; مؤتمر تسوية جديد.. مع استمرار حرب شارون؟! | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر تسوية جديد.. مع استمرار حرب شارون؟!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002

مشاهدات 65

نشر في العدد 1500

نشر في الصفحة 24

السبت 11-مايو-2002

● وتيرة التسوية تتزايد في ظل الخلل في ميزان القوة لصالح الاحتلال بعد انهيار مؤسسات السلطة.. وهو خلل يعززه الموقف الأمريكي الداعم للاحتلال والموقف العربي الصامت

انتهى الحصار المفروض على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وخرج من محبسه في مقره برام الله دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على إمكانية توقف العدوان الصهيوني على مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. فعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق بين السلطة والاحتلال برعاية أمريكية- بريطانية تم بموجبه إيداع أربعة محكومين من أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أحد سجون السلطة بأريحا تحت حراسة أمريكية – بريطانية بعد أن «أدانتهم» محكمة السلطة باغتيال وزير السياحة الصهيوني رحبعام زئيفي، إضافة إلى حبس أمين عام الجبهة أحمد سعادات ومسؤول الجهاز المالي في السلطة فؤاد الشوبكي في السجن نفسه وتحت الحراسة نفسها، فإن الأوضاع في الأراضي المحتلة ظلت على ما هي عليه من الاجتياحات والاحتلال والتدمير والاعتقالات والاغتيالات.

 إن إشارة سريعة إلى حجم الخسائر الفلسطينية من عملية السور الواقي التي بدأها شارون في ٢٩ مارس الماضي باجتياح رام الله ومحاصرة مقر عرفات ثم اجتياح مخيم جنين ومدينة نابلس وعدد من المناطق الأخرى في الضفة تظهر مقدار الحقد الصهيوني لقد أدت العملية إلى. استشهاد أكثر من ٥٠٠ فلسطيني معظمهم. في مخيم جنين ومدينتي نابلس ورام الله ثم دفن عدد كبير منهم في قبور جماعية وفي باحات المستشفيات التي لم تتسع ثلاجاتها لحفظ الجثث بسبب العدد الكبير.

إصابة عدد كبير غير محدد من الفلسطينيين لم يتمكن غالبيتهم من الوصول إلى المستشفيات أو تلقي أي نوع من العلاج.

- اعتقال أكثر من عشرة آلاف فلسطيني مازال أكثر من نصفهم يتعرضون لشتى صنوف التعذيب والإذلال. 

-تدمير المئات من البيوت والمحلات التجارية بعضها على رؤوس أصحابها المدنيين بالجرافات أو الدبابات أو القصف الصاروخي، وقد أحصت منظمات دولية تدمير أكثر من ۸۰۰ منزل في مخيم جنين وحده. 

- تخريب وجرف البنى التحتية كخدمات المياه والكهرباء والهاتف والشوارع، إضافة إلى مباني حكومية أجهزة السلطة الأمنية والمدنية التي لحق الخراب غالبيتها.

- تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع مساحات كبيرة من الأشجار المثمرة التي تعتبر مصدر دخل لأصحابها.

-إغلاق المدن والمناطق الفلسطينية وحظر الإعطاء التجول لأسابيع وفي بعض الأحيان لا يرفع حتى الحظر إلا ساعة أو ساعتين في اليوم وهو ما كان يمثل تضييقاً على حياة الناس وخلق مآسٍ اجتماعية وصحية واقتصادية كثيرة.

-منع الموظفين من الوصول إلى أعمالهم والطلاب إلى مدارسهم.

الخسائر المادية التي خلفتها الجرائم الصهيونية خلال عمليات الاجتياح والتوغل والحصار فاقت أكثر من بليوني دولار حسب بعض التقديرات وإن كان الاجتماع الرباعي الدولي قدر حاجة السلطة والمناطق الفلسطينية إلى ٨٠٠ مليون دولار كمعونة عاجلة، فالدمار الذي لحق بالمباني والأراضي لم يتم حصره وتقديره إذ إن جيش الاحتلال ما زال يمارس بربرتيه وهمجيته. 

لجنة تقصي الحقائق

وعلى صعيد لجنة تقصي الحقائق في المذابح التي ارتكبها جيش الاحتلال في مخيم جنين أوائل الشهر الماضي، كان لقرار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حل اللجنة وقع الصاعقة على الفلسطينيين الذين استبشروا خيراً عندما قرر مجلس الأمن الدولي وبالإجماع تشكيلها وإيفادها إلى الأراضي المحتلة، وقد برر عنان قراره هذا بالشروط الكثيرة التي وضعتها حكومة شارون أمام اللجنة.

 وكان وزير الخارجية الصهيوني شمعون بيريز قد أعلن أن حكومته قدمت سنة مطالب للجنة من ضمنها حق إسرائيل، بتحديد أسماء المسؤولين في والعسكريين الذين ستجري اللجنة مقابلات معهم «وليس استجوابهم»، كما أنها طالبت بضمانات لإعطاء حصانة لمن يستدعون للشهادة أمام اللجنة الرغم حتى لا تتم إحالتهم إلى محاكم دولية في حال ثبوت تورطهم في عمليات قتل داخل المخيم.

ولاقى قرار حلّ اللجنة انتقادات من الوفود العربية في الأمم المتحدة التي تخلت عن دعوة مجلس الأمن للانعقاد مرة أخرى لتوجيه لوم أو انتقاد لتل أبيب بسبب موقفها من بعثة تقصي الحقائق أعضاء مجلس الأمن كانوا قدْ أبدو فتوراً تجاه بحث المسألة من جديد وهو ما يمكن أن يعزز الحديث الذي يدور عن صفقة تمت بشأن تجاهل موضوع اللجنة مقابل رفع الحصار عن مقر الرئيس الفلسطيني بالشكل الذي جرى وبدلاً من إثارة الموضوع ثانية في مجلس الأمن قررت الوفود العربية دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لاجتماع طاري!

 ولا بدّ من الإشارة إلى التراجع في المواقف الدولية من الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال في مخيم جنين فدول الاتحاد الأوروبي لم تعد متحمسة كما كانت للتحقيق في المجازر، وقد انعكس ذلك في مواقفها داخل مجلس الأمن وفي التصريحات العلنية التي يطلقها المسؤولون الأوروبيون أما الولايات المتحدة فقد هددت باستخدام الفيتو في حال تقديم مشروع قرار يدين إسرائيل بسبب مواقفها من بعثة الأمم المتحدة، على الرغم من أنها وافقت على تشكيلها ابتداءً (!)

 وأمام غياب تحقيق دولي رسمي فيما جرى في مخيم جنين يبدو أنه لم يبق أمام الفلسطينيين سوى التعويل على تقارير منظمات دولية غير حكومية أوفدت مندوبيها للمخيم المنكوب، وعلى الرغم من ذلك فإن المؤشرات غير مشجعة في هذا المضمار، إذ أعلنت منظمة العفو الدولية «أمنستي» عزمها إجراء تحقيق متوازن، من خلال التحقيق في أعمال القتل التي ارتكبها جنود الاحتلال في مخيم جنين، وكذلك في الهجمات التي شنها فلسطينيون ضد مستوطنات يهودية ومستوطنين في الضفة الغربية، أي أن المنظمة ساوت بين الضحية والجلاد كما رفض الميجر ديفيد هولي المستشار العسكري في المنظمة «المزاعم الفلسطينية»، عن وقوع مذبحة في المخيم، وتوقع «عدم العثور على دليل يدعم تلك المزاعم» (!) 

كما أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية تقريراً امتدحته ماري روبنسون مفوضة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وتزعم المنظمة في تقريرها أنها لم تعثر على دليل واحد يؤيد «مزاعم» الفلسطينيين عن قيام قوات الاحتلال بارتكاب مذابح راح ضحيتها المئات من الفلسطينيين في المخيم وتزعم المنظمة أنها أحصت أسماء ٥٢ فلسطينياً فقط قتلوا في المخيم منهم ٢٢ مدنياً، ومع ذلك أشار التقرير إلى أن غالبية هؤلاء المدنيين قتلهم الاحتلال عمداً وبدون سبب واعتبر ذلك «جرائم»  حرب ارتكبها جنود صهاينة كما ذكرت أن الاحتلال استخدم المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية خلال اشتباكاته مع المقاتلين الذين كانوا داخل المخيم، ويبدو أن الجميع اتفقوا على أنه لم تقع مذابح أو مجازر في مخيم جنين وهو ما يعفي حكومة شارون من أي تبعات قانونية في المستقبل.

السلطة أم المقاومة؟

كان واضحاً منذ بداية عملية السور الواقي أن حكومة شارون أرادت تشتيت انتباه العالم الرسمي والشعبي عن طبيعة وحقيقة عمليات الاحتلال والاجتياحات التي تقوم بها قواتها في الضفة الغربية، وذلك من خلال تركيز الحراك السياسي والإعلامي العالمي على حصار الرئيس الفلسطيني في مقره وحصار كنيسة المهد، فالعملية كان مقصوداً بها بالدرجة الأولى رأس المقاومة كما قال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حماس في قطاع غزة، وليس رأس السلطة كما توهم الكثيرون، والنتيجة خير برهان على ذلك(!)

وزير الخارجية الأمريكي كولن باول اشار إلى الدور المطلوب عمله من السلطة والرئيس عرفات بعد رفع الحصار عنه وهو «إعادة بناء أجهزة السلطة الأمنية»! وأشار إلى أن الاجتماع الرباعي الذي عقد في واشنطن الأسبوع الماضي قرر تخصيص ۸۰۰ مليون دولار تدفع الولايات المتحدة منها حوالي ۳۰۰ مليون دولار لإعادة بناء مؤسسات السلطة التي دمرتها قوات الاحتلال وفي كلمة له أمام مجلس النواب كرو باول في أكثر من موضع أن الرئيس الفلسطيني يعرف بالضبط ما هو مطلوب منه، في المرحلة القادمة (!)

فالعمليات الإرهابية الصهيونية استهدفت المقاومة الفلسطينية التي تنامت وزادت قوة إلى قونها في عهد شارون، ولأن حكومة شارون رأت أن أجهزة أمن السلطة كانت عاجزة عن منع العمليات الاستشهادية وغيرها من الهجمات، فقد قررت أن تتولى بنفسها مهمة تصفية المقاومة الفلسطينية على طريقتها الخاصة.

مؤتمر سلام دوليّ

في غضون ذلك تستعد الإدارة الأمريكية لترتيب مؤتمر سلام شامل خلال الصيف كما قال وزير الخارجية الأمريكي ليستفيد من نافذة الأمل، التي فتحها اتفاق رفع الحصار عن مقر عرفات(!) وكان شارون هو الذي اقترح عقد المؤتمر خلال زيارة باول للقدس المحتلة وهي الدعوة التي لاقت ترحيباً أمريكياً واوروبياً فورياً، وقد رحب الرئيس الفلسطيني بعد رفع الحصار عنه بفكرة عقد المؤتمر وقال إنه ما زال يعتبر شارون شريكاً في السلام (!) 

وكان كولن باول قد صرّح خلال جولته في المنطقة الشهر الماضي بأن حضور عرفات للمؤتمر المذكور «غير ضروري»! 

الاجتماع الرباعي الذي عقد في واشنطن وضم وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا وإسبانيا «رئيسة الاتحاد الأوروبي» إضافة إلى أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان تبنى فكرة عقد المؤتمر الذي تقول مصادر إنه ربما يعقد في المقر الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف خلال الشهر القادم.

من ناحيته أعرب الرئيس الأمريكي بوش عن اعتقاده بحدوث تقدم باتجاه إنهاء الانتفاضة التي مضى عليها ۱۹ شهراً، من خلال بذل جهود للعودة إلى طاولة المفاوضات على أساس إقامة دولة فلسطينية كما قال، لكنه حذر من أن هذه الدولة ينبغي إقامتها من خلال المفاوضات على إنهاء الاحتلال وليس من خلال «الإرهاب أو الفساد» على حدِّ قوله.

إذن تتسارع وتيرة التسوية في ظل تزايد الخلل في ميزان القوة لصالح الاحتلال بعد انهيار مؤسسات السلطة الواحدة تلو الأخرى، وهو خلل يعززه الموقف الأمريكي الداعم للاحتلال بلا حدود والموقف العربي الصامت عما يجري.

الكونجرس ينافس الإدارة في التحيز

وقد توجّ الكونجرس الأمريكي موقفه المؤيد للاحتلال بقرارين صدرا عنه الأسبوع الماضي وأعرب فيهما عن تضامنه مع الكيان الصهيوني معتبراً أنه مثل الولايات المتحدة، يشن حرباً على الإرهاب.

 القرار الأول أقره مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديمقراطية، وقدمه السيناتور الديمقراطي «اليهودي» جوزيف ليبرمان وحاز على أغلبية ٩٤ صوتًا مقابل صوتين اثنين واعتبر أن الولايات المتحدة وإسرائيل في نضال مشترك ضد الإرهاب، كما أكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وطالب بتفكيك «البنى التحتية للإرهاب الفلسطيني»، وشدد على أن الولايات المتحدة «ستواصل تقديم المساعدات الإسرائيل فيما يتعلق بتعزيز أمنها الداخلي».

أما القرار الثاني فقد أصدره مجلس النواب بأغلبية ساحقة أيضاً وعبر فيه عن دعمه للاحتلال وأدان ما اسماه دعم ياسر عرفات المتواصل للإرهاب، واعتبر القرار الذي قدمه النائبان الجمهوري توم ديلاي والديمقراطي توم لانتوس أن الرئيس الفلسطيني ليس شريكا موثوقاً، في عملية السلام وزعم لانتوس في كلمته «أن إسرائيل ديمقراطية وصديقنا وحليفنا في الحرب على الإرهاب الدوليّ».

الرابط المختصر :