العنوان محاضن علمية لإعداد القادة
الكاتب رمضان خميس الغريب
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 68
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 52
الجمعة 06-يناير-2012
فقه صناعة القِلة الرائدة في ضوء علم السنن (2-3)
تناولنا في العدد الماضي الخطوات العملية التي من شأنها أن تساعد في صناعة القلة الرائدة في ضوء السنن الربانية، وقد ذكرنا خطوتين، وفي هذا العدد نتناول ٧ خطوات:
تفعيل دور العلم الكبرى كالأزهر والزيتونة والأموي والجامعة الإسلامية ودار العلوم بالهند لتقوم بمهمتها.
الإستفادة من الوقف الإسلامي ورصد قدر مناسب منه لمثل هذا البناء البشري المتين.
توظيف الإعلام المسلم لخدمة هذا المشروع الريادي يمهّد له ويعلن عنه ويشجّع الناس بما له من أثر وفضل.
3- إعداد محاضن علمية خاصة بتكوين القادة، على مستوى العلوم الشرعية والإجتماعية والسياسية، وتشرف عليها هيئة عالمية، تستقل ماليًا وإداريًا عن رعاية دولة بعينها، حتى تكون حرة الإرادة، قادرة على الإستقلال العلمي والعملي، كما يستفاد في ذلك من الخبرات العلمية العالمية التي تملأ أصقاع العالم الإسلامي، وتوضع لهم برامج تربوية وعلمية وعملية تؤهلهم للقيام بالمهمة المنوطة بهم في قيادة الأمة وإرشادها، والأمة غنية -بفضل الله تعالى- بالعقول التي تحتاج من يفيد منها والطاقات المؤهلة للقيام بهذه المهمة.
4- الإفادة من المحاضن العلمية القائمة كل في مجال تخصصه، لتكون رافدًا من الروافد المهمة في تزويد المجتمع بما يتطلبه من رموز علمية وقيادية تتحمل المهمة أو جزءًا منها.
5- تفعيل دُور العلم الكبرى، كالأزهر، والزيتونة، والأموي، والجامعة الإسلامية، ودار العلوم بالهند وغيرها، لتقوم بمهمتها الرسمية، والخروج بها من حالة الجمود والهمود إلى حالة الوعي الحقيقي والسعي الجاد، لإخراج الأمة من وهدتها، والسير بها قدمًا إلى مصافّ الريادة الحضارية.
6- تفعيل الوقف الإسلامي، ورصد قدر مناسب منه لمثل هذا البناء البشري المتين، فلا أولى به منه، ولا أحوج، إلى الوقف من هذا المشروع الذي يبني أمة، ويمهد لجيل تتبعه أجيال، ودعوة أهل الفضل إلى المشاركة في هذا الهم العام الذي له ما بعده من تبصير الأمة برسالتها وتحميلها بمهمتها.
7- توظيف القدر المتاح من الإعلام المسلم لخدمة هذا المشروع الريادي يمهّد له ويعلن عنه، ويغري الناس بما له من أثر وفضل، ويساعد في توعية الأمة بخطورة خلوها من هذه القلة الرائدة، وتوعية هذه القلة بمهمتها عبر وسائله الجاذبة والمؤثرة، والتي أثبتت تجربة الأيام أن أثره لا ينكر بل لا يقاوم في الخير والشر، وهذا ما عبّر عنه الطيب برغوث في دراسته المتميزة عن سُنن الصيرورة والإستخلاف في ضوء التدافع والتجدد الحضاري، في حديثه عن خصائص ومقومات التجدد الحضاري بقوله: «الشرط الثاني في الفعل التجديدي وهو وصل الحاضر بالعصر، خاصة إذا كانت الأمة في وضع المستضعف أو المتطلع على الإنعتاق من التخلف والتبعية والإستضعاف، حيث يتحتم عليها التواصل البصير مع ثقافة العصر وحضارته، إستفادة من معطياته وخبراته، وفهما لإتجاهاته ومجالات وآليات الصراع فيه، وإرتقاء إلى مستوى التفاعل الواعي معه أو الفعل الإيجابي فيه كلما أمكن ذلك» (1).
8- إستكتاب العقول الرائدة وأصحاب التجارب والخبرات الناجحة في هذا الميدان، من تربويين وشرعيين وإجتماعيين وإصلاحيين وكل من له شغل بالهم الإسلامي العام، ليقدم تصوره في مجاله، ونتاج خبرته موثقًا، وفي الأمة من الخبرات المتناثرة والعقول المهاجرة ما يكفي ويغني إذا صحت العزيمة وسلمت النوايا ويسّرت السيل.
وهذا عينه ما تنبه له شيخنا الشيخ الصادق عرجون في كتابه المبارك النافع والماتع «سُنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم» حين تساءل بعد رحلة علمية
قوية مؤصلة عن المخرج لما فيه المسلمون اليوم، وقد وضح الصبح لذي عينين، وبان النهار لذي باصرين، وخلص إلى وجوب أن تكون هناك «دراسة تحليلية تصف الداء في لُطف لا يزعج المريض، وتضع أمامه الدواء، وذلك في خطة إيجابية يسجلها العلماء ورواد الإصلاح الإسلامي مكتوبة في ضوء الحق، ترفع إلى المسؤولين عن التنفيذ في جميع الأوطان الإسلامية، تذاع في رفق بين سائر المسلمين ليفهموا داءهم ودواءهم، وعلى العلماء في صورة جماعية يحققها موسم الحج -وهو المؤتمر الذي أمر الله بعقده- أن يتابعوا السعي وراء هذه الخطة، ليتعرفوا العقبات التي تقف دون تطبيقها عمليًا، والمشكلات التي تعترضها، ليشاركوا في حلها، حلًا لا يهدم بناء دون أن يقيم على أرضه بناء يقوم مقامه، وعلى أسس من القرآن الكريم العظيم، ويجب أن تكون الحلول في مستوى واقع الأمة الإسلامية، فلا تحلق في سماء الخيال وتنسى أزمات الأمة» (2).
وقد قدّم الشيخ -يرحمه الله- هذه الدراسة السُننية الراقية وهذا الإقتراح إلى رابطة العالم الإسلامي، وما زال أمله وأملنا معقودًا -بعد الله- في الرابطة وكل رابطة تتقدم لحمل العبء وترود الناس إلى مكان الصدارة.
9- إستدعاء تراثنا الحي ليعيش معنا هذه الدورة الحضارية التي تُكتب من جديد حسب التغير السُنني في الكون والحياة، وحسب قانون التداول الحضاري الذي رصده القرآن الكريم وعني بتأكيده، ونرتشف منه تجارب القرون الماضية التي ثبت على مدار التاريخ ريادتها وقيادتها لنهضات ظلت قرونًا مشاعل نور ومنارات هدى يفيء إليها الناس من شرق وغرب.
«ولا يخفى أن أي خلل في علاقة الحاضر بالتراث الحضاري للأمة، سيجعل حركة التجديد تمتد في فراغ، وستجد نفسها بعد فتور حماسة البداية، وكأنها تتحرك في مكانها، إن لم تتقهقر إلى الوراء، وهنا لا تجد السند الفكري والنفسي والإجتماعي الذي يمنحها مبررات الإستمرارية، ويضمن لها حيوية التجدد والإندفاع، ويقيها أخطار التذبذب والتأرجح بين التيارات الفكرية والكتل الحضارية المتدافعة، الذي قد يفقدها هوينا ويمسخها خلقًا إجتماعيًا آخر!!
ويكفي في هذا السياق ستحضار مسار ومآلات تجربة النهضة الحديثة في العالم الإسلامي، وعجزها عن حل معادلة التواصل الأصيل مع الذات، وما نجم عن ذلك من إزدواجية وتذبذب وهلاك وهدر للإمكانات والإرادات الحضارية للأمة، ومضاعفة لهمومها، ومباعدة بينها وبين طموحاتها.. للتأكد فعلًا كيف مسخت هذه النهضة مسخًا، وأفرغت من محتواها الحضاري الأصيل! ومن هنا فإن الشرط الأساس الأول في الفعل التجديدي، هو وصل الحاضر بالماضي وصلا واعيًا، عن طريق إستيعاب ثوابت الخبرة الذاتية للأمة، وتمثل روحها وإستصحابها إلى الحاضر، وإدماجها في العصر بإستمرار» (3).
إستكتاب العقول الرائدة وأصحاب التجارب والخبرات الناجحة في هذا الميدان من تربويين وشرعيين وإجتماعيين وإصلاحيين لتقديم تصورهم ونتاج خبرتهم.
إستدعاء تراثنا الحى ليعيش معنا هذه الدورة الحضارية التي تُكتب من جديد حسب التغير السُنني في الكون والحياة.
الهوامش
(1) مدخل إلى سُنن الصيرورة الإستخلافية على ضوء نظرية التدافع والتجديد الحضاري، الطيب برغوث، ص ۱۸۲ – 183.
(2) سُنن الله في المجتمع، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط. الثالثة ١٤٠٤هـ / ١٩٨٤م، وأنظر: حديث الأستاذ أبي الحسن الندوي عن قيادة الإسلام للعالم، فصل نهضة العالم الإسلامي، من كتابه الراقي «ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين»، ص 258، ۲۷۷.
(۳) مدخل إلى سُنن الصيرورة الإستخلافية على ضوء نظرية التدافع والتجديد، مرجع سابق، ص ۱۸۱ - ۱۸۲، وأنظر: نحو حركة إسلامية عالمية واحدة، فتحي يكن ط. مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة، ١٤٠٧هـ / ١٩٨٧م، ص 44 وما بعدها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل