; الدكتور أحمد الملط.. شهيد على فراشه | مجلة المجتمع

العنوان الدكتور أحمد الملط.. شهيد على فراشه

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995

مشاهدات 107

نشر في العدد 1150

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 16-مايو-1995

جاء في الحديث الصحيح: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء؛ وإن مات على فراشه» (رواه مسلم).

بكل تواضع واستخفاء ومن غير جلبة ولا دعاية ولا ضوضاء، وعبر كلمات قليلة في زاوية من الجرائد اليومية، وقعت العيون على نبأ وفاة الدكتور أحمد الملط عليه الرحمة والرضوان، انتقل إلى الرفيق الأعلى عقب أدائه الفريضة الحج، وصعدت روحه في البلد الأمين مكة المكرمة، ودفن بها، ولقد شاء الله عز وجل أن يختاره إلى جواره بعد أن أدى الأمانة كاملة ووفى بالعهد الذي عاهد ربه عليه، فهنيئًا له هذا الجوار الطيب في البلد الأمين، فقد جاء في الأثر: «من مات في أحد الحرمين بعث آمنًا يوم القيامة».

وأجدر الناس بالخلود، ذلك الرجل الذي يحرص على مصلحة أمته، فهو يعيش لها لا لنفسه.. إنه يسهر من أجلها، ويحرص على سلامتها لأمنها وراحتها.. إنه يربط مصيره ومستقبله بالحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، ماذا أخذ فقيدنا من الدنيا؟ أخذ منها جسدًا طالما تحمل الآلام والتعذيب والسجون والمعتقلات، أخذ منها محنًا متوالية، وشدائد يرقق بعضها بعضًا.

إن الجانب النفسي في حياة فقيدنا، والذي منحه الصلابة في الحق والصبر على الشدائد، يحتاج إلى الوقوف عنده كثيرًا، فما أحوجنا إلى معرفته وفهمه؛ ذلك أن المعين المفقود في حياة هذه الأمة لا ينحصر في العلم أو المعرفة فحسب، ولا في الرجال أو المال، فكل هذه الألوان كثيرة ومتعددة، لكنه ينحصر على وجه التحديد في النفوس الكبيرة التي تعرف الحق وتؤمن به ويجري في عروقها وأعصابها كما تجري دفقات الدم وعصارات الحياة.

لم يحرص على منصب أو جاه، ولم يتزلف لأحد، وإنما وضع بين عينيه ثقل التبعة وخطرها، والأمانة وأعباء الطريق، ووقوفه بين يدي القاهر الذي لا تخفى عليه خافية، وإن قلبًا تسكنه مخافة الله جدير أن يحمل صاحبه على التعالي على حطام الدنيا والارتفاع فوق كل ما يرهب وما يخيف، فكل شيء دون ما عند الله هباء.

كان فقيدنا -عليه الرضوان- من ذلك النوع الفريد الذين وهبهم الله رصيدًا عظيمًا من معرفة الحق والثبات والصبر على تكاليفه، فكان إيمانه بالله عز وجل، وثقته به، ويقينه بوعده، ورعايته لأوليائه شيئًا عظيمًا يسري في كيانه كله، ويملك عليه أقطار نفسه، كان يقول الحق ولو كان مرًّا، وكان يصر على أن الثبات على أمر الله هو الرصيد المذخور، وهو برهان الخير وأمل النصر، وأشهد أني ما إن سمعت هذا النعي الأليم حتى أضاءت جوانب نفسي هذه الآية من سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب: 23).

كان يؤمن بأن الإسلام الصحيح ليس مجموعة من المعارف وكفى؛ لكنه المعرفة التي تتصل بتقوى الله وخشيته، فكلما ازداد المسلم معرفة صفت نفسه، وسما إدراكه، واستشعر عظمة الخالق جل وعلا، وأدرك بحسه الصادق رقابة الله على كل صغيرة وكبيرة، وعظم مسئولية المسلم بعد ذلك؛ لأن المسئولية على قدر المعرفة، وكلما ازداد علم المسلم بمولاه شعر بتضاؤله هو وأدرك سابغ نعمة الله عليه.

وكان يعلم إخوانه أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان أبدًا، إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر وجهد يحتاج إلى احتمال، ولقد تعرض رحمه الله لمحن متوالية، فثبت واحتمل وخرج منها صافي القلب صادقًا وفيًّا أمينًا.

وكان يوقن أن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم أهل لها، وفيهم على الوفاء بها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها، وعندهم الاستعداد على إيثارها على الراحة والدعـة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء.

إن فقيدنا من الذين إذا انتهت حياتهم على ظهر الأرض، فتصيبهم الرحمة من الله والرضوان، والذكر العاطر، والقدوة الطيبة، ومن هنا كانت صفة الخلود لسلفنا الصالح في أخلاقهم وحياتهم؛ لا في كتبهم ومؤلفاتهم، في ثباتهم وتضحيتهم لا في مناصبهم وجاههم، في تجردهم وإخلاصهم لا في نعوتهم وأسمائهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(فصلت: 30- 32).

أخي وأستاذي في الله:

تقبل الله منك سعيك الدائم، وسفرك المتواصل لمتابعة قضايا المسلمين في كل بقعة على ظهر الأرض، في أفغانستان حيث وقف أهلها ضد الإلحاد والقهر والتسلط والإجرام، فكنت عونًا لهم وسندًا، وفي البوسنة والهرسك، حيث حرب الإبادة والقتل والسحق للمسلمين على مرأى ومسمع من أدعياء الحضارة وهم جميعًا وحوش، قال الله فيهم: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (التوبة: 10).

تقبل الله منك سهرك من أجل قضايا فلسطين منذ فجرها، ومعايشتك لأهلها، ووقوفك معهم، وجهادك بين صفوفهم من خمسين سنة، ثم ظللت إلى آخر نفس في حياتك تقول: قضية فلسطين هي قضية الإسلام الكبرى.

تقبل الله منك جهادك في مصر وسعيك وسهرك على المرضى خاصة الفقراء وتأمين حياتهم وتيسير سبل العلاج لهم بإنشاء الجمعية الطبية الإسلامية والمستوصفات الخيرية بأجر زهيد يتناسب مع أحوال الفقراء، كل ذلك من غير دعاية ولا ضوضاء ولا إعلانات.

تقبل الله منك جهادك لرفع شأن الإسلام والمسلمين، وتبصيرهم بدينهم، وترغيبهم في طاعة الله، وتذكيرهم بحق الله عليهم.

تقبل الله منك حرصك الدائم على الدعوة إلى تحكيم شرع الله وأنه مصدر القوة والعزة والرفعة في الدنيا والآخرة.

هذه الأعمال وغيرها لو ضاعت عند أهل الأرض فلن تضيع عند رب الأرض والسماء، ولو نسيت عند الناس، فإن رب الناس قد أحصاها عنده، وهي في الميزان إن شاء الله.

وهناك جوائز أخرى أعدها الله لك ولأمثالك وأخبرنا عنها صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق؛ فقد روى الإمام أحمد عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس يصلي لنا فيه ومعنا رجاء بن حيوة رضي الله عنه، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًّا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: هات رحمك الله، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا بالله واتبعناك، قال: «ما يمنعكم من ذلك، ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؛ بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين یؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا مرتين».

وروى الحسن بن عرفة العبدي قال: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن ابن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟»، قالوا: الملائكة، قال: «وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟!»، قالوا: فالنبيون؟ قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟!»، قالوا: فنحن، قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟!»، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها».

رحمك الله رحمة واسعة، وأحسن جزاءك، فقد أتعبت من بعدك وعوض الإسلام والمسلمين عنك خيرًا، وجعل مواقفك وأخلاقك وصبرك رصيد خير وإلهام عون للعاملين من بعدك.

وسلام الله عليك في عباده الصالحين، وبلغك في دار كرامته ما أعده للصديقين والشهداء، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الرابط المختصر :