العنوان خطاب الملكة الهولندية بياتري.. دعوة للتعايش السلمي في مجتمع متعدد الثقافات
الكاتب خميس قشة
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005
مشاهدات 72
نشر في العدد 1639
نشر في الصفحة 35
السبت 19-فبراير-2005
قالت الملكة الهولندية «بياتريكس فان أورانيا» في خطابها السنوي إلى الشعب، في آخر السنة الميلادية ۲۰۰٤م: «إننا نواجه أحداثا خطيرة تهدد قيمنا الأساسية، وتجعل منطق التسامح أمام تحد كبير، إن التطرف يعمل على زعزعة استقرار مجتمعنا ويهدد مستقبلنا..
ودعت الملكة الهولندية مختلف مكونات المجتمع الهولندي إلى العمل معًا لمواجهة التعصب، ومحاصرة العنف، وأفكار العنصرية والقتل وقالت أيضًا: الفترة الصعبة التي نمر بها توجب علينا دمج مصالح الأفراد والجماعات في بوتقة الصالح العام في ظل مجتمع واحد متعدد الثقافات والديانات وهذا مكسب نفتخر به ويميزنا عن غيرنا.. وتلخص هذه الكلمات الأجواء التي تعيشها هولندا حاليًا، وبالتحديد منذ اغتيال المخرج الهولندي فان جوخ المعروف بعدائه السافر للإسلام يوم ۲۰۰٤/۱۱/۲م على يد شاب مسلم مغربي بسبب انتقادات وجهها للمسلمين في أحد أفلامه والتي اتهمهم فيها بتشجيع العنف ضد النساء ومقالاته الصحفية والتلفازية المستفزة والمستهزئة بالقيم الإسلامية والمسلمين.
إن هذا الوضع خطير جدًا على تماسك المجتمع وترابطه؛ حيث أعقب واقعة الاغتيال موجة أعمال عدائية ضد المسلمين الذين يقدر عددهم نحو مليون ومائتين ألف نسمة، من بين ١٦ مليونًا هم عدد سكان البلاد الإجمالي، ودعوات للثأر وتشديد الخناق على المسلمين أو ترحيلهم، في حين هددت بعض الجماعات التي قدمت نفسها على أنها إسلامية في بيانات مجهولة المصدر نشرت عبر الإنترنت بالمضي في تنفيذ عمليات اغتيال ضد المتعصبين الهولنديين، وبضرب مصالح من تعدهم أعداء للإسلام المسلمين.
إن اختيار الملكة «التشدد»، موضوعًا رئيسًا لخطابها السنوي جاء على خلفية الأحداث العنصرية التي استهدفت المسلمين في أعقاب مقتل فان جوخ وما أعقبها من ردود أفعال متبادلة... رغم أن هذا الحديث لا ينسجم مع توجه الحكومة الحالية التي يقودها لفيف من الأحزاب اليمينية المتشددة والتي تعمل منذ توليها السلطة عام ٢٠٠٣م على تنفيذ برامج أقل ما يقال عنها أنها غير منصفة تجاه المسلمين....
هذه البرامج موجهة للإضرار بمصالح ومكتسبات الأقلية المسلمة؛ وهو ما يزكي في المقابل خطاب بعض الجماعات المتطرفة داخل الأقلية المسلمة، ويزيد من قدرتها على استقطاب المزيد من الشباب المسلم الذي ازدادت ظروفه صعوبة في السنوات الأخيرة.
«إن مضي الحكومة في تطبيق برامجها السياسية والتشريعية، سيعقد الأمور أكثر وسيجعل حياة الآلاف من أبناء الأقليات الأجنبية الذين يصل عددهم إلى المليونين أكثر تدهورا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي؛ وهو ما سيقوي من العوامل المساعدة على الانحراف سواء كان أخلاقيًا أو فكريًا..»
وبناء على مطالبات العديد من رموز اليمين المتطرف تدرس الحكومة اليمينية الحالية اتخاذ جملة من الإجراءات ضد مسلمي هولندا بدعوى منع التحريض على العنف أو الإرهاب منها: تشديد الرقابة على أنشطة المساجد والدروس التي تلقى فيها، بما في ذلك خطب الجمعة ومراجعة المناهج الدراسية المعتمدة في المدارس الإسلامية، وما يتعلق بمواد التربية الدينية والرقابة على منظمات العمل الخيري الإسلامي وتشديد شروط الحصول على تأشيرة الدخول إلى هولندا، أمام القادمين من الدول الإسلامية، خاصة الدعاة ووقف منح مزيد من التراخيص لبناء المساجد.
والأخطر من كل ذلك ما تنشره بكثافة وسائل الإعلام من اكتشافات سريعة وعديدة لأجهزة الأمن والمخابرات الهولندية عن أنشطة إرهابية؛ حيث أصبحت هولندا فجأة تصور على أنها تسبح في بحر من الإرهاب والتطرف الإسلاميين.!!
إن الظروف الصعبة التي تمر بها الجالية المسلمة في هولندا يجب أن تتعلم الأقلية المسلمة منها دروسًا؛ مثل عدم الانجراف وراء الاستفزازات الصادرة عن أطراف عنصرية غايتها جر المسلمين ودفعهم إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء؛ وذلك لتبرير مشاريع القوانين والإجراءات الظالمة التي يراد تمريرها.
يجب على كل الأقليات المسلمة إدراك أن مكاسب كثيرة قد تحققت للمسلمين خلال السنوات الماضية يجب المحافظة عليها، وأن الوقت الحالي يجب أن يكون فرصة للعقلاء من كل الأطياف السياسية والدينية للحوار والنقاش والتفاهم، خصوصًا في ظل وجود مؤشرات قوية تثبت أن أحزاب اليمين الحاكمة مصيرها إلى هزيمة محتمة في انتخابات ٢٠٠٦م، جراء فشلها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
مع العلم أن الحكومة الهولندية الحالية تتكون من ٣ أحزاب: الحزب المسيحي الديمقراطي، والحزب الليبرالي، وحزب الديمقراطيين. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم كبير لحزب العمال اليساري المعارض بفارق كبير وهو ما يعني أن اليساريين المعروفين بمواقف أكثر تعاطفًا مع الأجانب سيعودون إلى السلطة قريبًا وهذا ما تتنمـاه الأقلية المسلمة حاليًا.