العنوان دراسات في فقه الدعوة: السياسة الشرعية وضوابط العمل السياسي
الكاتب د.عصام البشير
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990
مشاهدات 72
نشر في العدد 949
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 09-يناير-1990
رأى الإمام ونائبه فيما لا نص فيه،
وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية
وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادة، والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات
إلى المعاني، وفي العاديات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد.
اشتملت هذه القاعدة على جملة أصول:
الأصل الأول: رأي الأمير أو من ينوب عنه، أو فيمن يوليه سواء كان في عقد إمارة
كبرى كالإمامة العامة خلافة المسلمين أو في الإمارة الصغرى، معتبر ومأخوذ به فيما
يلي ما لم يصادم قاعدة شرعية.
أ- في مسائل الاجتهاد التي لم ترد
بها نصوص.
ب- وفيما وردت به نصوص، لكنها ظنية
في دلالتها، للنظر فيها متسع، وللاجتهاد فيها تشجيع تحتمله قواعد الاستدلال
وتصاريف اللغة، ومدارك الاستنباط، فإذا مال إلى أحدها بعد استفراغ الوسع تعين
المصير إلى قوله والأخذ به.
ج- وفيما كان مندرجًا تحت قاعدة
المصالح المرسلة.
ولكن المصلحة محدودة بقواعد، ومحكومة
بأصول يتعين الأخذ بها حتى لا يتجاوز بها نصوص الشرع ومحكمات الدين.
وقبل الخوض في ضوابط المصلحة المرسلة
أشير إلى بعض القواعد التي تتصل بمسألة المصالح كي تتضح معالمها وتتكامل أبنيتها.
المسألة الأولى: إن مقصود الشريعة هو رعاية مصالح العباد عاجلًا وآجلًا، ودفع المفاسد
عنهم عاجلًا وآجلًا. قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، والرحمة تتضمن قطعًا رعاية مصالحهم ودرء
مفاسدهم. وقد استفاضت أقوال العلماء في الاستدلال لهذا الأصل أجزئ بعضًا منها:
- قال العز بن عبدالسلام:
«إن الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد أو جلب مصالح»(1).
-
وقال ابن تيمية «إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح
وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها»(2).
- وقال الشاطبي عن الشريعة
«إنها وضعت لمصالح العباد»(3).
- وقال ابن القيم «الشريعة
مبناها وأساسها على الحكم.
ومصالح العباد في المعاش والمعاد،
وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى
الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست
من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل»(4).
الثانية: إن معيار المصلحة وميزانها على الحقيقة هو الشرع. فما شهد له الشرع
بالفضل والصلاح فهو صالح، وما شهد له بالفساد فهو فاسد. يقول ابن تيمية «اعتبار
مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشرع»(5). كما أن الإنسان عاجز عن الاستقلال
بإدراك المصالح كلها فليس له من سبيل للتلبث بها إلا باتباع الوحي المنزل
والاستنارة بنوره والوقوف عند حدوده ومعالمه.
الثالثة: مصالح الدنيا معتبرة بمصالح الآخرة. يقول الشاطبي «المصالح المجتلبة
شرعًا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تمام الحياة الدنيا للحياة الأخرى،
لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية»(6).
ويقول في موضع آخر: «لا يصح اعتبار
مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشرع
فهو باطل»(7)، فالمطلوب أن تجعل الدنيا مطية للآخرة ومزرعة لها ووسيلة تفضي
إلى عقباها.. فقد أراد الله الدنيا خادمة للآخرة لا أن تكون مزاحمة لها.
أنواع المصالح:
أ- مصالح معتبرة: اعتبرها الشارع ورتب أحكامًا لتحقيقها. وهي المصالح والمقاصد التي دل
الاستقراء على أن الشريعة جاءت لرعايتها.
1-
وهما إما ضرورية لازمة في قيام الدين والدنيا وهي حفظ:
- الدين
كالإيمان والعبادات
- النفس
كالقصاص والديات
- العقل كحد شارب الخمر
- المال كالبيع والشراء
- النسل كالزواج
وأصول العبادات والعادات والمعاملات
والجنايات جاءت لحفظ هذه الضروريات.
2- الثانية: الحاجية، وهي التي يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الحرج، ودفع
المشقة. فشرعت لها الرخص عند المشقة، وشرع الطلاق من حياة زوجية لا تطاق ونحو ذلك.
3- الثالثة: التحسينية: وهي التي ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات-
كالطهارات للبدن والشوب وستر العورة وأخذ الزينة عند كل مسجد، إذ لا يخل فقدانها
بأمر ضروري ولكنها جرت مجرى التحسين والتزيين(8).
ب- مصالح ملغية: وتشمل سائر المصالح التي دل الشارع على أنها مصلحة ملغية، وصرح بعدم
اعتبارها، ونهى عن تحصيلها كمصلحة المرابي التي ألغيت بنصوص تحريم الربا.
ج- مصالح مرسلة: وهي المصالح التي لم يرد في الشرع على أنها معتبرة ولا على أنها
ملغية. بل سكتت عنها النصوص. وقد أخذ بها كثير من العلماء ومن أمثلتها جمع القرآن
في مصحف واحد في عهد أبي بكر- وجمع عثمان القرآن وحرق المصاحف القديمة وإلزام
الناس بقراءة واحدة.
وتدوين الدواوين واتخاذ الصحابة
السجون وقتل الجماعة بالواحد وتضمين الصناع ما يهلك بأيديهم من أموال الناس، وحق
ولي الأمر في فرائض الضرائب على الأغنياء عند الضرورة ونحو ذلك.
وهي مصدر فقهي دل على اعتباره
استقراء النصوص، وأحكام الكتاب والسنة وعمل فقهاء الصحابة. فالحوادث متجددة،
والنصوص متناهية والتجارب في اضطراد وهي بذلك مهيع متسع لما يجد من أقضية ويطرأ من
أحوال.
ضوابط العمل بها:
1- ألا تعارض نصًا قطعيًا
من الكتاب أو قطعيًا من صحيح السنة أو اجماعيًا متيقنًا، أو قياسًا ظاهرًا.
2- أن تكون كلية لا جزئية.
3- أن يغلب على الظن تحققها
«حقيقة لا توهمًا».
4- أن تكون مندرجة في مقاصد
الشرع- «الضرورية أو الحاجية أو التحسينية».
5- ألا تفوت مصلحة أعظم
منها، أو تؤدي إلى مفسدة أكبر منها.
هذا وجه
من وجوه المصالح المرسلة، وهناك وجه آخر من وجوه المصالح يؤخذ بها وإن صادفت نصًا
إذ يكون تحصيلها من باب الضرورة. واعتبر الفقهاء هذا النوع من المصالح المرسلة إذا
تحققت فيه الشروط التالية:
1- الكلية لا الجزئية
2-
غلبة الظن الراجح.
3- نشوء ضرر من تطبيق الحكم
الأصلي.
4- ألا نتجاوز في مخالفة
الحكم بالقدر اللازم لدرء الضرر. فمتى زال الضرر يجب التوقف وإنفاذ الحكم الأصلي.
لأن الحكم الشرعي أصل، واتباع المصلحة عند الضرورة استثناء ومثال هذا النوع من
الاتباع المصلحي هو ما مثله الغزالي وابن تيمية من قتال الكفار المتترسين بأسرى المسلمين
يعمدون على الإغارة على بيضة المسلمين فينهبون ويقتلون ثم يتحصنون بحصونهم
ويتذرعون بأطفالهم وشيوخهم. فكان الجواب بجواز قتل المسلمين المتترس بهم مع أن
قتلهم حرام، ولكن تركهم يؤدي إلى قتل عدد أكبر من المسلمين بيد الكفار فتعين هذا
الطريق للوصول إليهم حماية لأرض الإسلام وتدميًرا لحصون الكفر.
وبهذه الشروط يكون قد اتضح الظرف
الذي تعطي فيه الحركة الإسلامية حق اللجوء إلى اتباع مصلحي يخالف حكمًا منصوصًا
عليه.
ثم إن المسائل السياسية التي تتصل
بعقد الأحلاف وإجراء الانتخابات ودخول المجالس النيابية ونحوها مندرجة في قاعدة
المصالح المرسلة والسياسة الشرعية التي تنبثق من أصول الشريعة العامة وقواعدها
الكلية ومقاصدها التشريعية.
الأصل الثاني: رعاية الأعراف
والعادات:
أساس اعتبار الأعراف السليمة
والعادات الصحيحة راجع إلى رعاية مصالح الناس ودفع المشقة ورفع الحرج عنهم، سواء
كانت تلك الأعراف معدودة في المقاصد بالنسبة لتصرفاتهم أو معدودة في الوسائل
والأسباب. فالشريعة أقرت جملة من الأحكام التي قد تعارف عليها العرب في الجاهلية
كفرض الدية على العاقلة، وإقرار بعض المعاملات كالمضاربة، واشتراط الكفاءة في
الزواج، وكسوة الكعبة ونحو ذلك مما كان محمودًا في الجاهلية ومتفقًا مع محاسن
العوائد ومكارم الأخلاق. وكذلك ما كان معتبًرا في الوسائل کأساليب التعبير
والتعامل كتعارف التجار على إثبات الديون في دفاترهم الخاصة من غير إشهاد(9). وكتعارفهم
على البيع بالتعاطي دون استعمال الصيغة اللفظية في البيع وغير ذلك مما يصطلح عليه
الناس في معاملاتهم وأحوالهم الاجتماعية. وفي مثل هذا قال الفقهاء «المعروف عرفًا
كالمشروط شرطًا» فإذا ثبت أن مثل هذه العوائد والأعراف لا تبطل نصًا شرعيًا، ولا تهدر
مصلحة راجحة للأمة أو تجر مفسدة فهي جائزة ومعتبرة.
الأصل الثالث: تغير الحكم المصلحي بتغير الظروف والأحوال والعوائد والأعراف.
يقول الدكتور الزرقا: «من المقرر في
الأحكام الشرعية نوعان»:
1- نوع جاءت الشريعة
لتثبيته وتوطيده بالنصوص الصريحة المحكمة وهذا القسم ثابت عبر الأجيال والأزمان
ثبوت الجبال الراسيات لا يعتريه تبديل.
2- النوع الثاني: هي
الأحكام الاجتهادية التي يكون مصدرها قياس أو عرف أو مصلحة سكتت عنها النصوص أو
عادة لم ينشئها حكم شرعي. فهذا النوع تجري عليه قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير
الزمان» فيمكن أن يتبدل فيه الحكم نظرًا لظهور أحوال تغيرت فيها الأعراف وتبدلت
فيها المصالح.
يقول الشاطبي: «العوائد المستمرة
مزيتان»:
إحداهما: العوائد الشرعية التي أقرها
الدليل الشرعي أو نفاها ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا أو نهى
عنها كراهة أو تحريمًا، أو أذن فيها فعلًا وتركًا.
والثانية: هي العوائد الجارية بين
الخلق بما ليس في نفيه وإثباته دليل شرعي.
فأما الأول فثابت أبدًا كسائر الأمور
الشرعية فهي إما حسنة عند الشارع أو قبيحة. فإنها من جملة الأمور الداخلة في أحكام
الشرع فلا تبديل لها. فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا(10).
أما الثانية عند الشاطبي فهي العوائد
المتبدلة التي لم تنشئها الشريعة أصلًا، ولم تتعرض لها بمدح ولا ذم فهذه هي التي
يؤثر تغيرها في أحكامها الشرعية(11).
___________
(1) قواعد الأحكام ۹/۱
(2) منهاج السنة
٢٤٠/٢٠١٤٧/١
(3) الموافقات ٣٧٠٦/٢
(4) أعلام الموقعين ۱/۳
(5) الفتاوى ۱۲۹/۲۸
(6) الموافقات ٣٨٤/٢
(7) المصدر السابق
بتصرف ۳۸۷/۲
(8) انظر رسالة البوطي في
ضوابط المصلحة
(9) انظر المدخل إلى
الشريعة د. زيدان. ص ٠٢٠٥ ٢٠٧
(10،
11) الموافقات ۲۸۳/۲- ۲۸۰.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل