العنوان الإسلام والمسلمون في أمريكا اللاتينية
الكاتب عبد العزيز عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993
مشاهدات 138
نشر في العدد 1054
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 22-يونيو-1993
الجذور المبكرة للإسلام في القارة الأمريكية
تختلف الروايات التاريخية حول بداية تعرف هذه القارة على الإسلام
فأقدم الروايات تشير إلى مجيئه مبكرًا إلى هذه القارة، وتعيده إلى المرحلة التي
أعقبت طرد المسلمين من الأندلس حينما توجه بعضهم إلى الغرب واستقر في هذا العالم
الجديد، وهي المرحلة الأولى من هجرة المسلمين إلى هذه القارة التي سبقت اكتشافها على
يد البحار «كريستوف كولمبوس» فقد كشف د. «هولي لزلي» أستاذ علم النبات بجامعة
بنسلفانيا، وهو من أصل صيني عن أن المسلمين الذين قدموا إلى أمريكا الجنوبية قدموا
من الدار البيضاء على وجه التحديد، واستند في ذلك على وثائق محفوظة في الصين تعود
إلى القرنين 12 و13 الميلاديين (6-7 هـ) وأيد هذا الرأي - كما يذكر د. الفاعوري -
د. «لين شينج» أستاذ التاريخ واللغة الصينية بجامعة هارفارد، ود. «ريتشارد رودف»
وخلال القرن 19 الميلادي عثر مدير المتحف البرازيلي على صخرة بجوار «مدينة ريودي
جانيرو» عليها نقوش وكتابات عربية على الطريقة المغربية ترجع إلى تلك الحقبة.
أما المؤرخ د. «سيدتيشيرا» أستاذ التاريخ بكلية التربية في الجامعة
الفيدرالية بمدينة «سلفادور» في ولاية «باهيه» في البرازيل المهتم بتحقيق هذه
القضية فيؤكد ذلك ويذكر أن القوارب التي وصلت تحت قيادة «كريستوف كولمبوس»
و«كابرال» كانت تحمل مترجمين مسلمين يتكلمون العربية، ليتفاهموا مع الناطقين بتلك
اللغة، وهذا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك على سبق المسلمين في اكتشاف هذه القارة.
مرحلة الاستعمار وانتفاضة"الماليز"
أما المرحلة الثانية لمجيء المسلمين إلى هذه القارة فكانت خلال مرحلة
الاستعمار البرتغالي والإسباني لهذه القارة؛ حيث اختطف الآلاف من المسلمين من
ديارهم في غرب أفريقيا وأحضروا عبيدًا للعمل في المستعمرات الجديدة بالمزارع
والمصانع وفي خدمة أسيادهم البرتغاليين، وذلك خلال القرنين 17 و18، ويبدو أن أولئك
المسلمين كانوا على جهل بأمور دينهم، ولكنهم كانوا متمسكين به فطريًا ولذلك لم
تصطدم معهم الكنيسة الكاثوليكية، بل حاولت استدراجهم إليها مع الاحتفاظ ببعض
معتقداتهم وعاداتهم، فخصصت يوما للقديس «موها ماد»! أي محمد!! تقربًا منهم وحثًا
لهم على الحضور إلى الكنيسة بل أكثر من ذلك أسسوا كنيسة سموها المسبحة، وما هي إلا
المسبحة المعروفة عند المسلمين، ولا تزال موجودة حتى الآن للغرض نفسه، واستحدثت
عادة جديدة في الكنائس البرازيلية وهي إحضار المسابح إلى الكنائس، وهي عادة تنفرد
بها عن سائر الكنائس في العالم، ولكن رغم ذلك فلم يكن المسلمون يرضون بهذه المهانة
أو هذا الاستذلال الذي وصل إلى طمس هويتهم ومحاولة محو عقيدتهم، فقد قام المسلمون
في عام 1835 م بانتفاضة عارمة في «مدينة سلفادور» تسمى انتفاضة الماليز ضد
المستعمر، ومحاولة لاسترداد بعض الحقوق ورغبة في التخلص من ذل الرق والعبودية،
ويذكر الدكتور سيد تشيرا «أنه سبق هذه الانتفاضة انتفاضات في أماكن أخرى، ولكنها
كانت في الغالب موجهة إلى سيد معين، وفي مكان محدد ومحدودة الغرض. ولكن انتفاضة
الماليز 1835 م هي الوحيدة التي اعتمدت على أسس عقدية، وشملت رقعة واسعة من ولاية
باهية، وكانت ذات أهداف إسلامية واضحة».
القمع الثقافي وآثار التعايش الاجتماعي
ولقد تعاملت السلطة الحاكمة مع هذا الحادث- كما ذكر د. سيد تشيرا -
بحزم شديد وبقسوة لا حدود لها، لأن ما حدث يعد سابقة خطيرة، ولذلك أعدمت أعدادا
كبيرة منهم ولم يسلم إلا من فر أو اختفى، أما زعيم الانتفاضة «باسيفيكو ليكوتان»
الذي كان سجينًا عند بدئها فقد حكم عليه بـ 100 جلدة يوميًا أمام أتباعه!
وتدل الوثائق المحفوظة في دار المخطوطات في «سلفادور»- التي زرتها
واطلعت على نماذج من محتوياتها - على أن مجرد وجود كتابة باللغة العربية في بيت
أحد المتهمين كانت كافية لإدانته والحكم عليه، ولذلك تحتوي سجلات المحاكمات
وملفاتها على آلاف الوثائق المكتوبة باللغة العربية - على الطريقة المغربية - وعلى
آيات قرآنية وتعاويذ وأذكار مما يدل على انتشار حالة التدين، وعلى معرفة اللغة
العربية في ذلك الوقت.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد فقد انتهكت حرمات المسلمين فهدمت مساجدهم
أو حولت إلى كنائس، وقد زرنا كنيسة في ولاية باهيه تسمى «لابينيا» كانت مسجدًا لا
تزال ملامحه باقية إلى اليوم، فلا يزال المنبر منتصبا في مقدمته، ولا تزال الأعمدة
والشرفات التي بنيت بطراز يقرب إلى الطراز الأندلسي أو المغربي تشهد على ماضي هذا
المكان، بل شاهدنا حزامًا جميلًا من الكتابات العربية يزين عقود الشرفات والأعمدة
«يقال إنها كانت آيات من القرآن الكريم ثم غيرت إلى نصوص من الإنجيل لكنها كتبت
باللغة العربية ويبدو أن هذا صحيح فالتغيير ظاهر ويدركه من لديه أقل قدرة على
التمييز».
ولكن رغم هذه المحاربة إلا أن
الحياة الاجتماعية في البرازيل وفي أمريكا الجنوبية عموما تأثرت بالتعايش مع
المسلمين، وطبعت بعض مظاهرها ببعض ما ألفه المسلمون الأفارقة، فاللباس كان محتشما
وفضفاضا للرجال أو النساء، بل إن طريقة الجلوس على المائدة في ولاية «باهيه» مثلا
كانت إلى عهد قريب على الطريقة الإسلامية، فالنساء يجلسن أو يتناولن المائدة
بعيدًا عن الرجال كما يذكر د. تشيرا.
الهجرة الحديثة ودور المؤسسات الدعوية
أما المرحلة الثالثة لهجرة المسلمين إلى هذه القارة فهي الهجرة
الحديثة لطلب الرزق وأغلب المهاجرين من بلاد الشام ومصر، وتنتشر بين هؤلاء حالة من
الجهل بأمور الدين مع انقطاع شبه كامل عن تعلمه والتفقه فيه نتيجة للانغماس في
التجارة والعمل وضعف المؤسسات الإسلامية العاملة أو عجزها عن الوفاء بكل
التزاماتها نظرًا لاتساع الساحة وضعف الموارد، ولذلك ليس غريبًا أن تجد بين أبناء
هؤلاء من لا يعرف العربية أو لا يعرف الإسلام أو أنه تحول إلى النصرانية، ولاسيما
من ولدوا من أمهات برازيليات، وقد تقابل أحدهم فيذكر لك اسمه العربي، وأن والده من
سورية أو لبنان، وقد يذكر لك أن أباه كان يقرأ القرآن ويصلي تجاه الكعبة!!
وقد يحتفظ بشيء من ذكرى أبيه كمصحف أو سجادة أو مسبحة!! ورغم هذه
الصورة القاتمة إلا أنه في الجانب الآخر قامت مؤسسات دعوية خيرة مثل «مركز الدعوة
الإسلامية لأمريكا اللاتينية» ومقره مدينة «ساو باولو» بحمل مهمة الدعوة بصبر
وعزيمة وبنظرة طموحة متفائلة، فبنت المراكز، ووفرت الدعاة، وفتحت المدارس واعتنت
بالأيتام والمحتاجين، وعقدت المؤتمرات والدورات، وحركت الإسلام الكامن في النفوس.
ونشرت الكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغتين البرتغالية والإسبانية، بل إن المركز
استحدث قسمًا للترجمة إلى اللغة البرتغالية كان من أهم إصداراته ترجمة معاني
القرآن الكريم وبعض الكتب في العقيدة والفكر الإسلامي، وأصدر - وهي أول مرة تحدث
في أمريكا اللاتينية - مجلة إسلامية هي مجلة «الفجر» التي تهتم بشؤون المسلمين في
هذه القارة، فتنشر أخبارهم وتشاركهم نشاطاتهم، وتسعى لإيجاد رابطة فكرية توحد بين
توجهاتهم. فكان من هذا وذاك خير عظيم، والمستقبل بإذن الله تعالى يحمل الخير
الكثير في إعادة الآلاف من المسلمين الذين هجروا دينهم إلى الدين الحنيف.
اقرأ أيضا:
العرب والمسلمون وأمريكا اللاتينية
ثورة ضد الاستعباد وتراث لم يندثر.. تاريخ المسلمين السود في الأميركتين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل