; أزمة مياه النيل.. أم أزمة الدولة المصرية؟ | مجلة المجتمع

العنوان أزمة مياه النيل.. أم أزمة الدولة المصرية؟

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013

مشاهدات 68

نشر في العدد 2053

نشر في الصفحة 39

السبت 18-مايو-2013

كثر الجدل حول أزمة مياه النيل التي فهمت بطرق مختلفة، ولكن الفلاح المصري لا يهمه هذه الطرق، وإنما يهمه أن تضمن الحكومة سريان النهر وشرايينه إلى أرضه وبيته، بعد أن أساء المصريون جميعًا إلى هذا النهر العظيم فعانى من التلوث الخطير على أيدي المصريين في القرى والمدن والمصانع فضلًا عن ورد النيل الذي يلتهم نسبًا عالية من مياه النهر، وقد تعالت صرخات الفلاحين من جفاف أراضيهم وتحولها إلى مبان، وتدهور المساحات الخضراء بسبب الجفاف فضلًا عن الاعتداء المتعمد على هذه المساحات للبناء عليها.

فمشكلة النهر داخل مصر هي مشكلة تدني مستوى الدولة المصرية وهيبتها عند الناس، خاصة بعد أن عجزنا حتى الآن عن بناء دولة حقيقية بدل الأخطبوط الأمني الذي أشاع الرعب في نفوس الناس؛ حتى ينصرفوا عن فساد الحكام، فالمحافظة على المياه وحسن إدارتها ونظافتها والاحتفاظ بها من معايير توزيع حصص المياه في الأنهار الدولية أما حصة مصر المائية المقررة في المعاهدات الدولية فهذه ثابتة على الورق، لكن الدنيا تغيرت، ومصر تغيرت كثيرًا؛ بما أدى إلى ظهور رؤية مشتركة بناء على اقتراحات مصرية بإعادة توزيع الحصص، خاصة وأن بقية دول الحوض ترى إطارًا قانونيًا جديدًا يجب أن يحكم توزيع الحصص، بعد أن ظلت دول الحوض ترفض المعاهدات السابقة المبرمة نيابة عنها في عصر الاستعمار.

ضعف الدولة

ولكن الخلاف بين مصر ودول المنابع ليس سببه توتر العلاقات أو إهمال أفريقيا وقضاياها كما يعتقد البعض، أو تشدد هذه الدول مع مصر بعد أن شبت عن الطوق، أو أنها حالة من حالات إنكار الجميل، أو تحول سياسات إثيوبيا بحيث أصبحت قادرة على بناء السدود التي تؤثر على حصة مصر، مادامت هذه الحصة في نظرها محلا لإعادة النظر، ربما لزيادتها وليس بالضرورة لخفضها.. وإنما هذا الخلاف شكله قانوني يخفي وراءه حقيقة صارت غطاءً لهذا التحدي الجديد، وهذه الحقيقة هي انكماش الدولة المصرية وضعفها وهوانها في الداخل والخارج.

فمصر الستينيات التي كانت تساعد الأفارقة على التحرر من الاستعمار، ويجد الزعماء الشبان في رحابها الدعم والمساندة المادية والسياسية المعلنة، وتبنت سياستها ودبلوماسيتها الدولية والإقليمية الدفاع عن قضية الحرية للشعوب ضد الاستعمار، ورغم أن «إسرائيل» كانت «تتسلل» إلى أفريقيا كلما لاح لها ذلك، فإن التلاحم العربي الأفريقي كان سدًا منيعًا، حتى أن «مانديلا» أكد عندما فازت بلاده بحق تنظيم «المونديال» «بطولة كأس العالم لكرة القدم» ضد مصر، لو أن «عبد الناصر» حي ما كان لي أن أنافسه.

 إعادة البناء

فالمشكلة هي أن دول الحوض لديها مصالح مائية وسياسية جديدة، وخريطة أفريقيا السياسية والاقتصادية بحاجة إلى قراءة جديدة واقعية من زاوية ماذا تريد مصر؟ وكيف؟ ومقابل ماذا؟ ولمن؟ فنقطة البداية هي إعادة بناء الدولة المصرية، وانتهاج دبلوماسية تبدأ بتحديد المصالح المطلوب تحقيقها، وأدوات تحقيقها، وتكلفتها السياسية والمادية وإعادة شبكة التحالفات في أفريقيا؛ بحيث يكون لمصر دور في جميع ملفاتها.. والغريب ان انسحاب مصر وانكماشها إلى الداخل شهد دورًا ليبيًا زمن «القذافي» كان مشكورًا وبأساليب يقبلها الأفارقة، ذلك أن التجربة علمتنا أن مهارات العمل الدبلوماسي النوعية تختلف من منطقة إلى أخرى، فما يصلح منها لأفريقيا لا يصلح لغيرها!

فإذا بدأت مصر الدولة الجديدة دبلوماسية شاملة عربية تعزز أوراقها بتعاون عربي أفريقي يخدم المصالح المشتركة، وتحالفات قوية داخل القارة ولصالح قضاياها والدفاع عنها عالميا، فمصالح مصر المائية وزيادة حصتها ستكون ضمن منظور التعاون الجديد، ليس على حساب أحد، ولكن بزيادة حصة النيل من المياه، خاصة وأننا مقدمون على أزمات ترتبط بتغير المناخ خلال العشرين عامًا القادمة. 

مصالح مصر المائية من منظور قانوني لا يكفي لاستخلاصها وحمايتها، ولكن لابد من دولة قوية حاضرة تجعل هذه المصالح جزءًا من حركتها، بدلا من دبلوماسية الإفلاس التي مارسها «مبارك» وأجادها وزراء خارجيته، ولا تزيد مشاركة الرئيس المصري الجديد في قمة أديس أبابا عن كونها إعلانًا عن رغبة مصر في التواصل مع أفريقيا، ولكن هذه الرغبة لابد أن تعقبها قدرة حقيقية وخطة، كما أوضحنا للدخول الجديد إلى القارة السمراء.

الرابط المختصر :