العنوان بمناسبة مرور عام على نكبة حماة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983
مشاهدات 52
نشر في العدد 611
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 08-مارس-1983
شيء للأجيال
الطالعة عن المدينة «المستفردة«!
تقع حماة في قلب سوريا العربية المسلمة، ويبلغ سكانها 300 ألف نسمة، وهي من أقدم مدن الأرض، لكنها أصبحت بعد الفتح
الإسلامي قاعدة هامة من قواعد العروبة والإسلام في بلاد الشام. ثم بدت قلعة مقاومة
وطنية لا تلين من أيام التتار والصليبيين إلى أيام الفرنسيين "والإسرائيليين".
هذا الماضي لا يحتاج إلى شهادة المؤرخين، فعلى مداخلها كانت
تلوح -خصوصًا مدخلها الجنوبي من جهة حمص- «تلال الشهداء» «وأقواس النصر لمجاهدي
حماة» وقبور وقباب يرقد تحتها ميامين هذه الأمة في أيام المحن، وهي لا تخفى على
العين اليوم مهما زور التاريخ ومحيت الآثار والديار! ولهذا سماها المؤرخون «مدينة
الفداء» و«مدينة الجهاد» و«الصابرة«.
وسماها المعاصرون مدينة «الجلاء» لأن ثورتها المسلحة -الوحيدة
من نوعها في سوريا عام ١٩٤٥- أدت إلى هزيمة الجيش الفرنسي المحتل وانحلاله، حيث
انضم العسكر السوريون في جيش الشرق الفرنسي إلى مقاومة الأهالي، وسقطت محاولات
العدوان الفرنسي على دمشق وتم الجلاء.. والشعر وهو ديوان العرب -كما قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه- لم يغفل عن تخليد هذه المآثر، ففي الاحتفال الوطني الكبير
بيوم الجلاء في دمشق (17 نيسان/ إبريل ١٩٤٦) برعاية رئيس الجمهورية السورية
شكري القوتلي يومذاك وقف شاعر العاصي المرحوم بدرالدين الحامد يغني ثورة بلده
المجيدة، فيقول من قصيدة طويلة هي من عيون الشعر السياسي العالي:
لو يذكرون على «العاصي» هزيمتهم
وللمذاودي الميدان
إقدام
الطائرات رميناها وجيشهم
من
رعشة الخوف أشتات وأقسام
يوم بيوم قضينا وترنا وكفى
اليأس
في الجلفة والآمال قدام
وفي ذكرى العدوان الفرنسي الغادر على
دمشق ٢٩ مايو/ آيار ١٩٤٦وقف شاعر العاصي معبرًا عن هموم «القلعة» التي أنجبته وعن
مطامحها الجهادية، فقال في أضخم حفل وطني شهدته سوريا المستقلة:
وبوادي «حماة» يوم عظيم
هو
يوم العلى ويوم النفاح
جعلوا النار رداهم فاحتكمنا
في
التلاقي إلى حدود الصفاح
أين «فوزي»(1) يقر عينًا بهذا
أشرف
النصر وانزوى كل لاحي
يا «سعيد العاصي»(٢) تحرك فهذا
وجه
واديك بالكرامة ضاحي
في فلسطين لم يزل لك ثأر
فاغر
فاه ممعن في الصياح
سوف نمشي إليه عما قريب
بشباب
بيض الوجوه صباح
وغدًا «خالد» يجوز الثنايا
و«ضرار»
براية «الجراح»
ولم يكذب شعب حماة نبوءة شاعرها فتطوع لواء كامل من مجاهدي حماة
مع نفر كريم من أبناء حمص الشقيقة عام ١٩٤٧ ورابط في
الجليل وقدم الشهداء وضرب الأمثولات.. ولم يفك هذا اللواء ارتباطه إلا بعد أن
أعلنت الجيوش العربية النظامية بأن القضية الفلسطينية أصبحت من مسؤوليتها
وانتزعتها من يد المتطوعين من المجاهدين، وأدخلت القضية بعدها في نفق المؤامرات
الدولية المظلم.
وحماة ليست حماة الجلاء فحسب! ففي عام ١٩٢٥ عندما حوصرت
ثورة القائد سلطان الأطرش في جبل الدروز قامت حماة بفك الطوق عن ثورة الجبل فأشعلت
فيها الثورة المسلحة على الفرنسيين بقيادة فوزي القاوقجي. وفي ثورة حماة هذه يقول وديع
تلحوق شاعر ثورة الجبل كلامًا صريحًا لا غموض فيه:
يا عروس العاصي وحسبك فخرًا
أن
تكوني حماة أم الملاحم
يوم حق الجهاد وارتفع الصوت
أجبت
النداء دون العواصم
وما لنا لا نذكر شهادة شاعر الثورة
السورية الكبرى خيرالدين الزركلي (من اليوم من الجيل الطالع يعرف شيئًا عن خيرالدين؟!)
في قصيدته الشهيرة: «الأهل أهلي والديار دياري»، حينما يذكر حماة وعذابها:
النار محدقة بجلق(٣) بعدما
تركت
«حماة» على شفير هار
وحين يصف أهلها بقوله -وما أشبه الليلة
بالبارحة:
المشترين ديارهم بدمائهم
وهم
يرون به رياح الشاري
أنفوا حياة الشاء كل عشية
وضحى
تعيث بها يد الجزار
وحماة لم يكن قسطها في فلسطين منذ
القديم أقل من قسطها في ديار الشام، ففي ثورة 1935- 1936 الفلسطينية كان أكبر
قائدين فيها: فوزي القاوقجي ابن مدرسة حماة الوطنية، وسعيد العاص ابن شعب حماة.
يقول الشاعر السوري عمر أبو ريشة من
مرثية شهيرة لسعيد العاصي ألقاها في حماة:
وأخوك(4) الجسور في القمم السود
مطل
على الروابي الفساح
لوحت كفه بمنديله الأحمر
شوقًا
إلى اللقاء المتاح
فحسبت الأجيال تهتف
يا
«خا لد» جاهد في فيلق «الجراح»
هذه المدينة المحاربة المكافحة ليست
«إسبرطة»(٥) سوريا فحسب! إنها كانت -ومازالت- معقل التقدم الاجتماعي الحقيقي في
سوريا الحديثة؛ ففيها تحطم -أول ما تحطم- الاستكبار السياسي والاجتماعي للعائلات
الحاكمة على يد الحركات الشعبية والنقابية بقيادة أبطال ميامين من أبناء الطبقة
العاملة والمتوسطة على رأسهم الشهيد العالم المسلم الدكتور صالح قنباز والزعيم
الوطني الدكتور توفيق الشيشكلي، وفي ريفها قامت ومنه امتدت إلى الأرياف السورية
حركة التحرير الفلاحية على يد أكرم الحوراني (أحد مؤسسي حزب البعث العربي
الاشتراكي)، لكن وصول حركة أكرم الحوارني بسرعة إلى الحكم عن طريق الانقلابات
العسكرية واستقطاب هذه الحركة عناصر قيادية انتهازية مشبوهة جعل منها ومن حزب
البعث السوري (الملغوم أصلا بعملاء دوليين) واجهة خادعة منحرفة.. ولعل قائدها
اليوم يكتشف أكثر من غيره مدى التآمر عليه وعلى القضية، ولعله صحا على المنزلق!
لكنّّ حماة صحت فعلًا قبله على الصحوة
الإسلامية الكبري المعاصرة.. وما لها لا تصحو وفيها ظهر المصلح الديني الإسلامي
الكبير المستنير فقيه حماة مفتي سوريا جميعها الشيخ سعيد النعساني، وفيها ظهرت
حركة الشيخ المحدث سعيد الجابي الإصلاحية، ومنها نبغ الزاهد العامل الشهيد(6) محمود
الشقفة مؤسس المدرسة المحمدية، وأخيرًا جادت حماة بشيخها محمد الحامد وبكوكبة
القادة الشباب شيوخ الجهاد: مروان حديد، ومهدي العلواني، وهشام الجنباظ، وعبدالستار
الزعيم، وبسام الأرناؤوط وتميم الشققي... كوكبة أعادت للأمة المهزومة مناخ عهد
الصحابة وصدر الإسلام.
ولا يظن ظان أنها مدينة التعصب
الديني.. إنها مدينة الدين: فهي المدينة الأولى التي وأدت التعصب الطائفي في سوريا
ونسجت لحمة الوحدة الوطنية، وهي التي أنبتت من بين أبنائها المسيحيين مطران
الاستقلال الوطني المطران «حريكة»، ومنها خرج البطريرك
العربي الفذ الحالي أغناطيوس الرابع، والدليل الأكبر على سلوك الأم وقوف بنتيها
إلى جانبها السلمية (قاعدة الشيعة الإسماعيلية) ومحردة (المسيحية محصنًا) في
الحصار الناري المدمر الذي فرض عليها في شهر فبراير/ شباط من العام الماضي. ولا
حول ولا قوة إلا بالله.
عدنان القادري
1- يقصد المجاهد الكبير فوزي القاوقجي أعلى
ضابط سوري في الجيش الفرنسي، وقد أعلن الثورة المسلحة على الفرنسيين في حماة عام ١٩٢٥.
2- سعيد العاص ابن حماة البار
والبطل الوطني الذي حارب الاستعمار الفرنسي منذ دخوله الأرض السورية، وشارك في كل
الثورات المسلحة والذي استشهد في ربا فلسطين «جبل النار» عام ١٩٣٥ وهو يقاتل الاستعمار البريطاني وشراذم الصهاينة.
3- يقصد دمشق.
4- يقصد القائد المجاهد فوزي القاوقجي.
5- مدينة تاريخية في اليونان
اشتهرت بخصائص أهلها الحربية وخشونتهم.
6- قتله عنصر في المخابرات عام ١٩٧٧، وهدمت مدرسته «تكية أبو الهدى الصيادي» وهي أكبر أثر عثماني
في طول سوريا وعرضها، وقد كان قتله دون سبب ظاهر! وهدمها بهدف ظاهر كالشمس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل