; صقر قريش وبوم الأمم | مجلة المجتمع

العنوان صقر قريش وبوم الأمم

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 18-أكتوبر-2003

مشاهدات 72

نشر في العدد 1573

نشر في الصفحة 47

السبت 18-أكتوبر-2003

فرق بين الصقور والبوم، وبون شاسع بين الأسد والنعاج، وبين القطيع وكاشفي الكروب، وبين الفرسان والجرذان، ولهذا نجد بعضًا من الناس هامته في الثرى، وبعضهم هامته في الثريا، ومن الرجال الذين طاولوا النجوم وتجاوزوا الأفلاك، وتمضى السنون أحادها وعشراتها ومئاتها ودهورها، ولا يزالون ملء سمع الدنيا وبصرها وعبد الرحمن الداخل «صقر قريش» مؤسس الدولة الأموية بالأندلس التي بقيت زمنًا طويلًا رمزًا للحضارة الإسلامية.

     قال ابن حبان: «كان الإمام عبد الرحمن الداخل كثير الحزم نافذ العزم، لم ترفع له راية على عدو قط إلا هزمه، ولا بلد إلا فتحه، شجاعًا مقدامًا شديد الحذر، قليل الطمأنينة، لا يخلد إلى الراحة، ولا يستكين إلى دعة، ولا يكل الأمر إلى غيره، يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويصلي بالناس في الجمع والأعياد، ويخطب بنفسه، ويجند الأجناد، ويعقد الرايات، وبلغت جنوده مائة ألف فارس لا يقوم لهم أحد، ولا يقف أمامهم عدو، وكان عبد الرحمن الداخل هذا قد خرج من بلده مطاردًا يوم بلاد المغرب، ولم يكد يتجاوز العشرين من عمره ليس لديه من المال إلا القليل، ولا من الأنصار إلا النذر اليسير، ولكن عزيمته كانت صلبة، وإرادته قاهرة، سهلت له العسير، وقربت إليه ما كان صعب المنال وشبه المحال، فكان رجل زمانه، ووحيد عصره وأوانه، وغرة دهره وعنوانه.

     قال أبو جعفر المنصور يومًا لأصحابه من صقر قريش؟ قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك، وسكن الزلازل، وحسم الأدواء، قال ما صنعتم شيئًا؟ قالوا: فمعاوية قال ولا هذا، قالوا فعبد الملك بن مروان، قال: لا قالوا فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد الرحمن الداخل بن معاوية، الذين تخلص بعقله من سنن الأسنة وظبات السيوف يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدًا أعجميًا فمصر الأمصار، وجند الأجناد، وأقام ملكًا بعدد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة عزمه، أما معاوية فنهض بمركب حمله عليه عمران وعثمان وذللا صعبه، وعبد الملك ببيعة تقدمت له وأمير المؤمنين «يقصد نفسه» بطلب عترته، وإجماع شيعته، أما عبد الرحمن الداخل منفردًا بنفسه، مؤيدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه»: 

بطل البداوة لم يكن يغزو على *** تنك ولم يك يركب الأجواء

لكن أخو خيل على صهواتها *** وأدار من أعرافها الهيجاء

يا أيها السيف المجرد بالفلا *** يكسو السيوف على الزمان مضاء

تلك الصحاري غمد كل مهند *** أبلى فأحسن في العدو بلاء

لو لاذ بالجوزاء منهم معقل *** دخلوا على أبراجها الجوزاء

 هؤلاء هم صقور الإسلام، وأسد الشرى، وبناة الأمم، وحداة الدرب الواعد، أما البوم والغربان الذين ينعقون بالخراب كل يوم، فليس لهم عزم ولا همة إلا رعاية شهواتهم وستر عجزهم وجهلهم، وإهلاك أممهم، يصفهم الإمام ابن القيم في مدارج السالكين فيقول: «هم سفلة الأمة وجهلتها، لا فرق بينهم وبين سائر الحيوانات إلا في اعتدال القامة، ونطق اللسان، ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوات بأي طريق أفضت إليها، فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها، فمنهم من نفسه كلبية، لو صادف جيفار تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب، ونبح كل كلب يدنو منها، وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق، ميتة أو مذكى، خبيثًا أو طيبًا، ولا يستحي من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمته تمسح بك ودار حولك، وإن منعته هرك ونبحك، ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف، ومنهم من نفسه سبعية، همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته، ومنهم من نفسه فارية، فاسق بطبعه، مفسد لما جاوره، تسبيحه بلسان الحال، سبحان من خلق الفساد، ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحيات، ومنهم من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه، ومن الناس من يسمع منك ويرى المحاسن أضعاف المساوى فلا يحفظها، ولا ينقلها ولا تناسبه، فإذا رأى كلمة عوراء، وجد بغيته وما يناسبه، فجعلها فاكهته وشهوته، ومنهم من على طبيعة الطاووس، ليس له إلا التطوس والتزين بالريش، وليس وراء ذلك شيء، ومنهم من على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدًا، و ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث، ومنهم من على طبيعة القرد ...إلخ. كما كان ابن القيم خبير نفوسه، وعالم طبائع يعرف الخبيث فيميزه من الطيب، ويعرف لكل قدره:

علج يموت وأخر يتسكع *** وإلى الفتات على الموائد يسرع

هذا يمد على السحاب جناحه *** وسواه في حمى الرذيلة يرتع

هل يستوي السيف الذي هتك الدجي *** والآخر المتزلف المتصنع؟

هل يستوي البحران هذا ماؤه *** عذب وذاك الأسن المستنقع؟

ومن الغرابة أن هذا رائج *** تغدو به صحف الزمان وترجع

وله من العشاق ألف قبيلة *** وله من الأبواب جيش مفزع

إن شرقوا فالشرق أقدس قبلة *** أو غربوا فالغرب نعم الموضع

     وبعد فهل ترى الأمة اليوم حبلي بالصقور؟ أم أنها ستظل تلد الفاجر الغدار الذي يظل يذيق الناس البوار والعار، ويجعل الدار مرتعًا للبوم والغربان:

أترع الماجن كأسًا من دمانا *** وسقاها للبغي أرجوانا

وإذا الدار بنوها فرطوا *** لا تلوموا الذئب أن يرعى حمانا

وبعد، فأنت وحدك يا أخي الذي ستجيب عن هذا السؤال، نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد، آمين.

الرابط المختصر :