العنوان «ما ظننتم أن يخرجوا»!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989
مشاهدات 77
نشر في العدد 905
نشر في الصفحة 4
السبت 18-فبراير-1989
تناقلت وكالات الأنباء قيام القوات الروسية بالأنسحاب من أفغانستان... بدأ الأنسحاب من كابل... وبدأ إخلاء أكبر القواعد العسكرية في شندند، والتي تضم صواريخ بعيدة المدى، وطيارات لا تحتاج للوصول إلى الخليج أكثر من خمسة عشرة دقيقة!! بعد أن أصبحت أفغانستان حقيقة لا وهما، مقبرة للروس مثلما كانت يومًا ما مقبرة للأنجليز؟! فماذا حدث؟! وكيف حقق الله النصر على أيدي القلة المؤمنة التغلب الكثرة الباغية؟!
•لماذا خرج الروس من أفغانستان؟
نعم لماذا خرج الروس من أفغانستان؟... لا شك أبتداء أن ثقة المجاهدين بنصر الله، وثباتهم على المبدأ وأتخاذهم الأسباب ومقدرتهم على مواصلة الجهاد بالإضافة إلى إيمان القيادة العميق وحكمتها النافذة وألتحامها بصفوف القاعدة المجاهدة كان من أهم الأسباب التي جعلت أفغانستان مقبرة للروس... والتي أجبرت الغازين على جر أذيال الهزيمة.... بالإضافة إلى أن تلك الخسائر التي منيت بها القوات الروسية لم تكن بالحسبان.... فهي خسارة فادحة على مستوى الأرواح والعتاد «۳۰ ألف جندي روسي على أقل تقدير.... سقوط حوالي ۲۰۰۰ طائرة عسكرية مقاتلة تقدر قيمتها بحوالي بليونين ونصف البليون دولار.... عشرات الآلاف من الجرحي والمعاقين... خسائر مادية تزيد عن ميزانية 5 جمهوريات سوفياتية سنويًا وغير ذلك».... لقد أنتصر أخيرًا الإسلام على الشيوعية...
•الصراع بين إيديولوجيتين:
لم تكن الحرب الدائرة في أفغانستان حربًا قومية بل ما فكر المجاهدون يومًا أن يقفوا أمام أكبر دولة في العالم بشعارات قومية... لقد كان الإسلام هو شعارهم... وكانت أفغانستان كدولة مسلمة هي غايتهم... لهذا كان الصراع وما يزال صراعًا بين الحق والباطل... بين الإسلام والجاهلية.... بين الإيمان والألحاد بين الحرية والأستبداد.... بين الدعوات الوضعية اللاإنسانية وبين الدعوة الربانية... كان الأفغاني يحارب وهو المعروف بشجاعته وجرأته، ليموت شهيدًا .... وكان الروسي يحارب وهو خائف لأنه كان يحس في أعماقه أنه لا يدافع عن مبدأ... كان يحس أنه سيموت ليخلف وراءه مجتمعًا تعيش النخبة فيه والتي لا تتجاوز ٢% حياة الترف على حساب ۹۸% من العمال والشغيلة الذين يلفهم البؤس المغلف بشعارات براقة!!... نعم كان الصراع بين إيديولوجية تزرع الحق والعدل... وتحمل رسالة إنسانية ربانية إلى العالم... وبين شيوعية ماكرة خادعة ما أطعمت حقًا شعبها من جوع... وما أمنتهم من خوف فكيف لها أن تطعم الآخرين وتؤمنهم!!
مفارقة: المجاهدون والقوات السوفياتية
يعجب المرء عندما يريد أن يجري مقارنة بين قوة المجاهدين العسكرية وبين القوات السوفياتية!! فالمجاهدون مجموعة من الرجال لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يرقوا عدة أو عددًا إلى واحد بالألف من القدرات العسكرية لدول كبرى مثل الاتحاد السوفياتي الذي يملك من الأسلحة التكنولوجية الثقيلة والكيماوية ومن أسلحة الفضاء والبر والبحر والجو ما لا يقدر المرء على حسابه ... ومع ذلك تتوالى انتصارات المجاهدين في المعارك ... يتحقق النصر بقلة من المجاهدين المؤمنين لا يمتلكون
السلاح الذي تمتلكه تلك الدولة الكبرى ...!! ولا القواعد العسكرية الضاربة... نعم يتحقق النصر لأن الله وعد المخلصين بالنصر وإن كانوا قلة ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
الموقف العربي والإسلامي والدولي:
رغم أن المجاهدين الأفغان لم يتلقوا الدعم الكامل من العديد من الدول العربية والإسلامية خاصة ومن المجتمع الدولي عامة نظرًا لظروف دولية معينة، ونظرًا لمجاملات السياسة الدولية التي تجعل حق الضعيف يضيع مع قوة القوي.. رغم ذلك فإن نبأ انسحاب القوات الروسية من كابول ومن القواعد العسكرية قد كانت له أصداء واسعة عربيًا وإسلاميًا ودوليًا... إن العالم العربي والعالم الإسلامي والمجتمع الدولي مطالبون جميعًا بالتكاتف مع المجاهدين الأفغان والعمل على دعم مسيرته الزاحفة لاستلام السلطة في كابول وإقامة دولة إسلامية تلم الشمل وترد الحقوق وتعمل على تنمية أفغانستان وبنائها من جديد.. فالنصر ليس إلا بداية الطريق...
المشوار طويل أمام المجاهدين:
وأمام المجاهدين مشوار طويل.. فانسحاب الروس ليس هو نهاية المأساة.. وليس هو نهاية الحل.. إنه البداية فقط .... وما على المجاهدين الأفغان قيادة وقاعدة سوى الاستفادة من تجارب التاريخ ومحاولة العمل على جمع الشمل والتعاون والتلاحم من أجل إتمام المسيرة التي تتمثل أولًا في إسقاط الحكومة الشيوعية في كابول للقضاء على كل نفوذ شيوعي في أفغانستان وثانيًا في استمرار مسيرة التلاحم فيما بين المجاهدين حتى لا يخدعهم بريق السلطة، وحتى لا يدخل بينهم شيطان ينزغ بينهم!!! وحتى تكون أفغانستان دولة إسلامية تتحقق فيها كل معاني الحرية والتحرر والعدالة والمساواة والتعاون والتكافل!!!
مستقبل أفغانستان وبناؤها:
وبعد أن خرج الروس نهائيًا من أفغانستان ويسقط الحكم الشيوعي إلى غير رجعة أبدًا بإذن الله، وإذا تعاون المجاهدون لإيجاد مناخ سياسي سليم ونظيف يحترم الرأي والرأي الآخر، فإن مستقبل أفغانستان سيكون مضمونًا بإذن الله.
مستقبل أفغانستان مرهون بالتعاون لتحقيق التنمية الشاملة... التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والصحية والإعلامية... وهذا يعني أن من كافة الدول الإسلامية أن تتعاون مع أفغانستان المسلمة كي يكون مستقبلًا مزدهرًا.
درس أفغاني للعالم وللشعوب:
وتبقى أفغانستان درسًا للمستعمرين... تبقى درسًا للغزاة فهي مقبرة للغزاة... مقبرة لرجالهم.... ومقبرة لأسلحتهم ومقبرة لأفكارهم.... ومقبرة لمن يتعاون معهم!!
وتبقى أفغانستان درسًا للشعوب المظلومة المضطهدة في كل مكان تؤكد لهم أنه بالإيمان بالله وبالإخلاص وبالشجاعة والجرأة يمكن أن يتحقق النصر... وتبقى أفغانستان أيضًا درسًا للعالم أجمع... فالأفغاني المسلم القوي الشجاع جدير أن يحمل
درسه إلى العالم!!!