; قراءه في المشهد «الإسلامي»... فكرًا وحركة | مجلة المجتمع

العنوان قراءه في المشهد «الإسلامي»... فكرًا وحركة

الكاتب عبدالمنعم أبو الفتوح

تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1686

نشر في الصفحة 30

السبت 28-يناير-2006

(*) عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين

بسبب الأخلاط المختلفة أصيبت «العقلية الإسلامية» بأنواع من التشتت الفكري والسلوكي أفقدت المسلمين القدرة على فهم الوحي والقيام بمسؤوليتهم تجاهه

المد الإسلامي تعاظم وامتد إلى آفاق لم تكن في الحسبان.. تلك حقيقة، والحقيقة التي يجب أن تجاورها أن ترشيد هذا المد ووضع البرامج والأطر الشرعية لحركته لم تكن بالمستوى الكافي

التحدي الحقيقي للحركة الإسلامية.. تحديد الموقف من كثير من «الأورام» الثقافية والسياسية التي نمت وترعرعت وسطت على مراكز قوية ومؤثرة وأصبحت تشكل خطورة كبيرة على الدين والوطن

مما لا شك فيه أن طرح أي مشروع إصلاحي لتحقيق نهضة الأمة ورسم تطلعات عظيمة لمستقبلها، لن يكون نافعًا في غياب التصور القرآني والتزام نهج الرسول .

لذلك فإن على «الحركة الإسلامية» مسؤولية هائلة للقيام بهذا الدور الذي هو في أساسه «جهد بشري»، ومن الطبيعي أن تكون به سلبيات وأخطاء يحاول كل المخلصين تشخيصها وتحديد أسبابها ومحاولة علاجها.

ومن هنا تأتي جسامة الإقدام على القيام ببناء مشروع إسلامي قادر على استيعاب كل مكونات الحاضر، وترجمة الفكرة الإسلامية إلى واقع معيش يقيم الإسلام ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ (الشورى: 13)، وهذا يحتاج إلى ما يمكن تسميته بالوعي الحضاري، الذي يستوعب معطيات العصر بكل مكوناته مع درجة عالية من التحصين القادر على بناء الشخصية الإسلامية ذات الرؤية الصائبة، والمنهجية والمسؤولية الشجاعة القادرة على الرفض الإيجابي والتمييز وتقديم القدوة.

ولاشك أن هناك مسافة واسعة من الغياب الحضاري لدى العالم الإسلامي يرجعها كثير من المهتمين إلى الخطأ في «تنوير» القيم الإسلامية في أخلاقيات المسلمين، والكسل في التعامل مع كل ما هو عصري، فإذا كان الله -تعالى- قد فطر الإنسان على التدين وأخذ على نفسه حفظ هذا الدين، فإن واجب الحركة الإسلامية اليوم أن تكون على مستوى العصر بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، لقد أصيبت «العقلية الإسلامية» بسبب الأخلاط المختلفة بأنواع من التشتت الفكري والسلوكي أفقدت المسلمين القدرة على فهم الوحي والقيام بمسؤوليتهم تجاهه، حتى انتهى إلى لون من التراتيل تتلى للتبرك والعبادة، بعيدًا عن دوره في بناء العقل وتعمير الأرض والقيام بمسؤولية الخلافة الإنسانية عليها، صاحب ذلك انتقال القدسية إلى فهم البشر واجتهاداتهم في عصور معينة، وأصبح «المراد القرآني» وقفًا على فهمهم وعصرهم ومشكلاتهم التي ظهرت في وقتهم، وكاد هذا المفهوم يحل محل الكتاب والسنة وفقدت بذلك القدرة على العطاء والتجدد. 

وقد أدى هذا إلى توقف الأمة عن متابعة التطورات العلمية في البعد الاجتماعي والإنساني، تلك التطورات القادرة على تشخيص الواقع وفهم مشكلاته ومواقع ضعفه وكوامن قوته.

ومن المهم هنا التسليم بأن العلوم الاجتماعية وآلياتها تطورت تطورًا كبيرًا على أيدي غير المسلمين، وبلغت درجة متقدمة في معرفة الإنسان. 

والتعرف على تاريخ الأمم في النهوض والسقوط واكتشاف آيات الله في الأنفس وفي الآفاق وسنن التغيير الاجتماعي التي وردت في القرآن بشكل واضح والتي هي أشبه ما تكون بالمعادلات الرياضية.

فدراسة محل النص وطريقة تطبيقه وموافقته للوقت والمكان لم تأخذ الاهتمام الكافي، فانفصل الدين عن الحياة وانفصمت الشخصية المسلمة، فأي قيمة للنصوص تبقى إذا لم تطبق على الواقع؟ وكيف يعرف هذا الواقع دون دراسته والعلم به والإلمام بكل جوانبه ومتغيراته؟

من الواضح أن هناك مدًا إسلاميًا تعاظم وانتشر إلى آفاق لم تكن في الحسبان.. هذه حقيقة، والحقيقة التي يجب أن تجاورها أن ترشيد هذا المد ووضع البرامج والأطر الشرعية لحركته لم تكن بالمستوى الكافي، لأن الجماهير آمنت بالإسلام والتزمت به ما استطاعت، ولكنها لم تبصر بالواقع وكيفية معايشته، وافتقدت النجوم الهادية للتوعية والترشيد فلحقت بها إصابات بالغة.. أتصور أنها ليست كلها بسبب أعدائها. 

وإذا كانت الحركة الإسلامية قد أصيبت بمعوقات من داخلها مسلم بها ولا ينكرها رجل رشيد، فإنها كذلك عانت كثيرًا من أعدائها في الداخل والخارج، فمسار التاريخ في العالم الإسلامي في الفترة الأخيرة أبعد ما يكون عن بديهيات العلم والتقدم، وبسبب الارتجاج الفكري والثقافي الذي استباح كثيرًا من الثوابت الروحية والفكرية، وكثيرًا من المقدسات الحضارية والتقاليد الثقافية.

وانتهى الأمر إلى عملية انهيار واسعة تناولت أبعادًا كثيرة في الشخصية المسلمة عقليًا ونفسيًا، حتى تناولت عند البعض مصدر الاعتقاد نفسه، وظهرت شريحة كبيرة من أبناء العالم الإسلامي استرقتها الثقافة الغربية بمعطياتها المختلفة، وتحولت هذه الشريحة -للأسف- إلى أياد لأصحاب تلك الثقافة يضربون بها وجوه أمتهم ويستخفون بمعطياتها الروحية والفكرية.

فإذا كانت الثقافة تعني حسن التصرف وسلامة السلوك والقدرة على التعايش في الأوساط البسيطة والمعقدة، والعدل في التعامل مع الأصدقاء والخصوم، وقبول الرأي الآخر وممارسة حقه في الحياة، والنمو من خلال الشرعية التي تكفل كرامة الجميع، والقدرة على قراءة التاريخ وتلمس طريق المستقبل من خلال قراءة الحاضر مع الماضي، فإذا كانت الثقافة هي كل ذلك وأكثر، فإن من أصحاب تلك الثقافة الغربية من تناقضوا مع تلك المفردات تناقضًا مريبًا، وهبطوا إلى درجة متدنية في تناول الأمور لا تبالي باستباحة الكذب والتزوير والاستبداد في الموقف إلى درجة تسفيه الرأي الآخر، واتهامه وحرمانه من كل حقوقه بل والسعي إلى إلغائه.

وإذا كان التغريب صنع ذلك فإن الحركة الإسلامية كذلك لم تخل من بعض القصور، ولعل من حسن حظها أن كان لها كثير من التجارب التي يمكن أن تكون مددًا لها في مستقبلها، إن أحسنت النقد الذاتي واعترفت بالخطأ «أيًا كان» وتحليله تحليلًا علميًا وموضوعيًا وجريئًا، وتعمل على معرفة أسبابه وتجنبها وتواصل مسيرة الصواب في التجربة وتزيده بالعطاء والبذل والتضحية.

ومن المهم أيضا الفصل بين المبادئ والشخصيات في تقييم مسيرة الحركة الإسلامية، لأن الشخص مهما كان متجردًا فإنه لابد أن تترك ذاته وتركيبته العقلية والنفسية لمسات على مسيرة حركته، ومن هنا كانت ضرورة إخضاع الممارسة للنقد حتى لا تنسحب أخطاء الرجال على المبادئ، وحتى لا تسمى الأشياء بغير أسمائها كأن يختلط الأمر مثلًا بين المحنة والخطأ، فالمحنة هي «ألم الطريق الصحيح» والخطأ هو «ألم الطريق غير الصحيح»، ولا تغطى الأخطاء على أنها إرادة الله وبالتالي لا حاجة إلى مراجعتها لأنه لا دخل لنا فيها!

هذه الصفة ضرورية للمهمة العظيمة الملقاة على عاتق الحركة الإسلامية أمام هذا الكم الهائل من التخلف والفساد والاختراقات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العالم الإسلامي، هذه المهمة التي تعاظمت بعد الفشل الذريع الذي منيت به الحركات الإصلاحية «القومية»، والتي تسلمت القيادة الفكرية والسياسية في فترة الاستقلال الوطني، فمارست التجزئة والحكم الشمولي وحاربت الرأي الآخر، ولو وسعنا النظرة قليلًا لوجدنا أن فترة الاستقلال الوطني هذه كانت ولا تزال امتدادًا للمرحلة التي سبقتها في معظم أبعادها. 

فنفس العلل مازالت تعمل في جسد العالم الإسلامي، حضاريًا وسياسيًا، وإمكاناته الهائلة لا تزال تعاني من النهب والتعطيل والتضييع.

من هنا كان عظم المسؤولية وجسامة العبء الذي ينتظر الحركة الإسلامية لتقوم بدورها في ترميم التشويه والخراب وإعادة البناء بحذر وتؤدة بالغين، ووعي كامل بمختلف الظروف المحيطة داخليًا وخارجيًا، وينتظر من الحركة الإسلامية أيضًا العمل على وحدة التصور لدى الكثير من أبناء الوطن المخلصين والالتقاء الجماعي على الأهداف الكبرى، فذلك يقطع الطريق على كل المتربصين بالدين والوطن.

ينتظر من الحركة الإسلامية تحديد الموقف من كثير من «الأورام» الثقافية والسياسية التي نمت وترعرعت في كثير من المرافق المختلفة في العالم الإسلامي، وسطت على مراكز قوية ومؤثرة وأصبحت تشكل خطورة كبيرة على الدين والوطن، وهذه المهمة بالذات هي التحدي الحقيقي للحركة الإسلامية، وتفرص عليها مسؤوليات غاية في الأهمية في ميادين الحياة المختلفة، وتتطلب منها تناولًا غاية في الحكمة وحسن المعالجة وإعادة الأمور إلى نصابها في قضايا الفكر والسياسة، وإقناع القطاعات العريضة من أبناء الوطن المنتمين إلى الثقافة الغربية والذين اهتزت رؤيتهم للإسلام الذي تنزل به الوحى، والتي لم تعد تميز بين واقع المسلمين المتخلف وبين الإسلام، تلك القطاعات التي اختلط فيها المغفلون مع العملاء، لذا كان التعامل معها يحتاج إلى درجة عالية من الذكاء وحسن التناول.

ولا يفوت أي متابع للحركة الإسلامية أن يدرك أن هناك نماذج طفيلية طفت على السطح، واستطاعت أن تتحرك في الحقل الإسلامي من خلال مصالحها الخاصة أو رؤيتها القاصرة فشكلت عائقًا في مسيرة الحركة، ينتظر أيضًا من الحركة الإسلامية أن تكون على مستوى العصر بكل إنجازاته العلمية وأدواته التقنية في العرض والمناقشة والجدال، وأن تكون على مستوى الإسلام في فهم الأحداث وتحليلها ومعالجتها.

الرابط المختصر :