; الحركة الإسلامية وما قبل السياسة | مجلة المجتمع

العنوان الحركة الإسلامية وما قبل السياسة

الكاتب محمد حمزة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999

مشاهدات 81

نشر في العدد 1354

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 15-يونيو-1999

-    العلمانيون غير مستعدين للتنازل عن أفكارهم فلماذا نطالب الإسلاميين بالتخلي عن فكرة الدعوة إلى الدولة الإسلامية؟
-    حين تحاول قيادات سياسية إصلاحية ليست لها مرجعية دينية أن تؤدي دوراً سياسيا نرى البعض يمتدحها ويصفها بالوطنية، لكنه ينتقد الحركة الإسلامية إن فعلت ذلك!

عانت الحركة الإسلامية – ومازالت تعاني– من نوعين من التكفير، الأول هو التكفير الديني والذي بدأ مع الخارجين عن أطرها الحركية والفكرية تحت ضغط التعذيب أو استعجال النتائج أو تحت ضغط الفهم القاصر للإسلام عموماً، وكان لزاماً على الحركة الإسلامية بدافع الدفاع عن الدين والشريعة أن تتصدى لهذا الفكر وتعلن براءتها منه.
أما النوع الآخر من التكفير، فهو التكفير السياسي، وهذا ميراث حضارة الرجل الواحد والفرد الواحد والزعيم الواحد، والفكر الواحد، والتنظيم الواحد، وهو ميراث لا يمتد إلى القرن الحالي بل إلى قرون، يمتد إلى فرعون ﴿مَا أُرِيكُم إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهدِيكُم إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ (غافر: 29) وعلى رغم ما جاء به الإسلام وما نتج عنه من تحرر سياسي مشهود له بالفتوحات الكبرى والنعيم والرخاء الذي عاشت فيه حتى الطوائف غير العربية وغير المسلمة، إلا أن المنظومة السياسية العربية الحالية تقوم في غالبها على مقوم واحد ألا وهو ما يعرف في الغرب باسم «استعراض الرجل الواحد» One man show، ولم تكن الحركة الإسلامية وحدها ضحية هذا النمط التسلطي في الحكم، بل إن كل من يعارض فهو «كافر سياسيًا» بإنجازات الشعب والأمة والتاريخ والحضارة.. إلخ، فلماذا كانت الحركة الإسلامية الضحية الكبرى لهذا التكفير السياسي؟
هذا هو السؤال الذي دار حوله نقاش على صفحات المجتمع وقد رد البعض الأمر إلى خلل في نمطية تفكير الحركة الإسلامية وإصرارها على النزال في وقت ومكان غير ملائمين لإحراز مكاسب سياسية أو دعوية.

محور الخلاف
تقوم الحركة الإسلامية على البعد الشرعي أولًا وأخيرًا في أدبياتها، ومن ثم في حركتها، حركة تقول: إن الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف مستندة في ذلك إلى أدلة شرعية لا شك فيها، ولم يتناولها أحد من المعارضين لها بالتشكيك بل كان محور الخلاف حول جدوى تطبيقها، فالكثيرون من الحكام يعودون إلى تلك الأصول ويدعون أنهم معها قلبًا وقالبًا، لولا أن الظروف لا تسمح، وهذا يعني صدق التوجه وحسن اختيار الطريق، وهذه الحركة -بما تتضمنه من تنظيمات حركية تنتهج المنهج الفكري الوسطي- تخطئ كثيرًا وربما يكون الخطأ قاتلًا إن هي تخلت عن أحد بل أهم مقوماتها كحركة إسلامية، وبالتالي تصبح أي دعوة لتخليها عن مطلب قيام الدولة الإسلامية والسعي إلى تحكيم شرع الله ردة لن يغفرها لها الله ولن تغفرها لها الجماهير المتعطشة إلى رؤية ذلك اليوم الذي ترتفع فيه راية الدولة الإسلامية خفاقة، ومن ثم تعود الأمة الإسلامية أمة واحدة وتعود إليها الخلافة على النحو الذي يتناسب مع العصر ومستجداته.
صحيح أن حركة التصحيح داخل التنظيم والحركات لابد من أن تأخذ مسارها، لأن التطور من طبيعة الأشياء والكون والحياة، لكن أن يتم ذلك على حساب المثل والمبادئ، فذلك صعب، بل صعب للغاية، والغريب أن تأتي هذه الدعوة في الوقت الذي يطالب فيه العلمانيون الإسلاميين ببيان موقفهم من التنظيمات غير الإسلامية حال استلامهم الحكم، وهو ما يعني أنهم غير مستعدين للتنازل عن أفكارهم لصالح الإسلاميين وتيارهم، ولا لصالح مصلحة الوطن، في الوقت الذي يطالبون فيه الإسلاميين بالتخلي عن فكرة الدعوة إلى الدولة الإسلامية حتى ولو كانت مدنية.

مردود العمل السياسي
يرى البعض ممن يعتبون على الحركة الإسلامية أنها لم تحقق نجاحات، بل إنها تسببت في إخفاقات كان أقصاها التصفية الجسدية لكوادرها عبر مسلسل طويل من السجن والتشريد والإبعاد، مستشهدين في ذلك بما حدث في مصر وتركيا وتونس والجزائر، وغيرها، ولم تتحرك الجماهير لنصرتها، أو الدفاع عنها على رغم ما يقال من أن أتباعها بالملايين، وهذا كلام صحيح لكنه في غير موضعه، بمعنى أن الناظر إلى التصفية الجسدية والتضحيات التي قدمها أبناء الحركة الإسلامية يجد أنها لم تكن بسبب المنهج السياسي بقدر ما كانت بسبب ما ذكرناه أنفاً من معارضتها لفكرة الرجل الواحد والتنظيم الواحد حتى ولو كانت معارضة فكرية -نعم فكرية وليست سياسية- ومن منظور آخر، فأدبيات الحركة الإسلامية المستندة إلى شريعة الله وسنة نبيه -- لا يمكنها وحتى بدون أن تخوض في السياسة إلا أن تصطدم -فكريًا- مع أدبيات الحكم الشمولي وما ينتج عنه من مفاسد، فالدعوة إلى عدم بيع الخمور ليست سياسة، بل هي دين، لا بد من أن يتوافر لها منبر وصحيفة ووسيلة مشروعة للمقاومة، وخصوصاً أن الخمور مما حرم الله وليس في ذلك شك، وكذلك الحال بالنسبة للسرقة والدعارة والفساد بكل الوانه، ولكم رأينا رجال لا يعرفون معنى كلمة السياسة وقد اقتيدوا إلى السجون لأنهم يأمرون بمعروف أو ينهون عن منكر إذن فالتصفية الجسدية بكل أشكالها يمكن حدوثها، بل حدثت دون أن يكون هناك ممارسة لفعل السياسة «المجرمة في نظر البعض»، على أن الجدير بالملاحظة هنا أن هناك تيارات سياسية إصلاحية ليست لها مرجعية دينية تحاول أن تؤدي هذا الدور من أجل مكاسب سياسية ونرى بعضنا يمتدحها ويصفها بالوطنية، ولعلهم كذلك فعلاً، إلا أنه ينتقد الحركة الإسلامية إن فعلت الحركة ذاتها.
بعض من ناقشوا الظاهرة يطالب بالاستمرار في نوادي هيئات التدريس، وكأنها ستكون معصومة، والبعض الآخر يرى الاستمرار في النقابات دون تحويلها إلى منابر سياسية، وحتى لو كانت كذلك، ستكون النتيجة الحتمية المزيد من الالتفاف الجماهيري حول ممثلي الحركة الإسلامية، والمزيد من الانتباه الحكومي والمزيد من التضييق، وذلك لعدم التجانس الفكري- لا السياسي- عند الحكومات التي لا تريد رؤية نموذج مغاير لها أو لأفكارها.

التربية ومخاطر السياسة
يرى البعض أنه يتعين على الحركة الإسلامية العودة إلى مرابض الدعوة ومحاضن التربية، وأن تدع ما للسلطان، وأن تقوم بواجب الرحمن.. وذلك حتى يتم إنقاذ الدعوة من الانهيار والهلاك والتصفية كما يرى البعض أن تدعم الحركة بعض المصلحين وأن تتخلى عن التربية السياسية مقابل السماح لها بالتربية والدعوة، ولست أدري إن كانت هذه دعوة حكومية وعليه فهو عرض مقدم من إحدى الحكومات للحركة يجب عليها أن تدرسه وتقيمه، أم أنه مجرد اجتهاد، وأغلب الظن أنه الأخير، وذلك لما تعلمه جميعًا من محاولات ودعوات من جانب الحركة الإسلامية للحكومات بالتلاقي عند مصلحة الوطن والنظر إلى ما يتهدد الأمة العربية والإسلامية، ولكن الكل يدري الإجابة.. وعلى فرضية تخلي الحركة الإسلامية عن العمل السياسي، هل يعني ذلك أنها ستنعم بالهدوء والدعة والراحة والطمأنينة، وهل يعني أيضًا ألا يحال بينها وبين الناس في نشر الدعوة، وأن يسمح لها بإصدار صحف وكتابة مقالات دعوية وتربوية تحض على الفضيلة، والابتعاد عن الحرام والفساد وكل ما نهى الله عنه؟ ترى هل تسكت الحكومات عن ذلك؟ وعليه، فدعوة الحركات الإسلامية إلى التخلي عن السياسة بدعوى الحصول على الأمن دعوة غير صحيحة، بل هي وهمية، وليس ذلك على مستوي الجماعات فقط بل على مستوى الأفراد أيضًا، والدليل هو ما يعانيه بعض الحكومات من فساد وخلل، استوجب على المصلحين البعد عن الحكومات وتقديم الاستقالة، ولا ينسى المرء تصريحات أحد الزعماء عن وجود مفسدين في حكومته يوم أن قال: «أجيب منين.. ما حدش راضي يقبل الوزارة» ناهيك عمن تركوا مقار وزارتهم احتجاجًا على ما يدور في الكواليس، أو من اضطروا إلى الخروج من الحكم لأنه حاول الإصلاح، إذن فالحكم المسبق على الحركة الإسلامية بأنها السبب فيما يحدث لها نوع من التجني.
على أن البعض لا يرى إبعاد الحركة الإسلامية عن السياسة، بل يرى ترك البعض ليخوض غمار السياسة بعيدًا عن الحركة، بمعنى آخر أن يسمح للبعض بممارسة السياسة دون لافتة الحركة الإسلامية، وتبرير ذلك أن النظم الحالية لن تسمح لأحد بحمل لافتة إسلامية، لكنها قد تسمح لأفراد، والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل ما طرح على السنة البعض من أن بعض الرؤساء والزعماء يمتدح أخلاق الحركة الإسلامية ودورها التربوية وأنهم انتسبوا إليها يومًا ما، ما الضريبة التي سيدفعها أحدهم بعيدًا عن الحركة، حتى يقبل في ركب المسؤولية على مستوى الدول التي لا تقبل بالحرية والعدل والمساواة والطهارة؟ كيف سيقبل رجل يقول الصدق وسط مجموعة من الكاذبين مثلاً وكيف سيجرؤ على المناداة بالعدل، وسيوف المحاكم العسكرية مشرعة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فليأتونا بنماذج من مثل هؤلاء الذين نالوا تربية إسلامية وانتهجوا منهج الحركة الإسلامية، ثم سمح لهم بالوصول إلى السلطة وحافظوا على أنفسهم ودينهم من الضياع، وإذا كان البعض يلوم الحركة الإسلامية بأنها فرطت في شبابها وكوادرها يوم أن زجت بهم في السياسة حتى أدمن البعض السياسة، ونسوا التربية والدعوة، فما بالك بمن يخوض الغمار وحده ويقاوم التيار منفردًا.. أظنه لا يستطيع حتمًا.
منابر وأحزاب: التطور الطبيعي لفكرة الممارسة الديمقراطية يقوم على توسيع قاعدة العمل المؤسسي، وكذلك الحال في العمل الإداري البحث إذ إن هناك ما يعرف بالتفريخ والذي يؤدي إلى مزيد من التفرغ والتخصص، وبالتالي فالمنابر من المفروض أن تؤدى إلى أحزاب، والأحزاب إلى مؤسسات متخصصة «شبابية –علمية– مهنية داخل كوادر الحزب الواحد» ولو عدنا إلى اقتراح العودة إلى المنابر، فإن ذلك يعني أحد أمرين: أولهما أن الشعوب ليست مؤهلة بما فيه الكفاية للحصول على الديمقراطية أو التعامل مع هذا النمط من أنماط الديمقراطية، أو أن البعض يريد اختزال الحكم وتأميمه والسيطرة عليه.
إن مطالبة الحركة الإسلامية بتشجيع مثل هذا التوجه يعني أن عليها الارتماء في أحضان الحزب الحاكم الذي لن يقبل وجود فكر أو تيار يعلم مسبقاً يتفق معه، فالحاصل هو التكفير السياسي ونفي الآخر.. والنتيجة أن على الحركة الإسلامية أن تعود كمنبر في حزب لا يعترف بها كحركة إصلاح وطنية.

المأزق
البعض يرى أن المأزق هو حالة «اختناق حادة بين الحركة الإسلامية وتلك الحكومات» وهذا ليس تشخيصًا دقيقًا للوضع، بل إنه اختزال لكثير من المشكلات، فالمأزق الحقيقي الراهن هو شرعية العديد من تلك الأنظمة من وجهة نظر مواطنيها قبل أن يكون ذلك من وجهة نظر الحركة الإسلامية، وليس هذا فحسب، بل إن حالة الاختناق لم تقل الحركة الإسلامية فقط بل كل أنماط العمل السياسي «المعارض» كما ذكرنا سابقًا، لذا لجأ الكثيرون إلى اتخاذ الحركة الإسلامية هدفًا يرمون إليه سهامهم متهمين إياها بأنها السبب في التخلف والرجعية والأمر بالطبع ليس كذلك المأزق لا يتعلق بالحركة وحدها، إنما بالكل، وعليه، فالكل ينظر إلى الحركة بتاريخها وتصديها وانتسابها العظيم لرسالة السماء أن تكون في الطليعة لا في المؤخرة، أن تأخذ زمام المبادرة، ولا نعني هنا الحرب أو العمل المسلح، بل على الأقل أن تبقى صامدة وأن تتحمل التبعة.
والسؤال الذي يحير الأفهام: كيف تقبل المعارضة بمشاركة الحركة الإسلامية وتدعوها للتحالف وترى فيها تيارًا إصلاحيًا سياسيًا وفكريًا اساسيًا لضبط حركة المجتمع، ثم نرى بعضنا يطالب بالرجوع إلى الخلف أو التقهقر للوراء الإفساح الباب أمام من لا يستطيع الحركة دون دعم من الحركة الإسلامية ومريديها ؟
من الواضح من خلال ما كتب في هذا الشأن أن المطلوب أن تسلم الحركة الإسلامية بصحة المواقف الحكومية، وبخطأ موقفها، فعليها أن تعترف بأن دخول البرلمان ليس من أصل الدين، وأن المشاركة السياسية برلمانية أو محليات أو نقابات لیست ضرورة شرعية.
هل يُراد منها أن تعلن أنها مع الحاكم مسبقاً وعلى أي حال من الأحوال؟ 
هل يراد منها أن تبايع الحاكم دون أن تشترط عليه؟ أو ليس الغرب يفعل ذلك من خلال التحالفات السياسية المحضة، والحركة لا تريد شيئاً لنفسها، فما العيب أن تدعو الحركة الحاكم أو المسؤول أن يتقي الله في الرعية وما العيب أن تنبهه إلى مواطن الخطر ومناطق الانزلاق حتى لا يضيع ولا تضيع الدولة التي هي في نظر البعض أوجب من الواجبات الخمسة المتعارف عليها؟

الحل
لأن سنة الله في دعواته أنها تبقى، فمن الصعب والله أعلم أن تتخلى الحركة عن دعوتها كما أنه من الصعب على المنظور القريب أن يتخلى أصحاب السلطة عن تشددها تجاه المعارضة ومن بينها الحركة الإسلامية، ولذلك، فإن الحل يكمن فيما يلي:
١– قيام البعض ممن يرون أن الحكومات قد تقبل بالحركة الإسلامية كأداة تربوية -لا سياسية- بدور فاعل في تبصير أولي الأمر بحقيقة موقف الحركة من السلطة، وليس فقط نقل وجهة نظر الحكومات إلى الحركة، فإن أمانة الموقف تقتضي الدفاع عن المظلوم والانتصار له ولو بكلمة حق.
٢- قيام بعض المسؤولين فمن عرفوا أبناء الحركة وعايشوهم وجربوا أخلاقهم بدور فاعل في تنفيس الاختناق، والسماح للحركة بالعمل ضمن آلية تتفق عليها الأحزاب والتجمعات المدنية.
٣- إصدار تقرير علمي موثق عن الحركة الإسلامية وتجاربها في الدول المختلفة وعرضه على مراكز الأبحاث والدراسات لتدلي بدلوها في حقيقة الأداء السياسي للحركة وتناغمه مع معطيات العصر من عدمه.
٤- القبول بالحركة الإسلامية كواحدة من أهم خطوط الدفاع عن الوطن ومقدساته حين تنزل المصيبة ويعم الكرب، وعلى الحركة التأكيد على هذا المعنى دائمًا.
٥– توسيع قاعدة الحرية والعدل والمساواة، وإذا ما تحققت هذه الثلاثية، فلن يبقى على تحكيم شرع الله إلا القليل، ففي ظل الحرية، ينحاز الناس إلى الإسلام، وفي كنف العدل يسود الأمن والطمأنينة، وبالمساواة لا يمكن أن يحقد الناس أو يتأمروا.

الرابط المختصر :