; يروي فصولها شهيد حي في سجن عسقلان الصهيوني: مهمة استشهادية لم تكتمل | مجلة المجتمع

العنوان يروي فصولها شهيد حي في سجن عسقلان الصهيوني: مهمة استشهادية لم تكتمل

الكاتب محمد مصطفي نصيف

تاريخ النشر الجمعة 02-يوليو-2004

مشاهدات 54

نشر في العدد 1607

نشر في الصفحة 23

الجمعة 02-يوليو-2004

  • الشهادة كانت أمنيتي.. لكن الحزام الناسف لم يستجب لضغطي
  • لن تُهزم أمة أنجبت أمثال القساميين الأبطال

لحظات فاصلة عاشها أحد الاستشهاديين بكامل مراحلها وإرهاصاتها بين الحياة والموت في انتظار الشهادة في سبيل الله. 

 بيد أن مشيئته سبحانه شاءت أن يبقى على قيد الحياة، وألا يكتب لمهمته الهدف المنشود، وها هو اليوم يروي «من خلف أسوار سجن عسقلان» تفاصيل هذه المهمة الجهادية النبيلة، بدءًا من انخراطه في صفوف كتائب عز الدين القسام وانتهاءً بالقبض عليه ملفوف بالحزام الناسف، وبكل ما تحمله تلك اللحظات من مشاعر وأحاسيس المقبلين على الاستشهاد في سبيل الله.. فماذا عن تفاصيل هذه المهمة؟

يقول هذا المجاهد

التحقت بكتائب عز الدين القسام على يد أحد أعضائها الذي رتب لي لقاءً مع الشهيد مهند الطاهر الذي كان مسؤولًا بارزًا في الكتائب، ولم تكن بغيتي إلّا أن  يقبلني الله شهيدًا في سبيله لإعلاء كلمته سبحانه والإسهام في دحر الغزاة الصهاينة المحتلين.. الذين استولوا على الأرض وانتهكوا العرض وعاثوا في وطننا فسادًا؟ بين تشريد لأهله وتقتيل لأبنائه وتجريف لأرضه وسلب لأمواله ومقدراته. 

 تلقيت اتصالًا من عضو القسام مفاده أنه يرغب في لقائي، وفي الموعد ذهبت إلى المكان المقرر وفوجئت بما رأيت.. كانت هناك طاولة وكرسي وسلاح M16 وكاميرا فيديو. 

وهذه الأشياء يجدها من يُكلف بتنفيذ مهمة استشهادية لتعزيز وتقوية نفسيته، كما أنها تسهم في زيادة القضاءات الإيمانية النورانية في قلب المجاهد وتكرس تعلقه بربه ودينه، وتعظم في تلهفه لقرب لقائه بقائده وقدوته زعيم البشرية والإنسانية صلى الله عليه وسلم وصحابته الغر الميامين. ذلك الجيل القرآني الفريد.

  وذلك ما شعرت به حينما رأيت هذه الأدوات، يضيف الشهيد الحي؛ بعد أن تلوت وصيتي أمام الكاميرا.. دخل القائد القسامي الشهيد مهند الطاهر وهو يحمل حزامًا ناسفًا، وأخبرني بأن العملية المقررة ستكون صباح الغد بمشيئة الله تعالى، وبقيت مع هذا القائد المخلص لبعض الوقت تلونا فيه ما تيسر من آيات القرآن العظيم.. وقرأنا بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تبين معنى الجهاد والاستشهاد وفضله، كما رددت بضع أبيات تنبض بروح الشهادة والاستشهاد، ثم طلبت منه وداع أهلي، وتوجهت إلى بيتنا، ووصلته ليلًا فسلمت على والدي.. ودخلت إلى إخوتي الصغار فوجدتهم نيامًا فبقيت أنظر إليهم حتى منتصف الليل، وفي الصباح ودعتهم جميعًا بعد ما حلقت لحيتي، كي لا أثير شكوك الصهاينة. 

 ومضيت إلى السوق فاشتريت سترة طويلة، ثم ذهبت إلى العضو القسامي لأتسلم الحزام الناسف، وتم الاتفاق على أن أصل قريبًا من حاجز «عناثا» قرب القدس، ونجحت رحلتي بحمد الله رغم أنها كانت بالغة الصعوبة بسبب الحواجز الصهيونية على الطرقات.. حيث كان ينتظرني أحد المجاهدين قرب هذا الحاجز المذكور، وما إن وصلت حتى نقلني بسيارة إلى التلة الفرنسية بالقدس الغربية ودخلنا محطة الحافلات المركزية في الحي الصهيوني، وأشار زميلي – مقلني - إلى المكان الذي سأنتظر فيه ريثما تصل الحافلة الهدف.

  بعد نصف ساعة.. وصلت الحافلة المنتظرة وتريثت حتى صعد أبناء الاحتلال الصهيوني ثم صعدت، ومن أقدار الله أن الحافلة كانت مزدحمة ومملوءة، وليس فيها إلا مقعد واحد شاغر في المقدمة «يسره الله» فجلست فيه. 

ويواصل الشهيد الحي حديثه: لقد تنفست الصعداء وشعرت بأن مهمتي «بإذن الله» قد نجحت، حيث كانت الخطة أن أنتظر حتى المحطة القادمة، كي تسفر مهمتي عن إيقاع أكبر عدد ممكن من الصهاينة المحتلين، حيث استغرقت الرحلة ثلاث دقائق مرت علي وأنا أمني نفسي بالجنة والنعيم، وصارت تتراءى أمام عيني صور الشهداء والحياة الآخرة، والأنبياء والصحابة والفردوس وما أعده الله للمجاهدين في سبيله، وكانت تتوهج ضياء ونورًا وحبورًا كلما اقتربت لحظة الصفر التي حانت.. وإذ بي أردد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، مرات ومرات ومرات.. مع رجاء أن ينصر الله الإسلام والمسلمين ويحرر أهلنا وأرضنا وباقي بلاد المسلمين من كل الظالمين المحتلين المغتصبين.. فقد اشتقت إليك رباه.. اشتقت لأكون مع نبيك في جناتك. 

سميت بسم الله الناصر المعين وقلبي ولساني محطتان تنتقل بينهما «لا إله الا الله.. محمد رسول الله» وضغطت على زر الحزام الناسف..  إلّا أن شيئًا لم يحدث، وأنا ما زلت على قيد الحياة.. فقررت الضغط على الزر ثانية وثالثة لكن لم يحدث أي شيء، فارتبكت وظهر علي التوتر من كثرة ما قمت به من تحريك الحزام الناسف حتى ينفجر دونما جدوى، وفجأة التقت عيني بعيني سائق الحافلة الصهيوني عبر مرآته.. وبدأ يحدثني بالعبرية التي لم أكن أتقنها مما زاد في ارتباكي - وشعرت أنها لحظة ابتلاء- فقد توقفت الحافلة وصعد الجنود إليها لاعتقالي فضربت أحدهم ولم أستطع الصمود أمام جمعهم فسحبوني إلى خارج الحافلة، وانهالوا علي ضربًا، وتمكنوا من نزع الحزام الناسف الذي يلف وسطي، ثم نقلوني إلى زنزانة التحقيق الذي استمر أربعين يومًا تعرضت خلالها لأبشع أشكال التعذيب.. حتى انتهى به المقام إلى سجن عسقلان.. وتلك مشيئة الله التي أتقبلها بكل رضا.. ويبقى لنا الصبر والدعاء.

ولن يخيب رجاء أمة فيها مجاهدون قساميون. 

الرابط المختصر :