العنوان الوجود الأمريكي في المنطقة .. بين ضمان المصالح وردة الفعل الرافضة
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 54
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 02-مارس-1999
- هل تواجه دول المنطقة ظاهرة انحلال الدولة القطرية؟
- تحذير من عزلة دبلوماسية لأمريكا بسبب سياستها تجاه إيران.
صدر مؤخرًا عن معهد الدفاع الإستراتيجي بواشنطن تقرير شامل يحدد أهم التحديات الأمنية والإستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة وتهدد مصالحها في الشرق الأوسط وأهمية أن تصوغ واشنطن سياستها الخارجية والعسكرية مستقبلًا بما يتناسب ومواجهة هذه التحديات ابتداء من العام الحالي، ويقول التقرير الذي جاء في 16 صفحة على أن المنطقة تعاني من حالات لا استقرار وبؤر توتر متنوعة تهدد مصالح أمريكا منها:
- الصراع بين العرب وإسرائيل والتوتر القائم بين إيران والعراق، وبين العراق والكويت.
- الاقتتال الداخلي بين الفصائل الأفغانية والحرب في جنوب السودان، والصراع الدائر بين الفصائل الكردية وكلًا من تركيا، والعراق.
- وجود خمسة دول «مصدرة للإرهاب» هي إيران، والسعودية، والعراق، وليبيا، وسورية، على حد تصنيف التقرير.
- صراعات قومية ودينية مثل القائمة في الجزائر وفلسطين.
ويحدد المعهد الذي يعتبر أحد أهم مراكز التفكير في الولايات المتحدة في مستهل تقريره أهم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط مشيرًا إلى أنها:
- أولًا:
ضمان تدفق النفط من الخليج بحيث تخدم حاجات السوق بصور متنوعة بصرف النظر عن طبيعة الوضع السياسي الذي يميز دول الإقليم.
- ثانيًّا:
ردع كلٍّ من إيران، والعراق، حيث مساعي إيران الحثيثة لتصدير ثورتها لدول الجيران المحافظة، وإحداث قلاقل داخلية بعضها، أما صدام فإنه قد افتعل حربًا مع إيران دامت لثماني سنوات، وقام بالاعتداء على الكويت وقد يكرر اعتدائه مستقبلًا فيما لو سمحت له الظروف.
ويضيف التقرير أنه في الوقت الذي يشكل امتلاك كل من العراق، وإيران أسلحة الدمار الشامل خطورة على أمن المنطقة، فإنه في الوقت نفسه يشكل ورقة «إيجابية» قوية بيد إسرائيل لضمان أمنها.
- ثالثًا:
تحقيق سلام عربي- إسرائيلي ولا سيما أن إسرائيل- بالإضافة إلى تركيا- هي الحليف القوي الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة لأسباب تاريخية وإستراتيجية يحتم على واشنطن أن تكون مسؤولة عن أمن الدولة العبرية.
- رابعًا:
منع تدهور وانحلال الدولة القطرية في العالم العربي كما حدث لأفغانستان لأن ذلك قد يؤدي لقلاقل أمنية غير منحصرة في إطار دول المنطقة، كما حدث في الجزائر وانسكاب ذلك داخل أوروبا.
ويوضح التقرير في هذا السياق بأن أهم ما يهدد وجود الدولة في الشرق الأوسط هو التيار الإسلامي «المتشدد» الذي يستعين بالدين في استعمال وسائل عنيفة للتعبير عن رأيه، وفيما يؤكد أن أمريكا ليس لديها مشكلة مع الدين الإسلامي في صورته المجردة، إلا أنه يتوجب عليها أن تضغط على حكومات المنطقة بعدم التمييز بين المواطنين بحسب معتقداتهم الدينية وأفكارهم السياسية.
إيران والعراق
ويصف تقرير المعهد سياسة الولايات المتحدة فيما يعرف بـ «الاحتواء المزدوج» تجاه العراق، وإيران بالفشل نسبيًّا حيث لم تؤت ثماره المرجوة في تغيير سلوك النظامين، فصدام لا يزال في السلطة متسربلًا وراء جهازه الأمني القوي برغم الغارات الأمريكية- البريطانية ودعم واشنطن لفصائل المعارضة العراقية بالمال والسلاح، ويعترف بأن نوايا صدام ليست واضحة حتى الآن سيما فيما يتعلق بموقفه من الكويت الذي يطمح لغزوها مرة أخرى لو أتاحت له الظروف، أما فيما يخص إيران، فيستبعد المعهد أن يتأكل النظام الجمهوري لقدرته على التأقلم مع مطالب التيارات الداخلية التي تعبر عن نفسها من خلال الانتخابات داخل الإطار العام للثورة، إلا أن الجمهورية الإسلامية قد تتعرض للتآكل الاقتصادي في ظل تقلص تدفق النفط بموازاة تنامي حجم الاستهلاك المحلي، حيث ترجح بعض الإحصاءات أن تتوقف إيران عن قدرتها في من تصدير النفط للخارج بعد 15 إلى 25 سنة من الآن، وعلى مستوى السياسة الخارجية فإنها تتعرض هي الأخرى للاستقطاب بين تيار الرئيس المعتدل خاتمي الذي يسعى للانفتاح على الغرب، سيما الولايات المتحدة، وبين تيار التشدد الذي يقوده مرشد الثورة آية الله خامنئي.
ويحذر التقرير الولايات المتحدة من أن تسفر سياستها مع إيران عن العزلة الدبلوماسية وخاصة أن دولًا مثل روسيا والصين لها علاقات تجارية حسنة مع إيران، كما أنه بالرغم من أن دول الخليج تعتبرها تمثل خطرًا على أمنها الإقليمي إلا أنها تحبذ حوارًا معها، ولذا يتوجب على واشنطن ألا تبدو أمام حليفاتها، خاصة من دول الاتحاد الأوروبي وكأنها تقف حجر عثرة أمام الحوار مع تيار الاعتدال الإيراني.
الحركات الإسلامية المتشددة
ويعتبرها التقرير من أهم ما يهدد مصالح أمريكا في المنطقة، وتشمل معظم التيارات الإسلامية تقريبًا بما فيها حزب الرفاه المعتدل بقيادة رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان، ويشير إلى أن تنامي التيار الإسلامي أصبح سمة تميز المنطقة سيما بين صفوف الجيل الجديد، وأن السبب في ذلك يعود لتزايد البطالة وانخفاض أسعار البترول وعدم وجود بدائل عنه، سيما مع تزايد عدد السكان في الخليج بنسبة 3 ملايين كل عام، ووصول العدد الحالي للضعف في العشرين سنة القادمة، ويضيف أن الهدف الرئيس للولايات المتحدة في العقد القادم هو أن تبرهن بأن لديها القوة الكافية لردع أي تهديد يواجهها، بما في ذلك تهديدات الدول «المتمردة» سورية، وليبيا والسودان، والعراق، وإيران، وهذا سيتطلب وجودًا أمريكيًّا واضحًا في المنطقة إذا كانت واشنطن تطمح لحماية تدفق النفط من الخليج، لكن في الوقت نفسه يتوجب على الولايات المتحدة أن تصل لسياسة من الوفاق مع حليفاتها من الدول الأوروبية على الصيغة المثلى لمواجهة تحديات الأنظمة المتمردة مثل إيران، والعراق، وعلى مستوى الدولة العبرية، وعملية السلام، فإن أمريكا- يضيف التقرير- يجب أن تعتبر إسرائيل أحد أهم أذرعتها العسكرية في المنطقة، وبالتالي تزودها بأحدث آليتها العسكرية والتكنولوجية من خلال المنح والمساعدات الخاصة.
إستراتيجية رئيسة
ويؤكد أن الحفاظ على أمن واستقرار الخليج يظل الإستراتيجية الرئيسة بالنسبة للولايات المتحدة حيث سعت أمريكا للحفاظ على أمن المنطقة بطريق غير مباشر منذ انسحاب البريطانيين سنة 1971 م، تارة عبر المراهنة على القوة الإقليمية لإيران ثم تحقيق نوع من توازن القوى بين كل من إيران والعراق، ولم تسفر هاتين الإستراتيجيتين عن نجاح، مما لن يترك أمام أمريكا الخيار سوى التدخل المباشر لإدارة الاستقرار في الإقليم، والسبيل إلى ذلك هو أن تثبت أمريكا قدرتها على ردع أي هجوم بري يشنه العراق، أو بحري تشنه إيران على الخليج، أما فيما يتعلق بالقلاقل الداخلية داخل الخليج نفسه، كما يحدث في البحرين، فإنه من المستبعد أن تقوم أمريكا بالتدخل في تلك القضايا بشكل مباشر.
ويعترف التقرير بصعوبة الموازنة بين أن يكون لدى الولايات المتحدة وجود عسكري بكثافة واضحة في المنطقة، وبين أن تؤدي هذه الكثافة لنوع من ردة الفعل والاستفزاز عند من أطلق عليهم «المحافظون» من التيارات الشعبية الموجودة في الخليج في إشارة غير مباشرة للإسلاميين والقوميين، فهناك قلق من البصمة الاجتماعية والفكرية التي ستتركها أمريكا في ذهن وسلوك الشباب الخليجي وعلى رأسها ما يسمى بــ «ثقافة الاستهلاك» ويضيف أن تاريخ الشرق الأوسط يدل على وجود تلك الحساسية المفرطة تجاه التواجد العسكري الغربي، حيث أدى حلف بغداد في عام 1955 م، على سبيل المثال، لاندلاع ثورة أطاحت بالحكم في العراق، وأسفرت معاهدة أبرمها شاه إيران مع أمريكا في عام 1963 م عن مظاهرات دموية ملأت شوارع طهران، وكان أوضح مثال على تلك الحساسية اندلاع الثورة في إيران في عام 1979 م أثناء وجود 50 ألف عسكري أمريكي في إيران وإنطباع شعبي قوي بأن الشاه «صار دمية في يد أمريكا» ويضيف أن المصالح الأمريكية ستتضرر حتمًا فيما لو أسفر وجود الأمريكيين في الخليج عن النتائج نفسها، مشيرًا إلى أن الوجود الأمريكي يحتاج لقدرات ردع متطورة تعتمد على الآليات الحديثة وسرعة الانتشار أكثر من اعتمادها على التواجد الفعلي للقوات العسكرية الأمريكية على البر والبحر.
ویرى التقرير أن القوات العسكرية الخليجية قادرة، فيما لو استغلت آلياتها الدفاعية بجدارة، على تكوين جبهة دفاعية «مؤقتة» إلى حين وصول القوات الأمريكية واستكمال مهمة الدفاع، كما يرجح أن تنضم إلى جبهات الدفاع عن الخليج أيضًا قوى إقليمية أخرى مثل مصر التي يمكنها أن تقدم دعمًا سياسيًّا بالإضافة للدعم العسكري، وسورية بصورة محدودة، للتوتر القائم بينها وبين الولايات المتحدة، وتركيا من حيث توفير قواعدها الجوية لانطلاق الطائرات الأمريكية باتجاه بغداد أو طهران، وأخيرًا إسرائيل وإن كان هذا مستبعدًا لعدم وجود تدريبات عسكرية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة في السابق.
حماية المصالح
ويؤكد التقرير على أن القوة العسكرية هي أهم ما يمكن أن تقوم من خلاله أمريكا بحماية مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، وهي قائمة من جانب على تفعيل قبضة الحصار على كل من العراق وإيران، واستمرارية تقديم المساعدات لكل من مصر وإسرائيل، وذلك غير ما تقدمه أمريكا من مساعدات للسلطة الفلسطينية نظير تعاونها غير المشروط مع الكيان الإسرائيلي، ويضيف أن هناك احتمالًا أن تنضم سورية للدول المستحقة للمساعدات الأمريكية إذا قامت دمشق بتوقيع معاهدة مع إسرائيل.
وعسكريًّا أيضًا فإن أمريكا قد تفكر مستقبلًا في صياغة سياسة تتحكم بانتشار الأسلحة التقليدية في الخليج، شبيهة بالاتفاقية الموجودة بين الدول الأوروبية «تحد هذه الاتفاقية من عدد الأسلحة المهمة، وتضع قيودًا على حجم التواجد العسكري في مناطق قريبة من الحدود المشتركة، وتطالب الدولة العضو بالإفصاح عن نوايا إجراء تدريبات عسكرية مسبقًا، وتسمح لهيئة دولية أن تراقب التدريبات العسكرية الكبرى» وتسعى الولايات المتحدة لتطبيق هذه السياسة مع كل من إيران والعراق، وتضعهما شرطًا لتخفيف القيود الاقتصادية عنهما في المستقبل، وقد تقوم أمريكا أيضًا بدعم مساعي العراق لتصدير نفطه للخارج، مقابل تقليص قواته العسكرية بالقرب من مناطق الحدود مع الكويت.
10- مليار دولار
ويضيف التقرير أن شراء ونقل الأسلحة الثقيلة للخليج يكلف دول مجلس التعاون حوالي 10 بلايين دولار في السنة، ومعظم هذه الأسلحة غير مستغلة الاستغلال المناسب، مشيرًا إلى أن أمريكا لا تستطيع التأثير على قرارات الدول الخليجية في الشراء من عدمه، لتصميمها على الشراء سواء من الولايات المتحدة أو من أي مصدر عسكري آخر، وهذا ما يحفز الولايات المتحدة لترويج بضائعها العسكرية، ويستفز الرأي العام الخليجي للاعتقاد بأن أمريكا تريد تحقيق الكسب المادي أكثر مما تريد تفعيل الآلية العسكرية الخليجية نفسها، ولجانب ذلك فلا زالت سبل التعاون العسكري المشترك بين القوى الإقليمية في المنطقة غير مؤكدة أولًا بين الولايات المتحدة ودول الخليج حيث هناك شك خليجي في جدوى القيام بتدريبات عسكرية مشتركة لفترة طويلة، وثانيًا بين مصر وإسرائيل إذ بالرغم من وجود معاهدة صلح بين البلدين، فإن العلاقات العسكرية محدودة، على عكس العلاقات العسكرية بين الأردن وإسرائيل، ثالثًا: التحالف التركي- الإسرائيلي الذي أبرم في نوفمبر 1996 م وأسفر عن قلق إيران، والعراق، وسورية، وفي مناطق أخرى من الشرق الأوسط لا توجد للولايات المتحدة الهيمنة نفسها كما هو الحال في الصراع الدائر بين الجيش والإسلاميين في الجزائر.
ويختتم التقرير بالقول إن أمريكا ستظل تبيع الأسلحة للشرق الأوسط وعلى رأسها دول الخليج ومصر وإسرائيل مع حرصها على إبقاء إسرائيل متفوقة عسكريًّا على بقية جيرانها العرب، وستقوم بعمل تدريبات عسكرية مشتركة مع دول خليجية معينة، وتدريبات عسكرية أخرى ضمن التحالف التركي- الإسرائيلي، ومن المقرر أن تقلص أمريكا وجودها في الخليج في المرحلة المقبلة لما تحت 25 ألف جندي أمريكي للمحافظة على مصالحها الإستراتيجية لكن من غير استفزاز للقوى المحلية في المنطقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل