العنوان هل أصبحت العزوبية موضة عند الأوروبيات؟
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 921
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 20-يونيو-1989
تظاهرة تبعث على الدهشة والعجب تلك التي شهدتها باريس العاصمة الفرنسية في شهر مارس الماضي والمتمثلة في إقامة ما أطلق عليه «صالون العزاب والعازبات» وهو أشبه بمعرض احتوى على عدة أجنحة قدمت فيها مؤسسات تجارية كل ما يلائم حياة العزوبية من مأكولات وكتب وأثاث وخدمات متنوعة وعقدت في إطاره محاضرات وندوات ناقشت مشاكل العزاب وطرحت أفكارًا واقتراحات للدفاع عن «حقوقهم»! فماذا يعني إقامة هذا الصالون؟ وهل إن أوروبا مقبلة على عصر سيادة العزوبية. ليس بين الرجال وحدهم بل بين النساء أيضًا؟
* عازبات بالملايين:
نساء أوروبيات بالملايين فيهن الشابات وفيهن
الجميلات الرشيقات وفيهن الأرامل وفيهن المطلقات ومعظمهن لم يزل فيهن مطمح للزواج
ولكنهن يعشن دون أزواج وتسأل لماذا ويأتيك الجواب من مؤسسة «سوفراس» الفرنسية لسبر
الآراء حيث تقول بالنسبة للفرنسيات إن 38% من العازبات اخترن العزوبية بمحض
إرادتهن وإن 45% من العازبات يتحملن العزوبية كأمر واقع ساعدت عليه ظروفهن وسواء
كانت هذه العزوبية اختيارية أم غير اختيارية فإن موجتها تكتسح بسرعة المجتمعات
الغريبة ففي فرنسا تعيش أكثر من عشرة ملايين امرأة وحيدات وأكثر من ثمانية ملايين
رجل وحيدين ويتوقع أن تشمل العزوبية في فرنسا عام 2000، 35% من الفرنسيين
والفرنسيات في سن الزواج أما في الدنمارك والسويد فقد صار عدد العزاب والعازبات
الآن هو الأغلبية بنسبة 55% ويقدر الخبراء الديمغرافيون في فرنسا أن 48% من شبان
وشابات فرنسا اليوم لن يتزوجوا فيما بين سن الخامسة والعشرين والأربعين وأن 55% من
المطلقين والمطلقات لن يتزوجوا ثانية ويذكرون أنه في باريس وحدها حاليًا ثماني
نساء في كل عشرة نساء يعشن وحيدات مما يعني أن هذه الظاهرة أكثر انتشارًا في المدن
الكبيرة منها في القرى والأرياف.
* وطأة المادية:
الحضارة الغربية المادية أجبرت جموع النساء على
الخروج من بيوتهن للعمل والكسب في المصانع والإدارات ومختلف المؤسسات وإذا كان هذا
الخروج قد أشعر المرأة في الظاهر بحريتها واستقلالها إلا أنه في الحقيقة جر لها
وللمجتمع الوبال حيث أصبح يتعذر عليها القيام بوظيفتين معًا: وظيفة رعاية أسرتها
وشؤون بيتها ووظيفة أخرى خارج البيت وعندئذ وجدت نفسها مدفوعة إلى التحلل من
مسؤولياتها الأسرية أولًا بالتقليل من الإنجاب وثانيًا بالعزوف عن الزواج وتكوين
أسرة ويظهر من خلال استجواب للعازبات قامت به مجلة نوفال ابسرفتور الفرنسية أن
معظم هؤلاء العازبات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و35 سنة يتفقن على نقطة أساسية
وهي التحرر من كل القيود الزوجية والأسرية للتفرغ للعمل والنجاح فيه وكأن الحياة
المادية القاسية بكل ما فيها من مساوئ الأنانية والخواء الروحي جرت المرأة للعمل
وهذا العمل الذي أصبح كل همها جرتها للعزوبية وبناء على ذلك فلا غرابة أن نجد
العازبات يحتللن مناصب مرموقة ووظائف عالية ومهنًا محترمة ففيهن الصحفيات
والمدرسات والمنشطات والمديرات. وتقول إحداهن لتبرير اختيارها لحياة العزوبية «إن
مديري المؤسسات يتلقفن العازبات لأن العازبة تعطي لشغلها أكثر مما تعطي المتزوجة
ثم إنني أحب حياتي بدون إزعاج وبدون ضوضاء في البيت حيث أعيش كما يحلو لي وألبس أي
شيء دون تحرج» ولكنها تضيف قائلة: «وعندي أصدقاء يعتبر الزواج بالنسبة لهم قيدًا».
إنها ببساطة فلسفة المادية والإباحية التي لا
تعرف القيود والحدود التي تشجع الغربيين نساء ورجالًا على العزوبية.. وهذه الفلسفة
تستهتر بطبيعة الحال بكل القيم الإنسانية وتضرب بكل الأعراف والأخلاق والمبادئ
الاجتماعية والدينية عرض الحائط وعندما تسود هذه الفلسفة لا نستغرب من تفشي
العزوبية وانتشار الطلاق وما يتبع ذلك من فواحش وموبقات ولا يأخذنا العجب عندما نعلم
أن محكمة الحقوق في مدينة «سين» الفرنسية فسخت 294 عقد زواج في يوم واحد... إنها
فلسفة الهروب من الزواج والتنطع على ما يمثله من روابط إنسانية واجتماعية وهدم
للأسرة من أساسها.
* وللجنس دور:
ما دامت العلاقة بين الرجل والمرأة في البلاد
الغربية قائمة أساسًا على الجنس وما دام الجنس مستقرًا في ظل مجتمع إباحي لا يميز
بين المتعة الحرام والمتعة الحلال يصبح لا معنى لعقد النكاح فالمخادنة صارت عندهم
عرفًا سائرًا وأبناء الزنا الذين يفلتون من عمليات الإجهاض يلصقون بأي زوج مستقبلي
تقول امرأة فرنسية في محكمة مدينة سين بفرنسا «لقد أعلمت زوجي عند النكاح بأنني لا
أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح وأما
أن أعاشره وأعايش معه فما كان في نيتي عند ذاك ولا هو في نيتي الآن ولذلك اعتزلت
وزوجي في نفس اليوم الذي تم فيه زواجنا ولم ألتق به إلى هذا اليوم....».
أما بالنسبة للرجال فإنهم يظلون يعبون من اللذات
ويهيمون في أودية الفجور أحرارًا طلقاء إلى أن يأتي عليهم حين من الدهر عادة حوالي
سن الأربعين فيملون حياة التشرد والبوهيمية فيتزوجون بامرأة بعينها حتى يجمعوا بين
سكينة البيت وعاطفة الأبوة من ناحية ولذة المخادنة الحرة خارج البيت من ناحية أخرى.
* الأمومة:
عاطفة الأمومة لدى المرأة الغربية صارت رهينة
التقلبات المزاجية فإذا أنجبت الأم وهي لا تزال شابة نراها تتضجر من الأولاد بل
تكرههم وتعاديهم أحيانًا حيث ترى فيهم قيدًا على حريتها وعبئًا تنوء به ومن ثم
تعمل جهدها لمنع حمل جديد. نعم لقد أصبح الأطفال الأبرياء في شريعة الغرب ضيوفًا
ثقلاء يستحقون الإهمال والمعاملة بقسوة ولنا في ما تنشره جرائدهم باستمرار عن
حوادث الأطفال بسبب إهمال الوالدين أو عن معاملتهم القاسية نموذج لهذه الأمومة
التي أصابها سرطان المادية الغربية وهذا ما يفسر تناقص الولادات وتكاثر عمليات
الإجهاض في مختلف الدول الغربية بصورة لافتة للنظر ففي المجر مثلًا تفيد
الإحصائيات أن حالات الإجهاض وصلت إلى ثلاثة ملايين حالة سنويًا وفي فرنسا ما زالت
9 نساء من كل عشرة نساء مصممات على عدم الإنجاب و«5» من كل «10» من بين اللائي كن
يتمنين طفلًا آخر من أربع سنوات عدلن عن فكرتهن.
لكن هذه الأمومة تستيقظ فجأة عندما تقترب المرأة
العازبة من موعد الانقطاع النهائي للحيض وكأن غريزة بقاء الجنس تهزها هزًا فنجدها
تستعجل الإنجاب قبل أن يفوتها القطار لا سيما بعد أن فعلت فيها الوحدة فعلها هكذا
بدأت تظهر في المجتمعات الغربية فئة جديدة من الأسر لم تكن معروفة قبل عشر سنوات
أو خمسة عشر سنة إنها الأسرة التي تتكون من أم وطفل «أو طفلة» فقط أو من أب وطفل
«أو طفلة» أي عائلة من عائل وحيد فهناك حاليًا في فرنسا حوالي مليون امرأة تعيل كل
واحدة منهن بمفردها طفلًا أو أكثر أما الرجال الذين هم في نفس الحالة فيبلغ عددهم
حوالي 150 ألف رجل.
فإذا كانت صفة الأم في انحسار لدى المرأة الغربية
فما بالك بصفة الزوجة لقد ذكرت دراسة خاصة نشرت في العاصمة البريطانية أن أكثر من
40% من النساء البريطانيات يعشقن العنف والضرب وأن 20% منهن لا يتورعن عن ضرب أي
شخص يضايقهن حتى ولو كان الزوج نفسه وقالت الدراسة إن امرأة هذا العصر تشكر خطرًا
واضحًا على حياة الرجل وإنها تضرب وترفس وتطعن وتطلق النار أيضًا إذا ما اضطرت إلى
ذلك وإن مثل هذه الأمور تحدث كل يوم ولقد وقعت عدة حوادث انتحار عند الرجال في
المدة الأخيرة ومنهم رجال أذكياء جدًا أصيبوا بصدمات قوية لأن زوجاتهم مارسن العنف
معهم جسديًا وأخلاقيًا».
* شعور بالذنب:
الوجه الآخر لعملة العزوبية يبدو كالحا بغيضًا
يعبر عن مأساة اللاتي مشين على طريق العزوبية حتى نهايته... إن الجيل الأول من
رائداته العزوبية لسن بحاجة للكلمات لوصف مأساتهن والتعبير عن شعورهن بالذنب...
فحالتهن النفسية ولهفتهن على الحصول على طفل يملأ عليهن وحدتهن هي التعبير ذاته عن
تلك المأساة وهذه شهادة إحدى تلك الرائدات وهي الفرنسية ماري كولمباني صاحبة كتاب
«خذ بيدي إننا نعبر» والذي تضمنته كل ما يتصل بتجربتها عن العزوبية تقول بعد أن
لاحظت لها صحافية فرنسية «إن عبارة الشعور بالذنب تكررت كثيرًا في كتابها: «نعم،
حقًا إنني أعترف بأنني مذنبة، مذنبة لأنني لم أقبل بتقديم تنازلات ومذنبة لأنني لم
أقبل إلا الكل أو لا شيء ولو كنت فعلت لأمكن لنويمي «ابنتها 9 سنوات» أن تكون لها
حياة أسرية حقيقية مثل التي عشتها أنا.. إنني لم أود أن أضحي بنفسي وكنت على خطأ
وإذا كنت قد عشت حياتي بالطول والعرض فإنني أرى أننا لسنا إناث حيوانات يركبهن
الذكور ثم يذهبن في سبيل حالهن مع الصغار» ثم تضيف «نحن رائدات العزوبية لم تكن
أمامنا تجارب غيرنا وتعلمنا على مر الأيام ولم يكن هنالك ما نهتدي به» وتنهي
حديثها مع الحافية بنبرة فيها كثير من السخرية والشك حيث تقول: إذا اكتشفنا أنه
بالإمكان أن نحافظ على توازننا بالوقوف على رجل واحدة وحمل طفل على الظهر فسيكون
هذا مدعاة سرور!».
غير أن الشابات الغربيات لا زلن لم يستوعبن الدرس
وكأن تيار العزوبية أقوى من أن تصمد أمامه بعض المواعظ وهو المدعوم بتيار الإباحية
الجنسية وتيار الاستقلالية في كل شيء الذي أفرزته الحضارة الغربية.
وإذا كانت مظاهر التعاسة والشعور بالذنب أظهر
وأوضح لدى من قاربن العقد الخامس من أعامرهن فلا يعني ذلك أن حالة من يصغرهن جيدة
فقد أثبت سبر آراء عينة من العازبات أن 39% منهن عبرن عن المهن لعدم وجود رابطة حب
مع شخص وأن 47% منهن يجدن أن أصعب الأوقات هو المساء عندما تخلو العازبة بنفسها
وأن 41% منهن يبحثن عن التسلية والترفيه ويدفعن القلق والضجر بالخروج في نزهة أو
غير ذلك.. كل هذا يدل على أن العازبات اللاتي يخترن حياة العزوبية سرعان ما يقعن
في شر اختيارهن ولكن تكاثر عدد العازبات وتوقع تضاعف هذا العدد في السنوات القادمة
يظهر تمزق المرأة الغربية وحيرتها بل تمزق المجتمع كله وكأن المرأة تستجير من
الرمضاء بالنار فهي باختيارها للعزوبية تعتقد أنها أحسنت صنعًا وبمرور السنين
تكتشف أنها كانت مخطئة وواهمة ولكن متى؟ بعد أن يفوت الأوان.
* الأسرة في الإسلام:
إن أخشى ما نخشاه أن تهب رياح العزوبية الخبيثة
على بلادنا الإسلامية وأن تنتقل إلينا أدرانها عبر بعض المستغربين الممسوخين
اللذين لا يحسنون سوى التقليد فتتسرب إلى عقول بعض الشباب فلسفة الحط من قدر
الأسرة وقيمتها والاستحفاف بوظيفتها الاجتماعية وبالتالي لا بد أن نحرص على توعية
أبنائنا بمفهوم الزوجية في الإسلام هذا المفهوم الذي لا يقوم على اعتبار الزوجية
مجرد علاقة جنسية بل يقوم على اعتبارها سر وجود العالم كله وسر كل خلق الله وصنعه
البديع ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ
الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا
لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يس: 36) ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا
زَوْجَيْنِ﴾ (الذاريات: 46).
إن الزواج في الإسلام فضيلة وعفة وطهارة ورحمة
ومودة وانتظام لخلق الله في ملكوت الله وهو بالتالي عبادة لله سبحانه ألم يقل
الرسول صلى الله عليه وسلم «من تزوج فقد ملك شطر دينه فليتق الله في الشطر الآخر»
فلنحذر من الاتساخ بأدران الحضارة الغربية...».