; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة - الحلقة الثالثة والأربعون ... دولة الخلافة والحركة الوهابية | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة - الحلقة الثالثة والأربعون ... دولة الخلافة والحركة الوهابية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980

مشاهدات 103

نشر في العدد 505

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 18-نوفمبر-1980

تقارير سياسية من ولاة مكة والمدينة.. تستدعي دولة الخلافة لضرب الحركة الوهابية.

اجتماع هام في الآستانة يستبعد فكرة الصلح، ويقرر الحرب ضد الحركة الوهابية. 

رأينا في الحلقة السابقة صورة من رسائل والى المدينة وعلمائها وتصورهم للحركة الوهابية التي باتت تهدد وجودهم وكيانهم، فنقلوا الصورة مشوشة عن منهج الحركة الوهابية، وأبرزوا الجانب الحساس الهام بالنسبة لدولة الخلافة، فادعوا أنه خارجي يهدد بخروجه هذا هيبته وسلطة دولة الخلافة،  ونتابع في هذه الحلقة، بقية الرسائل التي كانت كلها تصب في هذا المصب المستفز لدولة الخلافة، حتى حدث ما حدث من مواقف صدامية.

فهذه بعض فقرات من رسالة بعث بها شريف مكة غالب بن مساعد إلى السلطان العثماني، يقول فيها: «منذ مدة والوهابي المعروف، والذي ظهر في بادية الشام يخضع العربان هناك ليستميلهم نحوه؛ ليقوم بنهب وسلب أموال وحيوانات من لا يتبعه، ويسبي أموالهم وأعراضهم، ويقوى يومًا بعد يوم، هذا الخبيث الكافر يدعى سعود بن عبد العزيز، وكما عرضناه على جلالتكم عدة مرات بأن هذا الشخص يقوم بإغراء ذوي العقول الضعيفة بالمكر والحيلة، ويستجلبهم لطرفه، وتذكرون أنه قام في العام الماضي في موسم الحج بالذات على مهاجمة مكة المكرمة بعدد كبير من أتباعه، وأوقع الرعب في قلوب الحجاج المسلمين في عرفات ومكة المكرمة، وبعونه -تعالى- تمكنا من إنقاذ الحجاج منه دون أن يصيبهم أذى، وقررنا اجتماعًا مع والي جدة، والشام، وأمير حجاج مصر، ومشايخ البلدتين المنيفتين، ومأمور المالية، والشريف، وعلماء مكة المكرمة، وقررنا بأنه ليس من المناسب أن نترك الحرم الشريف طعمة أمام الخوارج، وخاصة وأن هناك من الحجاج المغاربة نحو (١٢) ألف حاج، وطلبنا من الذين باستطاعتهم القتال المساعدة، ومن لا يرغب بإمكانه أن يذهب إلى جدة ومنها إلى مصر بحرًا، وقد تعهد أمير الحجاج بتقديم ألف كيسة، كما تعهد أمير حجاج الشام بتقديم المهمات اللازمة.

 ويقول في آخرها تم تطهير الأراضي المقدسة من لوث هؤلاء، فإذا أمكن إرسال بعض المهمات والذخائر من مصر والشام فنحن سنكون بموقف حسن، وبمقدورنا الدفاع ضد الخوارج.k  وللعلم فقد بعثنا إليكم هذه الرسالة للاطلاع عليها، والأمر لمن له الأمر، والإحسان من سلطاننا. توقيع غالب بن مساعد.، هذه الرسائل وأمثالها التي لا تعدو الترداد للإشاعات والتهم ضد الحركة الوهابية فترميهم بالخوارج والعصاة، أو الخارجين عن سلطة الإمام، أو المنادين بخلع الخليفة، وإعلان الخليفة منهم لا شك أنها تحرك وتستعدي دولة الخلافة، ويلاحظ أن تلك الرسائل لم تردد تلك الإشاعات التي وجهت للدعوة ابتداء من ادعاء النبوة أو التقليل من شأن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو محاولة هدم حجرته -صلى الله عليه وسلم- وتخريب قبور الصحابة إلى غير ذلك مما كان يثار، فإن هذه الرسالة كانت تحمل صفة سياسية محضة، الغرض منها تحريك دولة الخلافة لضرب الحركة الوهابية فاقتصرت على تعابير الخروج، والعداء للدولة والسلطان إلى غير ذلك. 

    ولتحديد العلاقة والدور الواجب تجاه الحركة الوهابية عقد اجتماع في الدولة العثمانية في الأستانة -تذكرة وثيقة رقم (3۷۹۰)- وهي عبارة عن تقرير أعده رئيس الوزراء عن هذا الاجتماع، وكانت تلك الرسائل هي ورقة العمل المقدمة لإعطاء التصور، ثم الموقف إزاء الحركة الوهابية، فعقد هذا الاجتماع الذي حضره معظم رؤساء الوزراء السابقين، والوزراء والقواد العسكريين، وأعيان الدولة وعلماؤها، درس المجلس في بدايته الوضع في شبه الجزيرة العربية بعد كلمة قصيرة ألقاها سماحة شيخ الإسلام، ثم تليت الرسائل الواردة للسلطان من شريف مكة، والشريف غالب، وشيخ الحرم، ونائب الحرم، وقاضي المدينة المنورة. 

    وبعد أن تليت الرسائل، بدأ الحديث في الاجتماع عصمت بك قائلًا: بأن الحل لو كان لعقد صلح مع الخوارج، فهو لا يعتبر حلًا؛ إذ أننا بذلك نعطي فرصة للخوارج ليقوموا بأعمال شريرة أخرى، وعليه نرى أن الحل يكمن في مهاجمة الدرعية، وقلع جذور هذا الخارجي، وأيده في ذلك شمس الدين أفندي، وأما رئيس الكتاب فإنه رأى ضرورة الإسراع في تعيين قائد عام ووال على جدة والمدينة المنورة، وإخراج هذه القرارات من حيث القول إلى حيث الفعل، ومن ثم عقد صلح مع الخوارج لاستتباب الأمن في المنطقة الحجازية، ورأى البعض صعوبة الذهاب عن طريق الشام إلى الدرعية لاحتياجه إلى عدد وافر من الحيوانات والتجهيزات، ووقت لا يقل عن ثلاثة أشهر.،  وهكذا يستمر تقرير رئيس الوزراء في بيان آراء جميع المشتركين في الاجتماع الهام، الذي عقد لبحث الدعوة الوهابية وآثارها في أكثر من ثلاث صفحات من الحجم الكبير، وكان السلطان يتابع بنفسه تطورات أحداث الحركة، ويريد القضاء عليها قبل أن يستفحل أمرها.

    ولا ريب أن دولة الخلافة كونت من خلال تلك التقارير والآراء موقفًا واحدًا هو موقف العداء، وإعلان الحرب على الحركة الوهابية من منطلق أن الحركة حرب على دولة الخلافة، وأنها شقت على الطاعة والولاء، وهددت أشرف وأهم البقاع في العالم الإسلامي،  ولم تتغير هذه الصورة، صورة العصيان والخروج أثناء تنفيذ الخطة للقضاء على الحركة الوهابية، بل زادت عمقًا ورسوخًا رغم ما بذل من جهد لتلافي هذا الصدام، فإن تلك الصورة ظلت، بل تعمقت، وتعلم ذلك من خلال الرسائل التي تبودلت أثناء تنفيذ الخطة. 

    وهذه بعض نماذج من تلك الرسائل التي كانت تتبادل بين قواد الجيوش وبين السلطان العثماني ومحمد علي. فهذه رسالة من يوسف كج باشا والي دمشق يرفعها إلى محمد علي والي مصر، والذي كادت سمعته تغطي على الخليفة العثماني نفسه، يقول له فيها مما يقول: «كما أبلغكم كذلك أن جلالة السلطان قد استبشر بهذا النجاح الباهر «القضاء على المماليك في مصر في مذبحة القلعة المشهورة» الذي كان حليفكم في القضاء على فتنة أولئك العصاة، واستهل به استهلالًا طيبًا، فأمركم بأن تستلوا حسامكم البتار للعدو هذا مرة أخرى، وتقاتلوا به كذلك طائفة الوهابيين، الذين قد انحرفوا منذ وقت ليس بقصير عن سبيل الطاعة، وسلكوا سبيل العصيان والطغيان، واستولوا على الحرمين المحترمين عنوة، وعاثوا فيهما فسادًا، وتجاسروا على ارتكاب أفعال وحشية تشمئز منها النفوس الأبية الطاهرة، وتحسوا به كذلك رؤوس هؤلاء العصاة الطغاة مثلما حسستم به رؤوس أمراء القاهرة المذكورين قبلًا، حتى تزول فتنتهم من أرض الحرمين الشريفين، وتتطهر الأرض من فسادهم ودنسهم، هذا وأنه قد غادر سعادة الأخ المشار إليه مصر القاهرة لانتهاء مهمته، وأنكم سلمتم له ميثاقًا خطيًا منكم لجلالة السلطان، مصدقًا عليه بخطكم الكريم بأن أمر جلالته إليكم على الرأس والعين، وأنكم ستنفذون الأمر بكل رغبة وقبول، وأنكم ستنصرون الدولة العلية التي تتمنون لها الدوام الأبدي، وستبذلون جهدكم في مقاتلة هؤلاء الخوارج، وفي سبيل إجلائهم عن أرض الحرمين الشريفين، وإنقاذ هذه الأرض وأهلها من شر هؤلاء الخوارج وفسادهم، ثم يقول: لأن كبير طائفتهم ذلك الحسود اللدود الذي يحسد جلالة السلطان على خلافته للمسلمين، والذي يحقد حقدًا كبيرًا على الدولة العلية من أجل ذلك، ونادى بنفسه أنه هو الخليفة الشرعي للمسلمين» یوسف کج باشا والي دمشق بتاریخ ۱۹ صفر ١٢٢٣هـ، ١٦ إبریل ۱۸۰۸م.

 وفي رسالة أخرى من إبراهيم باشا بن محمد على باشا يرفعها إلى الجناب العالي مفصلًا لإحدى المعارك بتاريخ ۱۷ ربيع الأول 1223ه- ٢٥ يناير ١٨١٨م، يقول مما يقول فيها: «واستمر القتال بالمدافع والبنادق يومًا وليلة فهدم محل في السور، ولم يتنفس الصبح إلا وقد أمر عبيدكم عساكر الموحدين فخرجوا من متاريسهم منقضين على من كان في البروج وفي خلال الحدائق من طائفة الخوارج فمزقوهم، وهزموهم بعناية الله -تعالى- ونفحات ولى النعم الظاهرة، واستولوا على أسوارهم وبروجهم، قاتلين منهم عددًا كبيرًا، ثم هجم على المتحصنين من الخوارج». 

 ونكتفي بهذه النماذج لإعطاء الصورة عن الحركة الوهابية، والتي على ضوئها حددت دولة الخلافة الإسلامية موقفها من الحركة، وأن الحرب هي السبيل الوحيد للحفاظ على أمن وهيبة دولة الخلافة، والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا كله، هل دولة الخلافة كانت محقة ومصيبة في موقفها ذاك؟ وهل خرجت الحركة الوهابية على دولة الخلافة؟ وهل كان بالإمكان تدارك تلك الحروب والحيلولة دونها؟ وعلى من تقع المسئولية في ذلك؟ وهذا ما نحاول استيفاءه وللإجابة عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

الرابط المختصر :