقاهرة و «مركز دراسات السلام» الإسرائيلي، وجمعية البحث عن أرضية مشتركة الأمريكية والتي شاركت في أعمال المؤتمر.

التركيز على أهمية الدور التركي

وشدد المتحدثون الفلسطينيون على أهمية قيام تركيا بدور في دعم الإدارة الفلسطينية الجديدة والتي تريد أن تكون مثل النموذج التركي، وهو الأمر الذي يريده أيضًا الكيان الصهيوني وأن طلب عرفات لقوة تركية في إطار قوات السلام الدولية يرجع لأن تركيا هي الأقرب للفلسطينيين ويمكن لتركيا أن تثق وتؤمن بذلك. 

وطالبت الكاتبة الصحفية نور باطور - في مقالها اليومي المعنون باسم الممر الدبلوماسي الذي نشرته يوم ١٨ يوليو الجاري في صحيفة «مللیت» زعماء الأحزاب التركية بزيارة الكيان الصهيوني وأريحا وغزة، وتساءلت عن أسباب عدم قيام اتحاد الغرف التركية وجمعية رجال الأعمال والصناعة الأتراك بالعمل في تلك المطبقة.

وعمومًا فإن الجهود المكثفة التي تبذلها تركيا حاليًا لدعم العملية الاستسلامية ستتبلور بشكل كبير في الخريف المقبل عندما تزور تانسو تشيللر مصر والأردن وغزة وأريحا والكيان الصهيوني لتواصل تركيا دورها الهام والنشط في المنطقة التي شهدت ميلاد الديانات الثلاث الكبرى - على حد قول. اور توغرل اوزتورك - مدير تحرير حريث. هذا الدور الذي حدده باستتباب الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو بالطبع يقصد الأمن الصهيوني والاستقرار العلماني في دول الشرق الأوسط.

الرابط المختصر :