; الصيام.. تربية على التضحية | مجلة المجتمع

العنوان الصيام.. تربية على التضحية

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 2015

نشر في الصفحة 28

السبت 11-أغسطس-2012

يربي النفس على التضحية بالمألوف من الغرائز والشهوات المباحة شرعاً في غير أوقات الصيام.. عبادة وطاعة وامتثالا لأمر الله تعالى.

ألم يأن للصائمين المضحين بمالهم ووقتهم وشهواتهم أن يقيموا ما أعده الله تعالى لهم من الجزاء ويخرجوا من موسم الصيام بالريح الروحي المدخر؟

الصيام تربية للنفس على التضحية بالخروج عن المألوف ومخالفة المعتاد وترك الشهوات والغرائز المتاحة وقت الفطر يترك الصائم طعامه وشرابه ويؤدي زكاة ماله وزكاة الفطر ويكثر من الصدقات التطوعية في هذا الشهر الكريم، ليربي نفسه على التضحية في سبيل الله تعالى.

ومن أبرز أنواع التضحية في رمضان التضحية بالمال الذي يحبه الإنسان من أجل الله عز وجل، والتضحية بترك المباحات طاعة لله وامتثالاً لأوامره.

يربي النفس على التضحية بالمال يضحي الصائم في رمضان بالمال إما في صورة صدقات تطوعية أو صدقات مفروضة ( زكاة المال وصدقة الفطر): شكراً لله تعالى الذي رزقه المال، ولإقامة فريضة الزكاة، ونجد المسلمين في هذا الشهر أكثر جوداً وكرماً تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان وهذا يدرب النفس على التضحية بالمال وهي إحدى وسائل الجهاد في سبيل الله تعالى، فالنصر يحتاج إلى جهاد، والجهاد يحتاج إلى تضحية.

وقد وردت في الحث على التضحية بالمال في رمضان أحاديث نبوية شريفة، منها قول ابن عباس رضي الله عنهما : كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (رواه البخاري ومسلم)، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ..... ومن فطر صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لين.. (رواه ابن خزيمة).

يربي النفس على التضحية بالشهوات:

يربي الصوم النفس البشرية على التضحية بالمألوف من الغرائز والشهوات المباحة شرعاً في غير أوقات الصيام، عبادة وطاعة وامتثالاً لأمر الله عز وجل الذي فرض عليه الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ البقرة: 183]، وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن فريضة الصيام تربي النفوس على الطاعة وتطهر القلوب من اتباع الهوى .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان (رواه أحمد والطبراني والحاكم).

 قال رسول الله : كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله: إلا الصوم، فهو لي وأنا أجزي به يدع الطعام من أجلي، ويدع الشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه (رواية ابن خزيمة). وفي رواية لمسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي للصائم فرحتان فرحة حين فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (رواه أحمد).

 ومن الأشياء التي يضحي بها الصائم وهي مباحة له في غير أوقات الصيام: 

- جماع الزوجة

- الطعام والشراب.

- الحجامة

يربي النفس على التضحية بالنوم يحافظ الصائم على وقته في رمضان بين العمل الجاد المنتج للحصول على الكسب الطيب ويضاعف من وقت العبادة لله عز وجل، فنجده يقضي وقتاً كبيراً في صلاة القيام وقراءة القرآن، وصلاة التهجد والاعتكاف دون أن يتعدى على وقت العمل، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (رواه البخاري).

وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، فقد أخرج الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر، أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر (رواه أحمد)، وعن عائشة قالت: كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها (رواه البخاري).

جزاء الصائمين مقابل تضحياتهم يضحي الصائم بالشهوات والمال والوقت وبكل عزيز عنده من أجل رضاء الله وتقواه ويكافئ الله هذا الصائم بجزاء كبير هو الجنة والزحزحة عن النار، وهذا جزاء المتقين ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقد روى ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما عن سلمان الفارسي : قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار، وكان له مثل أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، قالوا : يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً : على ثمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن (رواه البيهقي).

كما روى الطبراني والبيهقي وابن حبان مرفوعا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: الأعمال عند الله عز وجل سبع: عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، وعمل بعشر أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثوابه إلا الله عز وجل، فأما الموجبان فمن لقي الله يعبده مخلصا لا يشرك به شيئاً وجبت له الجنة ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزي بها، ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها جزي مثلها، ومن عمل حسنة جزي عشرا، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته الدرهم سبعمائة والدينار سبعمائة والصيام لله عز وجل لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل (رواه أحمد).

من هذين الحديثين يتبين للصائم إيماناً واحتساباً أن جزاءه عند الله تعالى، فهو القائل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به رواه البخاري).

. كيف يحسب جزاء أعمال الصائمين؟ يختلف حساب ثواب الأعمال في شهر الصيام عنها في الشهور الأخرى، فإذا كانت الصدقة التطوعية بعشر أمثالها إلى سبعمائة في حالة الإنفاق في سبيل الله تعالى، فإن ثواب الصدقة التطوعية في رمضان يعدل ثواب فريضة الزكاة، وثواب النافلة في رمضان يعدل ثواب الفريضة في غير رمضان، وثواب الفريضة في رمضان يعدل ثواب سبعين فريضة في غير رمضان، وثواب العمرة في رمضان يعدل ثواب الحجة.. وهكذا.

الإنسان بطبيعته لا يضحي بشيء إلا إذا كان العائد أغلى وأثمن وأفضل من المضحى به فالمشتري يضحي بالمال مقابل السلعة التي تزيد قيمتها على المال، وهذا أمر غرائزي عند البشر، وحتى يحفز الله عز وجل عباده على الإكثار من التضحية في سبيله جعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وفي رمضان وضع خاص للصائمين بمقابل التضحيات الجنة .إن سلعة الله غالية إن سلعة الله الجنة، فالرابح مع الله عز وجل في رمضان هو من يقدر ثمن الجنة، ويقارن بين ،ماله ووقته وإشباع شهواته وغرائزه وبين مقابل ذلك: أي الجنة.

ولقد حسم القرآن الكريم ذلك فقال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [ آل عمران: 14]

﴿ ۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [ آل عمران: 15]

والخاسر في رمضان من يبخل بماله، أو يضيع وقته في النوم أو أمام التلفاز بحجة تسلية الصيام، أو يقضي ليله في السهر فيما يغضب الله تعالى.

ألم يأن للصائمين المضحين بمالهم ووقتهم وشهواتهم أن يقيموا ما أعده الله الهم من الجزاء، ويخرجوا من موسم الصيام بالربح الروحي المدخر لهم يوم يلقون الله تعالى ويدخلون الجنة من باب الريان.

الرابط المختصر :